فيما تواصل شركات أميركية كبرى الضغط لإعادة الموظفين إلى المكاتب بدوام كامل، تكشف البيانات أن العمل من المنزل لم يعد مجرد إرث مؤقت خلفته جائحة كورونا، بل تحول إلى جزء راسخ من طبيعة العمل الحديثة، مع استقرار معدلاته عند مستويات تفوق بكثير ما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
ورغم حملات العودة إلى المكاتب التي قادتها مؤسسات عملاقة مثل جيه بي مورغان تشايس (JPMorgan Chase) ومايكروسوفت (Microsoft) وإنتل (Intel) وتارغت (Target) وهوم ديبو (Home Depot) وثري إم (3M)، تشير أحدث الدراسات إلى أن نموذج العمل عن بُعد وصل إلى مرحلة من التوازن يصعب التراجع عنها، حسب تقرير أوردته وول ستريت جورنال اليوم الاثنين.
فقد أظهرت بيانات مسح شهري أعدّه الاقتصاديون خوسيه ماريا باريرو ونيكولاس بلوم وستيفن ديفيس أن 26% من أيام العمل المدفوعة كاملة الأجر في الولايات المتحدة أُنجزت من المنزل خلال شهر مايو/أيار الماضي، مقارنة مع 27% قبل عامين فقط.
ويبدو هذا الرقم متواضعاً مقارنة بذروة الجائحة، حين بلغت النسبة نحو 30% عام 2022، لكنه يبقى أعلى بكثير من مستويات ما قبل كورونا، إذ لم تكن تتجاوز 7% في عام 2019 وفق بيانات وزارة العمل الأميركية.
وهذا الواقع، حسب الصحيفة، يتناقض مع الصورة التي يروّج لها بعض المديرين التنفيذيين الذين يعتبرون أن عصر العمل عن بُعد يقترب من نهايته.
وكان الرئيس التنفيذي لمصرف جيه بي مورغان تشايس جيمي دايمون قد أثار جدلاً واسعاً عندما تسربت له تصريحات يشكو فيها من غياب الموظفين عن المكاتب، بالتزامن مع فرض المصرف العودة إلى العمل الحضوري خمسة أيام أسبوعياً، وقد نُشرت تلك التصريحات عبر مجلة بارونز (Barron’s).
غير أن المؤشرات الميدانية ترسم صورة مختلفة.
فبيانات شركة كاستل سيستمز (Kastle Systems)، المتخصصة في أنظمة الأمن وتتبع دخول الموظفين إلى المباني، أظهرت أن معدلات إشغال المكاتب في 10 مدن أميركية كبرى لم ترتفع إلا بشكل طفيف مقارنة بالعام الماضي.
كما كشفت بيانات الهواتف المحمولة التي جمعتها شركة بلايسر.
إيه آي (Placer.
ai) أن زيارات المكاتب في أيار الماضي بقيت أقل بنحو 32% من مستوياتها المسجلة في الشهر نفسه من عام 2019.
وتنقل الجريدة الأميركية عن خبراء قولهم إن التغطية الإعلامية المكثفة لقرارات العودة إلى المكاتب التي تتخذها الشركات الكبرى لا تعكس بالضرورة واقع سوق العمل الأميركي بأكمله، إذ تضم الولايات المتحدة أكثر من 163 مليون عامل، فيما تمثل تلك الشركات جزءاً محدوداً من هذا الرقم.
رغم حملات العودة إلى المكاتب التي قادتها مؤسسات عملاقة مثل جيه بي مورغان تشايس ومايكروسوفت وإنتل وتارغت وهوم ديبوت وثري إم (3M)، تشير أحدث الدراسات إلى أن نموذج العمل عن بُعد وصل إلى مرحلة من التوازن يصعب التراجع عنهالكن بطبيعة الحال، لا يملك الجميع خيار العمل عن بُعد.
فالعاملون في المصانع والممرضون والطهاة وغيرهم من أصحاب المهن الميدانية لا يمكنهم أداء وظائفهم من المنزل.
وتشير البيانات إلى أن نحو ثلثي العاملين ما زالوا يداومون حضورياً بشكل كامل، بينما لا تتجاوز نسبة العاملين عن بُعد بدوام كامل 10%، في حين يظل النموذج الهجين، الذي يجمع بين العمل من المنزل والمكتب، الأكثر انتشاراً.
وتشير الدراسات إلى أن الفجوة بين الأجيال تلعب دوراً مهماً في هذا التحول.
فالباحث في جامعة ستانفورد (Stanford University) نيكولاس بلوم وجد أن الشركات التي يقودها مديرون تنفيذيون أصغر سناً تميل إلى اعتماد العمل عن بُعد أو الهجين بدرجة أكبر من تلك التي يديرها رؤساء تنفيذيون أكبر سناً.
كما أن أبحاثاً في جامعة فيرجينيا (University of Virginia) وكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (London School of Economics) تدعم هذا الاتجاه.
ويتوقع بلوم أن تزداد معدلات العمل عن بُعد تدريجياً خلال السنوات المقبلة مع تقاعد عدد من المديرين التنفيذيين التقليديين وصعود قيادات أكثر تقبلاً لهذا النموذج.
كما يرى خبراء آخرون أن الشركات الناشئة، التي تمثل تاريخياً المحرك الرئيسي لنمو الوظائف في الولايات المتحدة، ستكون أكثر ميلاً لتبني أنماط العمل المرنة.
بيد أن الصورة ليست وردية بالكامل.
فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة ساينس (Science) أن العمل عن بُعد أسهم في زيادة الشعور بالوحدة والضغوط النفسية لدى عدد من العاملين الأميركيين.
كما توصلت أبحاث في مجلة كوارترلي جورنال أوف إيكونوميكس (Quarterly Journal of Economics) إلى أن الموظفين الشباب يستفيدون مهنياً من الاحتكاك اليومي بزملائهم الأكثر خبرة داخل المكاتب، وأن تراجع هذا الاحتكاك قد يضعف فرص التعلم والتطور الوظيفي على المدى الطويل.
الشركات التي يقودها مديرون تنفيذيون أصغر سناً تميل إلى اعتماد العمل عن بُعد أو الهجين بدرجة أكبر من تلك التي يديرها رؤساء تنفيذيون أكبر سناًوفي المقابل، ساعد العمل المرن بعض الفئات على البقاء في سوق العمل، إذ أظهرت أبحاث أن العمل من المنزل ساهم في زيادة مشاركة النساء اللواتي لديهن أطفال في النشاط الاقتصادي، كما ارتفعت معدلات توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة منذ الجائحة، مستفيدة من المرونة التي يتيحها هذا النموذج.
وبين مزايا الراحة والمرونة من جهة، ومخاوف العزلة وتراجع فرص التطور المهني من جهة أخرى، يبدو أن الجدل حول العمل من المنزل لن ينتهي قريباً.
لكن ما تؤكده الأرقام اليوم هو أن العودة الكاملة إلى مكاتب ما قبل الجائحة لم تعد السيناريو الأكثر ترجيحاً، وأن نموذج العمل الهجين بات جزءاً ثابتاً من مستقبل سوق العمل الأميركي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك