تسبّب هجوم صاروخي روسي استمر طوال الليل على العاصمة الأوكرانية كييف، في اندلاع حريق بالكنيسة الرئيسية التابعة لمجمع دير" كييف بيتشيرسك لافرا" (Kyiv Pechersk Lavra)، المدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة يونسكو منذ عام 1990، بحسب ما أفاد به مسؤولون أوكرانيون، الاثنين.
وأظهرت صور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي ألسنة اللهب تتصاعد من سطح كاتدرائية" رقاد السيدة العذراء" (Dormition Cathedral)، وهي الكنيسة الرئيسية في المجمع.
بدوره، أوضح المتروبوليت إبيفانيوس الأول أن سقف كاتدرائية الرقاد اشتعلت فيه النيران خلال الهجوم الليلي.
وندّد بالضربة، معتبراً أنها جريمة روسية جديدة" ضد الإنسانية، وضد التاريخ، وضد المسيحية"، داعياً إلى الصلاة من أجل إنقاذ الموقع.
كما كتب الأسقف أفراامي عبر" فيسبوك" أن عملية إخلاء طارئة للآثار المقدسة والمقتنيات الكنسية، أُجريت في المجمع عقب الهجوم الروسي الليلي.
وشملت العملية أيقونات أثرية وأقمشة" أنتيمينس" (Antimins) الطقسية وغيرها من المقتنيات الثمينة.
يُعد مجمع دير" كييف بيتشيرسك لافرا"، المعروف أيضاً باسم" دير الكهوف"، أحد أقدم وأهم المراكز الدينية في أوروبا الشرقية، وأحد أبرز رموز التراث الثقافي والروحي في أوكرانيا.
ويقع المجمع على تلال مطلة على الضفة اليمنى لنهر دنيبرو في العاصمة كييف، حيث شكّل على مدى قرابة ألف عام مركزاً للحياة الدينية والتعليمية والثقافية في المنطقة.
تعود نشأة الدير إلى عام 1051، عندما أسس الراهبان القديس أنطونيوس (St.
Anthony) والقديس ثيودوسيوس (St.
Theodosius) مجتمعاً رهبانياً داخل كهوف حُفرت في التلال المحيطة بكييف.
وسرعان ما تحوّل هذا التجمع المتواضع إلى أحد أهم المراكز الروحية في دولة" كييف روس" (Kyivan Rus') التي تُعد النواة التاريخية، لكلّ من أوكرانيا وروسيا وبيلاروس.
واكتسب الدير اسمه من الكهوف التي شكّلت نواته الأولى، إذ تضم شبكة معقدة من الأنفاق والكهوف تحت الأرض يزيد طولها على 600 متر.
وعلى مر القرون، أصبحت هذه الكهوف مكان دفن للرهبان والقديسين، كما تحولت إلى مقصد للحجاج الأرثوذكس من مختلف أنحاء العالم.
ولم يقتصر دور الدير على النشاط الديني، بل أصبح مركزاً للعلم والثقافة ونسخ المخطوطات والتعليم، وأسهم في نشر المسيحية الأرثوذكسية والثقافة السلافية الشرقية.
كما لعب دوراً مهماً في تطور العمارة والفنون الدينية في المنطقة، واستقطب على مدى قرون رجال دين وعلماء وكتّاباً من مختلف أنحاء أوروبا الشرقية.
وتوسع المجمع تدريجياً ليضم كنائس وأديرة وأبراجاً ومباني خدمية وسكنية شُيدت بين القرنين الحادي عشر والتاسع عشر.
ومن أبرز معالمه" كاتدرائية رقاد السيدة العذراء" و" كنيسة بوابة الثالوث" (Trinity Gate Church) و" برج الأجراس الكبير" (Great Bell Tower)، التي أصبحت من أبرز معالم أفق مدينة كييف.
وخلال تاريخه الطويل، تعرض الدير لعدد من الكوارث والغزوات، أبرزها اجتياح المغوللكييف عام 1240، إلا أنه أُعيد ترميمه وتوسع مرات عدة، خصوصاً خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، عندما شهد ازدهاراً كبيراً انعكس في طرازه الباروكي الأوكراني المميز.
كما تعرض المجمع لأضرار جسيمة خلال الحرب العالمية الثانية، عندما دُمرت" كاتدرائية رقاد السيدة العذراء" بصورة شبه كاملة عام 1941.
وبعد استقلال أوكرانيا، أُعيد بناء الكاتدرائية بين عامي 1999 و2000 وفق شكلها التاريخي.
وفي عام 1990، أدرجت منظمة يونسكو" كييف بيتشيرسك لافرا" على قائمة التراث العالمي، باعتباره موقعاً يجسد التأثير العميق للتقاليد المسيحية البيزنطية في أوروبا الشرقية، ويُمثل شاهداً استثنائياً على التبادل الثقافي بين العالم البيزنطي والشعوب السلافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك