في ما يوصَف بأنّه انتكاسة لـ" حزب الشعب السويسري" الشعبوي، رفض الناخبون بفارق ضئيل مقترحاً مناهضاً للهجرة ينصّ على وضع سقف لعدد السكان، كان قد تسبّب في انقسام حاد.
فبعد منافسة محتدمة بين مؤيّدي مقترح" لا لسويسرا الملايين العشرة! " ومعارضيه، الذي طرحه الحزب اليميني المتشدّد، رفضه نحو 55% من المستفتين، وهو أمر جعل المسؤولين في سويسرا يتنفّسون الصعداء وكذلك الأوساط الاقتصادية.
وكان الناخبون قد أدلوا بأصواتهم، أمس الأحد، بشأن مقترح الحزب اليميني الرئيسي في سويسرا الذي يملك أكبر عدد من المقاعد في البرلمان، مع العلم أنّه أثار مشاعر معادية للهجرة على مرّ السنين، ولا سيّما بشأن تدفّق العمّال من الاتحاد الأوروبي المجاور، قبل أن تكشف توقّعات أولى أنّ الناخبين في سويسرا رفضوا، بمعظمهم، المقترح المثير للجدال المطالب بوضع سقف لعدد السكان؛ عشرة ملايين نسمة.
وأعرب وزير العدل السويسري بيت يانس عن ارتياحه إزاء نتيجة الاستفتاء، قائلاً في مؤتمر صحافي إنّ الشعب سويسرا" وجّه إشارة استقرار وانفتاح ومصداقية".
كان يانس قد صرّح في سياق متصل، صباح الأحد، لصحيفة" تريبون دو جنيف"، إنّ" المخاطر مرتفعة جداً"، محذّراً من إمكانية أن يطلق التصويت العنان لوضع أشبه بـ" بريكست" سويسري.
وبعد وقت قصير من انتهاء التصويت، الأحد، بيّن معهد الإحصاء السويسري" جي إف إس.
برن" أنّ نحو 55% من المواطنين المستفتين عارضوا مبادرة" حزب الشعب السويسري" اليميني المتشدّد، التي حذّر من خلالها من" الفوضى" ومن تداعياتها المدمّرة بالنسبة إلى الاقتصاد السويسري والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي.
وأشارت استطلاعات الرأي إلى أنّ النتائج سوف تتقارب، إلى حدّ كبير، في التصويت الذي طُرح بناء على النظام السويسري للديمقراطية المباشرة.
ورحّب كلّ من أصحاب العمل والنقابات في سويسرا بالنتيجة.
وبعد ظهور التقديرات الأولى، قالت مديرة منظمة" إيكونومي سويس"، كبرى المنظمات التي تمثّل قطاع الأعمال في البلاد، مونيكا رول، في تصريحات إلى شبكة البثّ السويسرية العامة" راديو تيليفيزيون سويس" أو" إر تيه إس"، أمس الأحد: " نشعر بالسعادة والارتياح.
هذه نتيجة مهمّة بالنسبة إلى بلادنا وعلاقاتنا مع الاتحاد الأوروبي".
بدوره، رأى اتحاد النقابات السويسري، في بيان أمس الأحد، أنّ" شعب سويسرا، برفضه مبادرة حزب الشعب السويسري، قال لا للانعزالية وكراهية الأجانب".
يُذكر أنّ المبادرة المقترحة من قبل" حزب الشعب السويسري" الشعبوي تلقى معارضة واسعة من الحكومة والبرلمان وقطاعات اقتصادية عديدة.
في المقابل، أشار" حزب الشعب السويسري" إلى أنّ الناخبين فوّتوا فرصة لمعالجة" المشكلات الهائلة" التي تتسبّب فيها" الهجرة واسعة النطاق".
وقال رئيس الحزب مارسيل ديتلينغ، لوسائل الإعلام، " إنه يوم (.
) مخيّب للآمال بالنسبة إلينا وكذلك بالنسبة إلى سويسرا كلّها"، لافتاً إلى أنّ الناخبين في المناطق الريفية أيّدوا مقترح حزبه بكثافة.
وبلغت نسبة المشاركين في التصويت نحو 59% من مجمل عدد الناخبين، وهي أعلى بكثير من المتوسط البالغ 49% في الاستفتاءات الشعبية التي أُقيمت في سويسرا خلال السنوات الأخيرة.
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة" جنيف" باسكال سياريني لوكالة فرانس برس إنّ هذا الإقبال" ليس مفاجئاً، نظراً إلى حدّة الحملة التي كانت نشطة جداً في معسكرَي المؤيّدين والرافضين على السواء".
ولفت سياريني إلى أنّ النسبة" ليست مستغربة"، إذ" كانت سياسة سويسرا الأوروبية كذلك جزئياً على المحكّ، إلى جانب مسألة سياسة الهجرة".
ولاحظ أنّ الخسارة التي مُني بها" حزب الشعب السويسري" تُعَدّ" هزيمة محدودة الحجم"، مشيراً إلى أنّ الحزب الذي يستحوذ على نحو 30% من مقاعد البرلمان نجح في استقطاب أكثر من 45% من الناخبين لمصلحة مقترحه.
من جهته، اتّفق النائب عن" حزب الشعب السويسري" توماس آيشي مع هذا التقييم، قائلاً في تصريح لوكالة فرانس برس إنّ نتيجة يوم الأحد شكّلت" رسالة قوية جداً".
أضاف أنّها أظهرت أنّ" جزءاً كبيراً جداً من السكان في سويسرا لا يريد استمرار الهجرة على ما هي اليوم".
وعلى الرغم من ترحيب منظمة" إيكونوميسويس" برفض مقترح" حزب الشعب السويسري"، أقرّت بأنّ" من الواضح أنّ الهجرة تمثّل مصدر قلق للسكان".
ولاحظت، في بيان، أنّ" الشعب وجّه إنذاراً إلى السياسيين".
وكان التوتّر قد سيطر بشأن مقترح" لا لسويسرا الملايين العشرة! " الذي طرحه" حزب الشعب السويسري" اليميني المتشدّد.
فالمقترح يطالب باتّخاذ إجراءات تحول دون تجاوز عدد سكان هذه الدولة الثرية، الواقعة في جبال الألب، 10 ملايين نسمة قبل عام 2050، علماً أنّها تعدّ حالياً 9,1 ملايين نسمة.
يُذكر أنّ المقترح اليميني، في حال إقراره، كان من شأنه أن يضع حدّاً للهجرة إلى سويسرا التي يشكّل الأجانب أكثر من ربع سكانها.
وذلك من خلال تقييد منح اللجوء ولمّ شمل الأسر بمجرّد وصول عدد السكان إلى 9,5 ملايين نسمة، وهو أمر من المرجّح أن يحدث في ثلاثينيات القرن الحالي.
ولو تبيّن أنّ هذه التدابير غير كافية، في حال إقرار المقترح، فسوف يتعيّن على سويسرا إنهاء اتفاقية حرية الحركة مع الاتحاد الأوروبي، التي تسمح بحقوق متبادلة للعيش والعمل عبر الحدود، على الرغم من أنّ سويسرا ليست عضواً في الاتحاد.
في هذا الإطار، أفاد المتقاعد السويسري جيل هيرت فرانس برس، في مركز اقتراع بكانتون برن، بـ" وجوب أن يكون ثمّة حدّ"، مقارناً الوضع في سويسرا بالسفينة.
وشرح: " إذا كانت (السفينة) مصمّمة لـ150 شخصاً ووَضعتَ على متنها 250 شخصاً، فإنّ مساحتها تضيق.
وإذا وضعتَ على متنها 350 شخصاً، فسوف تغرق".
ويشدّد" حزب الشعب السويسري" على وجوب فرض إجراءات جذرية، ويحمّل" الهجرة واسعة النطاق" مسؤولية مجموعة كبيرة من المشكلات، تبدأ من أزمة السكن وارتفاع بدلات الإيجار وصولاً إلى ازدحام القطارات والاختناقات المرورية على الطرقات.
ومع بدء ظهور التوقّعات، قالت النائبة عن" حزب الشعب السويسري" سيلين أمودروز لـ" إر تيه إس" إنّها تشعر بـ" خيبة أمل" حيال التوقّعات المرتبطة بنتائج استفتاء الأحد، وحذّرت من أنّ سويسرا تواجه" تحديات هائلة".
من جهته، كان نائب آخر عن الحزب، إيفان باهود، قد قال لوكالة فرانس برس قبل بدء التصويت، إنّ" سويسرا دولة صغيرة لا يمكن أن تتوسّع".
أضاف: " لا نريد استقبال كلّ أوروبا".
من جهتها، قالت المدرّسة جوزيفينا لوكي لوكالة فرانس برس، من برن، إنّها صوّتت ضدّ مبادرة" حزب الشعب السويسري".
ولفتت إلى أنّه" في ظلّ العولمة، من الغباء محاولة إغلاق الحدود وتحديد عدد الأشخاص الذين يحقّ لهم أن يكونوا هنا".
تصويت آخر على الخدمة المدنية في سويسراوأدلى الناخبون في سويسرا بأصواتهم، الأحد كذلك، مشروع قانون أقرّه البرلمان لفرض قيود على الخدمة المدنية وجعلها أقلّ جاذبية،كذلك وافق السويسريون، أمس الأحد، على مشروع قانون لفرض قيود على الخدمة المدنية وجعلها أقلّ جاذبية، ويعزّز في المقابل الإقبال على الخدمة العسكرية، في وقت تدفع حرب أوكرانيا وغيرها من التوتّرات الجيوسياسية البلدان الأوروبية إلى زيادة عديد قوّاتها.
وأظهرت النتائج النهائية أنّ 52,5% من المصوّتين أيّدوا مشروع القانون هذا.
وكان اليساريون في الدولة المحايدة عسكرياً قد دعوا إلى هذا الاستفتاء، علماً أنّهم يشيرون إلى أنّ مشروع القانون خطر وقد يؤدّي إلى إلغاء الخيار البديل للخدمة العسكرية بالكامل.
وكانت التقديرات الأولية، بعد ظهر الأحد، قد رجّحت أن يحظى الاستفتاء بموافقة بنسبة 53%، لكنّ معهد الإحصاء" جي إف إس.
برن" أشار إلى أنّ هامش الخطأ يبلغ 3%، الأمر الذي يعني أنّ النتيجة النهائية غير محسومة بعد.
تجدر الإشارة إلى أنّ الخدمة العسكرية إلزامية للرجال في سويسرا، ويخدم المجنّدون من ضمن نظام فريد من نوعه، إذ يؤدّون ما لا يقلّ عن أربعة أشهر من الخدمة العسكرية الأساسية، ثم يُستَدعون مرّات عدّة على مدى نحو عقد من الزمن للمشاركة في دورات تدريبية تستمرّ أسابيع عديدة كلّ مرّة.
ومنذ عام 1996، يُسمَح للأشخاص الذين يعارضون الخدمة العسكرية، لأسباب" ضميرية"، بأداء خدمة مدنية بديلة.
ومنذ تبسيط شروط اختيار الخدمة المدنية في عام 2009، تزايد عدد الأشخاص الذين يفضّلون هذا الخيار، في اتّجاه حذّرت الحكومة من أنّه صار يسبّب" مشكلة".
(فرانس برس، أسوشييتد برس، العربي الجديد).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك