في العام المنصرم، السابع والأربعين بعد الأربعمائة والألف، رُفعت السرّية عن فضائح رجالٍ كبار من ساسة الغرب ومثقفيه وعلمائه، فيما عرف بملفات إبستين، ووقف العالم مشدوها أمام كمّ القذارة التي غرق فيها من كانوا يصنّفون في خانة “الكبار”، بينهم قادة دول وساسة ورجال أعمال، وحتى علماء كبار! استغرب العالم لِما نشر، ولكنّنا نحن المسلمين لم نستغرب، لأنّنا على يقين تامّ بأنّ حجم القذارة التي يغرق فيها سادة الغرب من عبيد إبليس أفظع ممّا نشر، كيف لا والله تعالى يقول: ((لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون)).
مهما بلغ الغرب في تطوّره ومدنيته، فإنّه ما دام بعيدا عن الوحي ورسالة السّماء، سيظلّ خاضعا للشّهوات منقادا للغرائز غارقا في الأهواء، يُظهر وجها مزيّنا بالمساحيق ويرفع شعارات براقة من التحضّر والحرية وحقوق الإنسان، لكنّه خلف السّتار يعيش بوجه آخر من الحيوانية والبهيمية والشّذوذ… لذلك ينبغي لنا نحن المسلمين أن نبقى متشبثين بديننا معتزين بهويتنا ولا نرعي أسماعنا لمن يتهمنا بالتخلف! تخلفنا في المجال العلمي والتكنولوجيّ ليس سببه ديننا، إنّما سببه علمانية رهنت خيراتنا وكبّلت قدراتنا وقتلت أحلامنا وآمالنا.
في أواخر هذا العام المنصرم، كشف في بلاد الحرمين، عن مجموعة من الآثار عمرها حوالي 1420 عاما، يعود كثير منها إلى خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضـي الله عنه-، في محافظة المهد التابعة لمنطقة المدينة المنورة….
المكان يبعد أقلّ من 140 كم شرق “يثرب”، والكتابات واضحة، بالخطّ الحجازي القديم على حجارة سوداء، بينها عبارة “الله ولي عمر بن الخطّاب في الدّنيا والآخرة”، وعبارة أخرى يُظنّ أنّه قد كتبها زيد بن ثابت –رضـي الله عنه-.
كثير من الباحثين في الآثار أكّدوا صحّة نسبتها إلى العهد الإسلاميّ الأوّل.
ولذلك، فالمفترض أن تكون موعظة للمسلمين جميعا، تزيدهم يقينا بصحّة دينهم وتاريخهم الذي يشكّك فيه الملاحدة والعلمانيون والمغرضون في هذه السّنوات الأخيرة… ويفترض أن تكون كذلك موعظة لمن شرّفهم الله وابتلاهم بسكنى تلك البلاد العزيزة.
فإذا كانوا يفخرون باكتشاف هذه الآثار في بلادهم، فالواجب عليهم أن يظهروا احترامها وتوقير أصحابها.
هذه الآثار تدلّ على أنّ رجالا عظماء مرّوا من هناك؛ رجالا حملوا اليقين بدينهم الإسلام في قلوبهم حتّى صار نقشا لا يزول، رجالا اعتزوا بدينهم فأعزّهم الله، اتّقوا الله وخافوه والتزموا حدوده، وبذلوا الغالي والنفيس وقدّموا الأموال والأهل والأرواح في سبيل هذا الدّين.
وعمر بن الخطّاب –رضـي الله عنه-، خاصّة، قد بذل روحه فداءً لهذا الدّين في محراب المسجد النبويّ، في مكان لا يبعد بسوى 140 كلم عن تلك النقوش؛ بذل روحه لأنّه أراد لأمّة الإسلام أن تكون عزيزة مهيبة الجانب.
هذه النقوش يفترض أن تذكّر الأمّة بأنّه في تلك البلاد عاش محمّد وصحبه، ومن تلك البلاد انطلقت الفتوح في كلّ اتجاه، وأنّ تلك البلاد تحتوي على ترابها أقدس مكانين على ظهر هذه الأرض.
والواجب أن يحترم التاريخ وتُعرف للمكان حرمته، فلا يكون في بلاد الحرمين شيء يخالف ما عاش عليه النبيّ وصحبه الكرام… ليس يليق أن تربض على تلك الأرض قواعد أمريكية، ولا يجوز بحال أن تنطلق منها الطائرات لتدكّ بلاد المسلمين، ولا يليق أن تتحوّل بعض المناطق في تلك البلاد إلى ساحات للمهرجانات والغناء والرقص والتعري!عود على بدء: وماذا عن حصادنا؟ !رحل العام الهجريّ 1447 محمّلا بآلام المسلمين وآمالهم، ومن واجبنا ونحن نودّعه أن يسأل كلّ منّا نفسه: وماذا عن آلامي وآمالي في العام المنصرم؟ ماذا قدّمت فيه لنفسي وديني وأمّتي وإخواني؟ هل أثّرتْ فيَ آلام أمّتي فعدّلت وجهتي وارتقيت باهتماماتي؟ ماذا قدّمت لآخرتي في هذا العام؟ كم ركعة صلّيت لظلمة القبر، وكم يوما صمت لحرّ يوم الحشر؟ وكم صدقة قدّمت أرجو ظلّ يوم القيامة؟ وكم ختمة لكتاب الله أعددت لدرجات الجنّة؟ وكم دمعة ذرفتها خوفا من الحساب والعذاب وأسفا على التفريط والتقصير؟ كم دمعة سالت من عيني على إخواني المسلمين في غزّة والسودان وتركستان ولبنان وإيران؟عام آخر انقضى من أعمارنا، فهل ازددنا فيه قربا من الله، وهل ازدادت فيه قلوبنا لينا وخشوعا؟ هل أصلحنا شيئا من الفوضى التي نعيشها في حياتنا؟ هل تداركنا النقائص التي في بيوتنا؟في هذا العام، وككلّ عام، انطلق الحجيج نحو بيت الله الحرام؛ ودّعناهم في المطارات، ثمّ استقبلنا من عاد منهم؛ فهل تساءل كلّ واحد منّا: متى يحين دوري؟ متى أكون من ضيوف الرّحمن في بيته الحرام؟ متى أتمّ دينيّ حتى لا أقابل ربّي بدين منقوص؟ نحمل هموما كثيرة تثقل نفوسنا وأبداننا؛ همّ مصروف رمضان، همّ الدخول المدرسيّ، همّ كسوة العيد، وهكذا.
لكن لعلّ قلّة قليلة منّا تحمل همّ فريضة الحجّ، وتجعل لها نصيبها الواجب من الأموال التي تكسب!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك