وكالة سبوتنيك - "الحوار المهيكل" بين التفاؤل والتشكيك... هل تكسر مخرجاته الجمود السياسي في ليبيا؟ العربية نت - حظر العمل تحت أشعة الشمس في السعودية حتى سبتمبر المقبل الجزيرة نت - كيف تخنق إسرائيل اقتصاد الضفة الغربية؟ إيلاف - تقرير: البنتاغون يتلقى أوامر بالاستعداد لرفع الحصار البحري عن إيران الجمعة روسيا اليوم - مسيرات روسية تستهدف محطة أوكرانية للطاقة في مقاطعة دنيبروبتروفسك العربية نت - ما الفرق بين شبكات الواي فاي وتقنية البلوتوث؟ دليل مبسط وكالة الأناضول - إيران تبحث مع السعودية ومصر أهمية استقرار دائم بالمنطقة رويترز العربية - حزب الله لرويترز: لم ننفذ أي عمليات منذ الاتفاق الإيراني الأمريكي إيلاف - كأس العالم: سقوط كبير لتونس أمام السويد العربي الجديد - المومياء "تخرخوري" تعود إلى ليبيا بعد أكثر من عقدين
عامة

بين الحفظ والتفكير النقدي.. لماذا تحتاج سوريا إلى نموذج امتحاني جديد؟

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ 1 ساعة

مع انطلاق الامتحانات العامة للشهادتين الإعدادية والثانوية في سوريا، تتجدد كل عام حالة الجدل والضجة التي ترافق هذا الاستحقاق التعليمي، وسط شكاوى متكررة من الطلاب وأولياء الأمور بشأن صعوبة بعض الأسئلة و...

مع انطلاق الامتحانات العامة للشهادتين الإعدادية والثانوية في سوريا، تتجدد كل عام حالة الجدل والضجة التي ترافق هذا الاستحقاق التعليمي، وسط شكاوى متكررة من الطلاب وأولياء الأمور بشأن صعوبة بعض الأسئلة وتعقيدها، وضغط المناهج، وطبيعة الامتحانات التي تُحدد مستقبل الطالب في ساعات معدودة.

وبينما تنشغل الأوساط التربوية بمناقشة مستوى الأسئلة وعدالتها، يبرز سؤال أعمق يتعلق بجوهر النظام الامتحاني نفسه، هل ما زالت الامتحانات في سوريا تقيس ما يحتاج إليه الطالب فعلاً في القرن الحادي والعشرين؟وفي مرحلة تسعى فيها سوريا الجديدة إلى إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات طويلة من حكم النظام المخلوع، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة شاملة للمنظومة التعليمية، والتخلص من الإرث البيروقراطي والروتيني الذي رسخ ثقافة الحفظ والتلقين على حساب الفهم والتحليل والإبداع.

فالتحدي اليوم لا يقتصر على صياغة أسئلة أسهل أو أصعب، بل يتجاوز ذلك إلى بناء نموذج امتحاني حديث يقيس التفكير النقدي والاستنتاج والقدرة على حل المشكلات.

امتحانات ما بعد الحروب.

هل تكفي المعايير التقليدية؟يرى خبراء تربويون أن تقييم الطلاب في المجتمعات الخارجة من الحروب، أو النزاعات لا يمكن أن يتم بالمعايير ذاتها المعتمدة في الدول المستقرة، إذ إن سنوات الحرب تترك آثاراً تعليمية ونفسية واجتماعية عميقة تنعكس مباشرة على قدرة الطلاب على التعلم والتحصيل والأداء في الامتحانات.

وفي هذا السياق، يقول رئيس اتحاد الكتاب العرب أحمد جاسم الحسين إن" امتحانات الشهادة الثانوية في مراحل ما بعد النزاع ليست كالامتحانات في الدول المستقرة، وأعتقد أن هذا يدركه التربويون السوريون جيداً، ووزارة التربية تدرك ذلك أيضاً".

ويضيف الحسين، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن الدول التي شهدت نزاعات ثم دخلت مرحلة التعافي أجرت تعديلات جوهرية على أنظمتها الامتحانية، سواء من حيث تعدد أنماط الأسئلة أو منح الطلاب قدراً أكبر من المرونة.

ويوضح أن المقصود ليس خفض المعايير الأكاديمية أو التهاون في جودة الامتحانات، بل تصميم اختبارات تراعي الظروف الاستثنائية التي عاشها الطلاب خلال سنوات الحرب.

ويتابع: " عندما عدت إلى جامعة دمشق للتدريس وجدت أن الطلاب ليسوا بالحالة نفسها التي تركتهم عليها سابقاً، فهم يحتاجون إلى قدر من المرونة ومراعاة أوضاعهم، ليس من باب التسهيل، وإنما تقديراً للظروف التي مروا بها خلال مرحلة النزاع وما بعدها".

ولا يقتصر هذا الطرح على الآراء التربوية المحلية، إذ أظهرت دراسة أعدتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة" يونيسف" عام 2019 حول التكيف النفسي والاجتماعي للطلاب في مناطق النزاع، وشملت أكثر من 3300 طالب وطالبة، أن التعرض للحرب والنزوح والضغوط النفسية يؤثر بشكل مباشر في قدرة الطلبة على التعلم والتركيز والأداء الدراسي.

وأكدت" يونيسف" في هذه الدراسة وغيرها من التقارير المشابهة أن المؤسسات التعليمية مطالبة بتوفير بيئة أكثر دعماً ومرونة للطلاب المتأثرين بالنزاعات، وأن السياسات التعليمية في مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تأخذ هذه الآثار بعين الاعتبار عند تصميم أدوات التقييم والامتحانات.

التعليم خارج عباءة الاستبدادلا يقتصر النقاش حول تطوير الامتحانات في سوريا على شكل الأسئلة أو درجة صعوبتها، بل يمتد إلى فلسفة التعليم نفسها التي حكمت المدارس والجامعات لعقود.

فبحسب أكاديميين وتربويين، لم يكن النظام الامتحاني المعتمد في عهد نظام الأسدين مجرد أداة لتقييم المعرفة، بل جزءاً من منظومة أوسع رسّخت الحفظ والتلقين، وأضعفت مهارات التفكير النقدي والتحليل والمناقشة، بما يتوافق مع طبيعة النظام السياسي القائم آنذاك.

وفي هذا السياق، يقول الأكاديمي محمد نور النمر إن هدف النظام المخلوع من النماذج الامتحانية التقليدية والمعقدة كان" تربية الشعب السوري على الطاعة، وإنشاء جيل متلقٍ يعتمد على الحفظ البصمي، وبعيد كل البعد عن التفكير النقدي والتحليل واستنتاج الأفكار والحلول".

ويؤكد النمر، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن المناهج ونماذج امتحانات نهاية العام كانت تقوم أساساً على التلقين وحشو الطالب بأكبر قدر ممكن من المعلومات، مشيراً إلى أن معيار النجاح لم يكن قدرة الطالب على الفهم أو التحليل، بل حجم ما يستطيع حفظه واستظهاره خلال الامتحان.

ويرى النمر أن سوريا بحاجة اليوم إلى قطيعة حقيقية مع هذا النموذج التربوي، موضحاً أن" التعليم الذي يقوم على تربية الرعايا، الذين يكتفون بالاستماع والتنفيذ من دون مناقشة أو تفكير أو نقد، يجب أن يفسح المجال أمام تعليم يربي الإنسان المواطن القادر على الإبداع والتفكير والتحليل، والفاعل في حياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية".

ويتفق رئيس اتحاد الكتاب العرب أحمد جاسم الحسين مع هذا الطرح، إذ يرى أن نموذج الامتحانات العامة، ولا سيما امتحانات الثانوية العامة، يمثل جزءاً من الإرث التعليمي الذي تشكل في ظل الدولة الأمنية والاستبدادية.

ويقول الحسين إن" السوريين كما أسقطوا نظام بشار الأسد، عليهم أن يسقطوا نظام الامتحانات العامة، وخاصة امتحانات الثانوية العامة؛ لأنها صُممت بشكل متوافق مع النظام القمعي والمخابراتي، القائم على الرعب والخوف، وإضافة إلى أن نظام الامتحانات بشكله الحالي يسيء إلى صورة سوريا الجديدة، ولا يعبر عن الحراك المجتمعي السوري".

ويضيف أن الشعب السوري الذي تمكن من التخلص من منظومة الاستبداد التي حكمت البلاد لعقود، قادر أيضاً على تجاوز نموذج امتحاني أصبح، برأيه، خارج مسار التطور التربوي الحديث، ولم يعد يعكس احتياجات المجتمع السوري أو طموحاته في بناء نظام تعليمي أكثر انفتاحاً وقدرة على تنمية التفكير والإبداع.

يرى تربويون أن أي حديث عن تطوير الامتحانات في سوريا سيبقى ناقصاً ما لم يترافق مع مراجعة شاملة للمناهج الدراسية نفسها.

فشكل الامتحان، بحسب هؤلاء، ليس سوى انعكاس للفلسفة التعليمية التي تقوم عليها المناهج وطرائق التدريس داخل الصفوف، الأمر الذي يجعل إصلاح العملية التعليمية مرتبطاً بإعادة النظر في المحتوى التعليمي وآليات تقديمه للطلاب.

من جهته يؤكد الموجه التربوي صلاح الخطيب أن هذه المناهج الحالية تتسم بالصعوبة والضخامة، وتعتمد بشكل كبير على الحفظ البصم وتلقين الطالب المعلومة طوال العام الدراسي، ليأتي في نهاية المطاف إلى الامتحانات ويُفرغ ما حفظه على ورقة الإجابة، بحيث يصبح النجاح فيها هو الطريق الأساسي للالتحاق بالجامعة.

ويشير الخطيب في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أنه خلال فترة الثورة ونزوح ملايين السوريين إلى دول الجوار والعالم، برز تفوق الطلاب السوريين في جامعات مرموقة في تركيا ومصر ولبنان وألمانيا وغيرها، وهو ما يعكس قدرتهم على النجاح والإبداع.

ويقارن الخطيب ذلك بمناهج دول الجوار التي تتميز بخفتها واعتمادها على الفهم والتحليل والنقد والاستنباط، مؤكدًا أن سوريا الجديدة بحاجة إلى تجاوز أسلوب الحفظ البصم، وتبني وسائل تعليمية حديثة مثل المخابر والأدوات التجريبية والزيارات العلمية الميدانية، لما لها من دور في تعزيز التعلم الحقيقي والفعّال.

يذكر أنه في آب من العام الماضي أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، المرسوم رقم (148) القاضي بتشكيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم.

وسيتولى المجلس -بحسب المرسوم- مهام عدة من أبرزها، رسم السياسات العامة في جميع مراحل التعليم، ودراسة ومراجعة وتطوير المناهج والمضامين التربوية والتعليمية، مع اعتماد الخطط الكفيلة بربط التعليم باحتياجات المجتمع وسوق العمل، وتقييم منظومة التعليم.

لجنة وطنية لإصلاح الامتحاناتومع تزايد التساؤلات عن قدرة الامتحانات العامة على قياس مهارات الطلاب الحقيقية، تتصاعد الدعوات إلى إطلاق مراجعة وطنية شاملة للنموذج الامتحاني السوري، عبر لجنة متخصصة تضم تربويين وأكاديميين وخبراء قياس وتقويم، تتولى وضع أسس جديدة للتقييم تتجاوز ثقافة الحفظ والتلقين إلى تنمية الفهم والتفكير والتحليل.

ويرى الأكاديمي أحمد جاسم الحسين أن المشكلة تتجاوز الامتحان بحد ذاته، وتستدعي توجهاً على مستوى الدولة لإعادة بناء منظومة التقييم التعليمية، داعياً إلى تشكيل لجنة وطنية تضم خبراء وتربويين تتولى مراجعة مفهوم الامتحانات بشكل جذري.

ويشدد على أن المطلوب اليوم هو اجتماع التربويين والخبراء برعاية وزارة التربية لوضع أسس جديدة للامتحانات تجعلها أداة لقياس الفهم والتفكير والتحليل، بدلاً من الاقتصار على استرجاع المعلومات وحفظها، مع ضمان ألا تتحول الامتحانات إلى تجربة ضاغطة أو" عقابية" بالنسبة للطلاب.

من جهته، يلفت الأكاديمي محمد نور النمر إلى أن نموذج الامتحانات العامة في سوريا، كما كان معمولاً به خلال العقود الماضية، يختلف عن العديد من النماذج المعتمدة حتى في الدول العربية المجاورة، إذ يركز بصورة أساسية على قياس قدرة الطالب على الحفظ أكثر من قياس مستوى الفهم والاستيعاب.

ويوضح النمر أن امتحانات الشهادات العامة، سواء في مرحلة التعليم الأساسي أم الثانوية، لا ترتبط بشكل كافٍ بالمخرجات المعرفية المتراكمة للسنوات الدراسية السابقة، ولا تقيس تطور مهارات التفكير لدى الطالب، بل تركز غالباً على استرجاع المعلومات المخزنة، وهو ما يجعل إعادة النظر في فلسفة الامتحانات السورية ضرورة تربوية ملحّة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك