حذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الإثنين، من أن فرنسا تواجه خطر اندلاع حرب تجارية جديدة مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أن واشنطن ستضطر إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على النبيذ والشمبانيا الفرنسية ما لم تلغِ باريس الضريبة المفروضة على شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى.
وقال ترمب، في مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، إنه وجه تحذيرًا مباشرًا إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبًا بإلغاء الضريبة الرقمية البالغة 3%، وإلا ستواجه فرنسا رسومًا مرتفعة على صادراتها من النبيذ إلى السوق الأميركية، التي تستحوذ على نحو خُمس مبيعات قطاع النبيذ الفرنسي عالميًّا، بما تتجاوز قيمته ملياري دولار سنويًّا.
وأضاف: «طلبت منه عدم فرض رسوم على الشركات الأميركية، وإذا فعلوا ذلك فلا خيار أمامي سوى فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على جميع أنواع الشمبانيا والنبيذ القادمة من فرنسا».
وتابع قائلًا: «كل ما على ماكرون فعله هو إلغاء ضريبة المبيعات، وعندها لن يواجه هذا النوع من الضغوط».
يفتح هذا الإنذار الباب أمام مواجهة محتملة خلال قمة مجموعة السبع التي تنعقد اليوم الإثنين في مدينة إيفيان ليه بان، حيث يجتمع قادة الاقتصادات الكبرى لمناقشة قضايا التجارة والأمن والسياسات الاقتصادية.
كما تنسف تصريحات ترمب ما أعلنته الرئاسة الفرنسية الأسبوع الماضي بشأن التوصل إلى تسوية هادئة للخلاف الطويل بين البلدين حول فرض الضرائب على شركات وادي السيليكون.
وكان مصدر مقرب من ماكرون قد قال للصحفيين إن القضية «لم تعد مطروحة للنقاش» داخل مجموعة السبع، غير أن مسؤولًا أميركيًّا نفى ذلك فورًا، واصفًا هذا التوصيف بأنه «غير دقيق»، بحسب «نيويورك بوست».
في السياق، قال مصدرو النبيذ والمشروبات الروحية في فرنسا، اليوم الإثنين، إن تهديد الرئيس الأميركي يمثل خبرًا سيئًا لقطاع يعتمد بدرجة كبيرة على التصدير، ويجد نفسه عالقًا في نزاع لا يملك السيطرة عليه.
وقال اتحاد مصدري النبيذ والمشروبات الروحية الفرنسي، في تعليق لوكالة رويترز: «هذا التهديد الجديد يمثل خبرًا سيئًا لقطاعنا الذي يعتمد بشكل كبير على الصادرات».
وأضاف الاتحاد أن العلاقات التجارية بين فرنسا والولايات المتحدة يجب أن تقوم على «سلوك مسؤول»، داعيًا إلى إقامة علاقات تجارية متوازنة وبنَّاءة بين البلدين «لما فيه مصلحة الاقتصادين».
يعيد تهديد ترمب الأخير إحياء مقترح فرض رسوم جمركية بنسبة 100% الذي طرحه الممثل التجاري الأميركي لأول مرة خلال تحقيق أُجري عام 2019 بشأن الضريبة الفرنسية.
وبالرغم من أن ماكرون كان يوصف سابقًا بأنه قادر على التوصل إلى تفاهمات مع ترمب، بما في ذلك هدنة اللحظات الأخيرة خلال قمة مجموعة السبع عام 2019 في مدينة بياريتز، فإن الإدارة الأميركية تتبنى حاليًّا نهجًا أكثر تشددًا في الملفات التجارية الدولية.
وأشار المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، إلى مذكرة رئاسية صدرت في فبراير/ شباط 2025، أكدت أن الشركات الأميركية لن تستمر في «دعم الاقتصادات الأجنبية المتعثرة عبر الغرامات والضرائب الابتزازية».
وكلفت المذكرة الممثل التجاري الأميركي جاميسون غرير ووزارة الخزانة بدراسة إعادة فتح تحقيق رسمي بشأن الضريبة الفرنسية.
يأتي التهديد الجديد في إطار الخلاف المستمر بين واشنطن وباريس بشأن الضريبة الرقمية الفرنسية المفروضة على إيرادات شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى العاملة في السوق الفرنسية.
وتطبق فرنسا منذ عام 2019 ضريبة الخدمات الرقمية المعروفة باسم «ضريبة غافام» (GAFAM)، التي تفرض رسومًا بنسبة 3% على الإيرادات المحلية التي تحققها شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «ألفابت» المالكة لـ«غوغل»، و«أمازون»، و«ميتا»، و«آبل».
وبما أن الضريبة تستهدف الإيرادات الإجمالية وليس الأرباح، فإن أثرها يقع بشكل رئيس على شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة، وقد حققت للخزانة الفرنسية نحو 700 مليون دولار العام الماضي، وفقًا لوزارة المالية الفرنسية.
وتصاعد الجدل في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي عندما صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان الفرنسي) بأغلبية 296 صوتًا مقابل 58 لصالح مضاعفة الضريبة إلى 6% وتشديد معايير تطبيقها على أكبر الشركات العالمية فقط، قبل أن يعترض الوزراء على المقترح ويوقفوه.
وكان بعض النواب الفرنسيين قد اقترحوا في البداية رفع الضريبة إلى 15% قبل التراجع عن ذلك تحت ضغط قطاع الأعمال.
وحذَّر وزير الاقتصاد الفرنسي السابق رولان ليسكور آنذاك من أن فرض ضريبة «غير متناسبة» قد يؤدي إلى ردود أميركية «غير متناسبة».
تُعد الولايات المتحدة أكبر مستورد للنبيذ والمشروبات الروحية الفرنسية، إذ استحوذت العام الماضي على 21% من إجمالي صادرات القطاع، وفق اتحاد مصدري النبيذ والمشروبات الروحية الفرنسي.
وتخضع صادرات النبيذ الأوروبية والفرنسية إلى الولايات المتحدة حاليًّا لرسوم جمركية بنسبة 15%، بعدما كانت 10% في السابق.
وأوضح الاتحاد أن صادرات النبيذ والمشروبات الروحية الفرنسية إلى الولايات المتحدة تراجعت بنسبة 21% خلال العام الماضي.
فيما أظهرت بيانات نقلتها جمعية الاقتصاديين الأميركيين للنبيذ (AAWE)، استنادًا إلى أرقام صادرة عن الإدارة العامة للجمارك والضرائب غير المباشرة في فرنسا، أن قيمة صادرات النبيذ الفرنسي إلى الولايات المتحدة تراجعت بنسبة 15.
9% خلال عام 2025.
وبلغت قيمة الصادرات 1.
9 مليار يورو (2.
2 مليار دولار) في عام 2025، مقارنة مع 2.
4 مليار يورو في عام 2024.
وقالت الجمعية، في منشور عبر منصة «لينكدإن»، إنه ليس من الواضح ما إذا كان هذا التراجع ناجمًا عن الرسوم الجمركية أو عن تحول أوسع في سلوك المستهلكين نحو شراء أنواع أقل سعراً من النبيذ.
لا تعد هذه المرة الأولى التي يلوح فيها ترمب بإجراءات مماثلة ضد المنتجات الفرنسية والأوروبية، فقد هدد ترمب في يناير/ كانون الثاني الماضي بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على النبيذ الفرنسي بسبب نية باريس رفض دعوة للانضمام إلى «مجلس السلام» الذي اقترحه لمعالجة النزاعات الدولية.
وفي المقابل، تراجعت دول أخرى عن فرض ضرائب مماثلة تحت ضغط واشنطن؛ إذ ألغت كندا ضريبة الخدمات الرقمية عام 2025 للحفاظ على محادثات التجارة مع الولايات المتحدة، فيما تدرس إيطاليا إلغاء ضريبتها أيضًا، بينما أبقت المملكة المتحدة على ضريبة الخدمات الرقمية ضمن ترتيباتها التجارية الحالية مع واشنطن.
وتضم مجموعة السبع كلا من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وكندا والمملكة المتحدة، بينما استُبعدت روسيا من المجموعة بعد ضمها شبه جزيرة القرم، ولم تنضم الصين إليها بالرغم من مكانتها الاقتصادية العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك