الناصرة- “القدس العربي”: تكشف دراسة جديدة أن 55% من الإسرائيليين يعتقدون أن الاستقطاب الداخلي هو التهديد الأخطر على مستقبل إسرائيل، ويوافق 60% منهم على أن هناك خطرا حقيقيا اليوم بتورط إسرائيل في حرب أهلية، مقابل 23% منهم فقط يرون في قنبلة إيران النووية تهديدا مركزيا عليها، و18% فقط يرون أن الصراع مع الفلسطينيين يشكل تهديدا مركزيا.
كما تقول الدراسة إن ستة من كل عشرة إسرائيليين يتفقون على أن هناك تهديدا حقيقيا لحصول سفك دم وعنف جسدي داخل الدولة، لدرجة نشوب حرب أهلية، وهذا برأي المعهد المشرف عليها (معهد سياسات الشعب اليهودي) هو التجلي الأكثر حدة وخطورة للخوف الجماهيري من وقوع حالة تفكك داخلي.
كُشف النقاب عن هذه الدراسة ضمن مؤتمر “معهد سياسات الشعب اليهودي” الذي عقد في القدس المحتلة تحت عنوان “حالة المجتمع الإسرائيلي”، وبمشاركة شخصيات رائدة من المجال السياسي والأكاديمي والجماهيري.
يأتي هذا المؤتمر على خلفية سجالات ساخنة تفجرت منذ صعود حكومة الاحتلال الحالية في مطلع 2023، بين معسكرين متصارعين على الحكم وعلى هوية وجوهر إسرائيل، وأججتها الخلافات حول إدارة الحروب المتتالية.
ويتضح أن هذه الخلافات الاجتماعية والسياسية والعقائدية القديمة والمستجدة أو المتفاقمة في السنوات الأخيرة نتيجة تزايد ظاهرة التدين والتطرف القومي والديني، لم تطفئها الحرب منذ السابع من أكتوبر.
وتركز الدراسة في مسألة “اللحمة في مرحلة الانقسام”، وهي تعاين قضايا الهوية واللحمة الداخلية ومناعة المجتمع الإسرائيلي في فترة قرارات جماهيرية حاسمة.
هذه الدراسة التي تعكس صورة مركبة للإسرائيليين تظهر أن أغلبيتهم يرون في التصدعات الداخلية التهديد المركزي على دولتهم، وهي مبنية على استطلاعات وأبحاث تعتمد على ثلاثة مقاييس مركزية: مقياس الأمل، والقرب، والتوافق.
وتبين أنهم يحتفظون بمناعة وأمل، لكنهم يكابدون استقطابا حادا ويلازمهم شعور متصاعد بارتفاع التهديدات من الداخل.
وطبقا للدراسة، فإن 60% من مجمل الإسرائيليين متفائلون حيال مستقبل الدولة، ويرى 75% منهم أن عائلاتهم وأصدقاءهم سيبقون يعيشون في البلاد، ويرى ثلثاهم أن إسرائيل هي المكان السليم لعيش الأولاد والأحفاد.
في المقابل، تكشف الدراسة أن نحو نصف الإسرائيليين العلمانيين (المجموعة الإسرائيلية الأكبر لدى اليهود في إسرائيل) غير مقتنعين بأن إسرائيل ستبقى المكان الصحيح والأكثر أمنا لعيش الأولاد والأحفاد.
تتضمن الدراسة معطيات هامة حول ما يرتبط برؤية الإسرائيليين لكيفية ترتيب التهديدات على استمرار بقاء إسرائيل، وتتطرق إلى موضوع علاقة الدين والدولة ومكانة اليهود الأرثوذوكس المعروفين بالحريديم، الذين يشكلون نحو 14% من سكانها.
وفيما يؤيد 80% منهم تجنيد اليهود الحريديم، يرفضها 79% من الحريديم حتى عندما تقترح عليهم أطر عسكرية خاصة مناسبة لهم، مما يدل على حدة الانقسام في هذه المسألة.
في مقياس القربى الذي يعاين مشاعر القرب بين مجموعات يهودية أخرى، تظهر الدراسة أن العرب الفلسطينيين في إسرائيل أقرب من الحريديم بالنسبة لليهود، خاصة العلمانيين.
ويحصل الحريديم على العلامة الأكثر انخفاضا، 3.
79 من 10، من ناحية مشاعر اليهود في إسرائيل، وتنخفض النسبة إلى 1.
8 فقط لدى اليهود العلمانيين، بينما في المقابل يحصل العرب في إسرائيل على علامة أعلى: 4.
28.
وتكشف الدراسة أيضا عن معطى يتعلق بالشعور بالأمان لدى اليهود العلمانيين حيال مستقبل الأجيال القادمة، إذ تظهر أن نحو نصف الإسرائيليين العلمانيين ليسوا مقتنعين بأن إسرائيل ستبقى المكان الأنسب والأكثر أمنا بالنسبة لعيش أولادهم وأحفادهم فيها.
في المجال الأمني، تبدي الدراسة صورة مركبة: انتقال الحرب إلى مواجهة إقليمية مباشرة ضد إيران، مع استبدال قائد الجيش، زاد من ثقة الإسرائيليين بقيادته (82% منهم يقولون إنهم يثقون بقيادة الجيش).
في المقابل، يعرب الإسرائيليون عن تشككهم حيال احتمالات تحقيق مكاسب في غزة، بقدر أكبر من رؤيتهم لإدارة الحرب مقابل إيران ولبنان.
ويرجح معظم الإسرائيليين أن سلطة حماس في قطاع غزة باقية بشكل أو آخر، ويعربون عن خيبتهم من “خطة ترامب” الخاصة بغزة من ناحية تفكيك سلاحها ومن ناحية احتمالات ترميم قدراتها، رغم اتفاق وقف النار واستعادة الأسرى.
تظهر الدراسة أيضا أن الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر زادت من نزوع الإسرائيليين نحو اليمين، حيث زادت نسبة من يرون أنفسهم منتمين إلى “اليمين العميق” من 11% إلى 19% اليوم.
فيما قال 49% من الشباب الإسرائيليين الذين عرفوا أنفسهم قبل الحرب كـ”يسار قريب للمركز” إنهم تحركوا نحو اليمين.
وفي الحلبة الدولية تشير الدراسة إلى ارتفاع منسوب القلق الإسرائيلي من “التفجر الواسع لمعاداة السامية” في العالم.
منوهة إلى أنه في ذروة احتجاجات طلاب جامعات الولايات المتحدة على حرب الإبادة، قال 87% من المستطلعين إنهم قلقون منها.
ويقول نصف الإسرائيليين إن معاداة السامية العالمية تصل بالقوة ذاتها من طرفي الخريطة السياسية، من اليمين ومن اليسار المتطرف.
ويوصي 66% من اليهود في إسرائيل يهود العالم بالهجرة إلى البلاد، وترتفع النسبة لدى أتباع اليمين الإسرائيلي إلى 71%.
وحسب باحثي المعهد، فإن المقاييس الثلاثة تجسد الفجوة بين التفاؤل العام وبين الأزمة الاجتماعية العميقة.
وفي مقياس الأمل هذا العام، يبلغ المعدل 7.
13 من عشرة، بارتفاع مقابل 6.
48 في العام الماضي.
لكن من خلف المعدل تستتر فجوة أيديولوجية كبيرة جدا: أنصار اليمين يمنحون في مقياس الأمل علامة 9.
05 من عشرة، مقابل 3.
67 لدى أتباع اليسار.
ويعتبر المشرفون على المعهد أن الفجوة غير مسبوقة في فهم مستقبل إسرائيل.
وتشير الدراسة إلى أن الانقسامات بين الإسرائيليين حيال قضايا تتعلق بهوية إسرائيل والصراع الإسرائيلي الفلسطيني كبيرة، وتهبط نسبة التوافق عليها إلى 31% فقط.
إذ يعتقد 36% من اليهود أن إسرائيل ليست يهودية بالمقدار الكافي، بينما يعتقد 42% من اليهود العلمانيين أنها يهودية أكثر من اللازم.
ويؤيد 49% من اليهود تعميق السيطرة وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، فيما يؤيد 66% من المواطنين العرب في إسرائيل تسوية الدولتين.
وعقّب رئيس معهد سياسات الشعب اليهودي، بروفيسور يديديا شطيرن، على نتائج الدراسة بالقول في المؤتمر إن “المجتمع الإسرائيلي يبدي مناعة وتصميما وتفاؤلا، لكنه يتصرف كمجتمع متشظ يعاني الاستقطاب والخوف الوجودي العميق من تفكك داخلي”.
ويعتبر أن الانقسامات في إسرائيل هي في أساسها تتسم بطابع عاطفي هوياتي وفئوي، لافتا إلى الحاجة إلى خطة عمل طويلة الأمد لتحييد “المواد المتفجرة الاجتماعية”.
ويدعو شطيرن قادة إسرائيل إلى طرح قضية اللحمة الداخلية على رأس سلم أولوياتهم الوطنية، والسعي بعد الانتخابات إلى تشكيل ائتلاف واسع قدر الإمكان يحدد “قواعد لعب” لإدارة الخلافات بواسطة “دستور مخفف”.
ويعتبر أن التغيير من الممكن أن يقلب التوجهات من انخفاض مقاييس القربى نحو التوحيد والتعافي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك