كشفت مصادر عسكرية وبرلمانية عراقية في العاصمة بغداد لـ" العربي الجديد"، عن بدء الحكومة عملية مراجعة وتقييم للقيادات الأمنية والعسكرية العليا في البلاد، في إطار مساعٍ لإجراء تغييرات وعمليات مناقلة بينها، تشمل وزارتي الدفاع والداخلية، وأجهزة المخابرات ومكافحة الإرهاب والأمن الوطني، إلى جانب قيادة" الحشد الشعبي"، المظلة الجامعة لأكثر من 70 فصيلاً مسلحاً.
التغييرات المرتقبة، التي لن تكون على شكل حزمة واحدة، وإنما من خلال سلسلة إجراءات حكومية يتخذها رئيس الوزراء، الذي يشغل دستورياً منصب القائد العام للقوات المسلحة، ستتم عقب استكمال عمليات التقييم والتدقيق الخاصة بأداء القيادات في مختلف قواطع العمليات والتشكيلات الأمنية، وفقاً لمصادر متعددة تحدثت لـ" العربي الجديد".
وبحسب المصادر، فإن الأيام المقبلة ستشهد بدء عملية التقييم والمراجعة في مفاصل وقيادات المؤسسات الأمنية، والتي بدأت فعلياً بعمليات تغيير محدودة شملت بعض المناصب المرتبطة بالمكتب العسكري الخاص لرئيس الوزراء.
وأكدت المصادر أن التغييرات الأوسع بانتظار اختيار وزيري الداخلية والدفاع، إذ ما زالت الوزارتان تداران بالوكالة، بعد تعثر البرلمان في التصويت على مرشحي الوزارتين بسبب خلافات سياسية بين القوى الرئيسة في البلاد.
كما ستشمل التغييرات، التي ستجري في أوقات متقاربة، قيادة" الحشد الشعبي"، وفق رؤية الحكومة الرامية إلى إبعاد الشخصيات السياسية والمنخرطة في موجة التصعيد ضد الولايات المتحدة عن المشهد التنفيذي في هذه الهيئة، التي تُعد، وفقاً للقانون العراقي، الجهة المسؤولة عن تنظيم تحرك الفصائل المسلحة وانتشارها.
وأكد مقرر لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، ياسر وتوت، في حديث لـ" العربي الجديد"، هذه المعلومات، وقال إن" هناك حاجة مستمرة إلى عمليات تقييم ومراجعة لأداء المؤسسة الأمنية، في ظل التحديات الأمنية والمتغيرات المتسارعة التي تتطلب وجود قيادات تمتلك القدرة على إدارة الملفات الميدانية والأمنية بكفاءة عالية، والخطوات التي اتخذت خلال الفترة الماضية تؤكد وجود رؤية حكومية تهدف إلى تعزيز المهنية والاعتماد على معايير الإنجاز والكفاءة في إدارة المناصب الأمنية والعسكرية".
وأضاف وتوت أن" التغييرات المرتقبة بعد استكمال اختيار وزيري الداخلية والدفاع ستسهم في بناء فريق أمني متجانس قادر على تنفيذ الخطط الحكومية وتحقيق أعلى درجات التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية، كما أن لجنة الأمن والدفاع النيابية تدعم أي إجراءات تصب في مصلحة تطوير المؤسسة الأمنية والعسكرية وترسيخ مبدأ الكفاءة والاستحقاق المهني".
وبين أن" النجاح في إدارة الملف الأمني يتطلب اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب، مع إخضاع جميع القيادات لمعايير التقييم والمحاسبة بعيداً عن أي اعتبارات أخرى، خاصة أن المرحلة المقبلة تستدعي تعزيز الجاهزية الأمنية ورفع مستوى الأداء في مختلف قواطع العمليات.
ونؤكد أن عملية التغيير لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف تطوير العمل المؤسسي وتحقيق أفضل النتائج على الأرض بما يخدم أمن العراق واستقراره".
ويرى مراقبون أن عملية التغيير في المناصب الأمنية والعسكرية تُعد إجراءً طبيعياً في إطار إدارة مؤسسات الدولة، ولا سيما عندما ترتبط ببرامج الإصلاح والتطوير المؤسسي ورفع مستوى الجاهزية والكفاءة.
كما أن إعادة تقييم القيادات الميدانية والإدارية تمثل إحدى الأدوات المهمة لتشخيص مواطن القوة والضعف ومواكبة المتطلبات الأمنية المستجدة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تعزيز الاستقرار الداخلي ومواجهة التحديات الأمنية المحتملة.
بالمقابل، قال المستشار العسكري اللواء صفاء الأعسم لـ" العربي الجديد"، إن" التغييرات الدورية في المناصب والقيادات الأمنية والعسكرية تمثل إحدى أهم أدوات الإصلاح والتطوير المؤسسي، واعتماد مبدأ التقييم المستمر للأداء وإجراء التبديلات وفق معايير مهنية واضحة يسهم في تعزيز كفاءة الأجهزة الأمنية والعسكرية ويرفع من قدرتها على مواجهة التحديات والمتغيرات الأمنية".
وأكد الأعسم أن" المؤسسات الأمنية والعسكرية الناجحة في مختلف دول العالم تعتمد مبدأ المراجعة والتقييم المستمر للقيادات، لأن طبيعة العمل الأمني تتطلب تجديداً دائماً في الرؤى والخطط وآليات الإدارة، فضلاً عن الاستفادة من الخبرات والكفاءات الموجودة داخل المؤسسة ومنحها الفرصة لتحمل المسؤولية".
وبيّن أن" بقاء بعض القيادات في مواقعها لفترات طويلة من دون مراجعة أو تدوير وظيفي قد يؤدي إلى حالة من الجمود الإداري ويؤثر على مستويات الأداء والابتكار، في حين أن التغيير المدروس والقائم على نتائج التقييم يعزز التنافس المهني ويرفع مستوى الإنجاز ويمنح المؤسسة قدرة أكبر على التطور والتكيف مع المستجدات".
وأضاف أن" التوجه نحو إجراء تقييمات دقيقة وشاملة لأداء القيادات الأمنية والعسكرية في مختلف قواطع العمليات يُعد خطوة مهمة وصحيحة، لأنها تتيح تشخيص نقاط القوة والضعف واتخاذ القرارات المناسبة بشأن استمرار أو استبدال القيادات وفقاً لمعايير الكفاءة والإنجاز والقدرة على تحقيق الأهداف المرسومة".
وأكد أن" أهمية التغييرات لا تقتصر على تطوير الأداء الأمني والعسكري فحسب، بل تمتد أيضاً إلى تعزيز مبادئ النزاهة والشفافية داخل المؤسسة.
فالتدوير الوظيفي وإعادة النظر بالمناصب القيادية بشكل دوري يسهمان في الحد من أي ممارسات سلبية أو حالات استغلال للمنصب قد تنشأ نتيجة البقاء الطويل في الموقع ذاته، كما يغلقان العديد من الثغرات الإدارية والتنظيمية التي يمكن أن تُستغل من بعض ضعاف النفوس لتحقيق مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة".
وختم المستشار العسكري قوله إن" التغييرات المرتقبة يجب أن تستند إلى معايير مهنية ووطنية واضحة بعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو السياسية، وأن يكون الهدف الأساسي منها تطوير المؤسسة الأمنية والعسكرية وتعزيز جاهزيتها وقدرتها على حماية الأمن والاستقرار، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية التي تستدعي وجود قيادات كفوءة وقادرة على تحقيق أفضل النتائج الميدانية والإدارية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك