لكل مجتمع، في لحظات الأزمات، وعي مشترك ومقدسات خاصة تنكشف وتظهر إلى السطح.
ورغم أن هذا الوعي المشترك أصبح أقل ظهورا تحت الخطاب العقلاني للعصر الحديث، فإنه يظل حاضرا بقوة وعمق في اللاوعي الجمعي للمجتمعات.
وكل جماعة نجحت في التحول إلى أمة تمتلك" روحا" خاصة بها، تشكل وعيها ولاوعيها معا.
وهذه الروح هي القوة الأساسية التي تحفظ الأمم وتبقيها قائمة.
فالأمم تعيش بروحها، وما دامت هذه الروح حية فإن الأمة تبقى حية أيضا.
وفي أوقات الأزمات، تخرج هذه الروح من مكامنها لتوجه مسار الأمة.
يشير مفهوم" الروح القومية" من جهة إلى نظرية" الوعي الجمعي" التي طورها عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، ومن جهة أخرى إلى مفهوم" اللاوعي الجمعي" لدى عالم النفس كارل غوستاف يونغ.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار الأسس التي قامت عليها العلوم الحديثة في علم النفس وعلم الاجتماع، فإن فهم أي أمة يمر عبر فهم روحها والقيم الميتافيزيقية التي تستند إليها.
وليس الهدف هنا الخوض في تفاصيل النظريات الاجتماعية والنفسية، بل محاولة فهم الديناميكيات الأساسية للتوتر المستمر منذ أشهر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل من منظور تاريخي وميتافيزيقي، واستشراف المسار المحتمل للأحداث.
فالمبادئ الميتافيزيقية تتجاوز حدود الزمن، وعندما يتم فهمها بدقة تساعد على تفسير مجريات الأحداث بصورة أوضح.
إن الروح القومية الإيرانية عبر آلاف السنين تتجسد إلى حد كبير في هذه العقيدة الثلاثية.
فالروح ذاتها التي اقترحت حفر الخندق أمام المدينة المنورة هي، وفقا لهذا التصور، التي تحول اليوم مضيق هرمز إلى ورقة إستراتيجية مؤثرةعقيدة دفاعية ممتدة عبر التاريخفي عهد النبي محمد ﷺ، وأثناء حصار قريش المدينة المنورة في غزوة الخندق، واجه المسلمون خطرا وجوديا حقيقيا.
وفي تلك اللحظة اقترح سلمان الفارسي- وهو فارسي الأصل- حفر الخندق حول المدينة.
وكان هذا الاقتراح يحمل دلالتين أساسيتين:تحويل الجغرافيا إلى أداة دفاع وسلاح إستراتيجي.
الصبر والانتظار واستنزاف العدو بدلا من المواجهة المباشرة.
ولم يكن اقتراح سلمان الفارسي أمرا عابرا، إذ إن الإمبراطورية الساسانية طورت عبر تاريخها، في مواجهتها للرومان، ثم لاحقا في نماذج مشابهة تجاه قوى أخرى، عقيدة دفاعية تقوم على ثلاث مراحل رئيسية:التراجع وتقليل الخسائر: الانسحاب قدر الإمكان أمام الهجوم والتخلي المؤقت عن بعض الأراضي.
الصبر وانتظار الفرص: التكيف مع الظروف الجديدة وترقب الفرص التي تخلقها تناقضات الخصم الداخلية.
دفع العدو نحو الفوضى: ممارسة الضغوط من الداخل والخارج لجعل الحرب مكلفة وغير مجدية بالنسبة للمهاجم.
ويمكن القول إن الروح القومية الإيرانية عبر آلاف السنين تتجسد إلى حد كبير في هذه العقيدة الثلاثية.
فالروح ذاتها التي اقترحت حفر الخندق أمام المدينة المنورة هي، وفقا لهذا التصور، التي تحول اليوم مضيق هرمز إلى ورقة إستراتيجية مؤثرة.
الأزمة الحالية ومراحل العقيدة الثلاثيرى هذا التحليل أن إيران تطبق اليوم هذه العقيدة التاريخية بدرجة كبيرة.
التراجع: عادت إيران إلى مركزها الجغرافي الأساسي بعد أن تراجعت إلى حد كبير عن مواقعها المتقدمة في سوريا، ولبنان، والعراق، والبحرين، واليمن، على نحو يشبه انسحابات تاريخية سابقة أمام قوى منافسة.
الصبر والانتظار: دخل المجتمع الإيراني في مرحلة تقوم على تقليل الخسائر والتحمل.
وكما انتظرت إيران التاريخية تناقضات خصومها، فإنها تترقب اليوم تأثير المتغيرات الداخلية في الولايات المتحدة وإسرائيل، مثل الانتخابات والضغوط الاقتصادية والرأي العام.
الفوضى والضغط: تسعى إيران إلى توسيع نطاق الضغوط الإقليمية والدولية بما يزيد تكلفة المواجهة على الولايات المتحدة، من خلال التأثير في مواقف الدول العربية، وأوروبا، والصين، وروسيا، والرأي العام الأمريكي.
ويقع مفهوم" الانتظار" في قلب هذه المراحل الثلاث.
فالثقافة السياسية في إيران ترتبط بدرجة كبيرة بفكرة الانتظار، حيث يمثل الإمام المهدي المنتظر رمزا مركزيا في الوعي الديني والسياسي.
ومن ثم فإن الانتظار والصبر يعدان من أعمق السمات المتجذرة في الشخصية التاريخية الإيرانية.
لا تظهر إيران كدولة" تنتظر النصر الفوري"، بل كفاعل سياسي يراهن على عامل الزمن نفسه.
ويعكس الامتداد الإستراتيجي من الخندق إلى هرمز، بحسب هذا الطرح، وجود روح حضارية عميقة تتجاوز حدود الدولة الحديثةالخلاصة: ماذا ستفعل إيران؟وفقا لهذا المنظور، فإن الخيار الأقرب لإيران على المدى القصير هو مواصلة الانتظار وترقب فرص سياسية جديدة، سواء عبر تغيرات في الإدارات الحاكمة أو أزمات داخلية أو ضغوط اقتصادية متزايدة على خصومها.
وبالنسبة لحضارة وثقافة سياسية اعتادت تاريخيا على فكرة انتظار المخلص، فإن السعي إلى التفاهم مع إدارة جديدة أو معطيات سياسية مختلفة يبدو خيارا منسجما مع منطقها التاريخي.
ومن هذا المنطلق، لا تظهر إيران كدولة" تنتظر النصر الفوري"، بل كفاعل سياسي يراهن على عامل الزمن نفسه.
ويعكس الامتداد الإستراتيجي من الخندق إلى هرمز، بحسب هذا الطرح، وجود روح حضارية عميقة تتجاوز حدود الدولة الحديثة.
وفي ختام هذا التصور، يرى الكاتب أن العالم الإسلامي وقف في هذه المرحلة إلى جانب المظلوم، وأن على الدولة الإيرانية أن تبتعد عن السياسات التوسعية، وأن تنخرط بصورة أكبر في مشروع وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها.
وعندها فقط يمكن لتلك الروح الدفاعية الممتدة من الخندق إلى هرمز أن تتحول من إستراتيجية وطنية إيرانية إلى حكمة تخدم مستقبل الأمة الإسلامية بأسرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك