القدس العربي - الوطن الأب القدس العربي - حماس ترحب باتفاق واشنطن وطهران لوقف الحرب في الشرق الأوسط الجزيرة نت - هوليود تنتفض بعد موافقة وزارة العدل على صفقة باراماونت ووارنر براذرز وكالة الأناضول - البرهان: العملية السياسية شأن سوداني ونرحب بأي دعم يحترم السيادة إيلاف - لماذا لا تنطلق مباريات كأس العالم في موعدها المحدد؟ وكالة الأناضول - ليبيا.. الدبيبة ورئيس حكومة النيجر يبحثان تعزيز الشراكة الاقتصادية إيلاف - جوانب غير معروفة من حياة مؤسس «اليمامة» العربي الجديد - ليبيا توقع اتفاقيات تقاسم إنتاج لتعزيز استكشاف النفط والغاز قناة العالم الإيرانية - اتصال بين عون وعراقجي: ترحيب لبناني بتفاهم واشنطن وطهران وكالة الأناضول - مونديال 2026.. "الرأس الأخضر" تحقق مفاجأة مدوية بالتعادل مع إسبانيا
عامة

الإبرة والخيط لدى درويش… رمزان يرمّمان فجوات الحياة

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

يختلف الشعراء عن غيرهم في توظيف تجليات الحياة، فهم يوظّفون الآلات مثلاً من خلال رمزية لغوية، لها وظيفتها المُبالغ بها، ومعناها المؤكّد عنها، كالسيف مثلاً، في الشعر العربي القديم، حين يُرمز للشجاعة، أو...

يختلف الشعراء عن غيرهم في توظيف تجليات الحياة، فهم يوظّفون الآلات مثلاً من خلال رمزية لغوية، لها وظيفتها المُبالغ بها، ومعناها المؤكّد عنها، كالسيف مثلاً، في الشعر العربي القديم، حين يُرمز للشجاعة، أو الرمح الذي يُشير للقوة، وما شابه، فضلاً عن أدوات الحياة اليومية الموظّفة شعراً.

الإبرة والخيط رمزان حاضران في حياة المرء منذ القدم، يُخيطان الثوب، وينسجان روحاً بروح؛ لتكون قطعة القماش ثوباً يُرتدى، أو تُفترش الأرض بها، وغيرها من الأشياء التي يُستفيد بها، فالإبرة والخيط، لهما وقع خاص لدى الشعراء، كالشاعر محمود درويش، الذي يوظّفهما بصورة مهيمنة، فهو يُعطي مُقابلاً تقليدياً في الصياغة، وتشبيها فنياً في الأداء؛ لأنّ وظيفة الأشياء لديه يكرّسها بعفويتها، ومن ثم يخلق مفارقات لغوية فنية مهمة، يرتقي بالنص من خلالها، ويركّز في معناها، فتبدو الوظائف المرجوّة، وتظهر السمات المخفية، فمنها ما يقع ضمن المادية المباشرة، ومنها ما يقع ضمن المضامين الحسية، فيُنتج المعنى المُراد طرحه، ومن ذلك قوله:بإبرة السُمَّاق في حُلْمِهِ المكسورْتُهيمن في كتابات درويش المعاني الحسّية في تقليديتها، كـ(الحلم، الانكسار، الروح) وغير ذلك، فهو يُفشي أسرار لغته من خلال علامات التركيب لديه، إذ يحاول أن يجمع بين نقيضين؛ ليكونا تحت معنى واحد، ويفرّق بين متشابهين من أجل لغة منسجمة، كما في هذا النص (الأرضُ/الثوب ـ منسوجةٌ/ بإبرة السُمَّاق/ حُلْمِهِ/ المكسورْ)، ومن ثم فهو يحوّل اللفظين من واقعهما التقليدي المعتاد إلى رمزية مُفعمة بالمضمون، ومكثّفة بالإيحاء، ومثل ذلك أيضاً:أزهارٌ صفراء توسِّع ضوء الغرفة.

تنظرإليّ أكثر ممّا أنظر إليها.

هي أولى رسائلالربيع.

أهْدَتنِيها سيِّدةٌ لا تشغلها الحربعن قراءة ما تبقَّى لنا من طبيعةمتقشفة.

أغبطها على التركيز الذي يحملهاإلى ما هو أبعد من حياتنا المهلهلة…أغبطها على تطريز الوقت بإبرة وخيطأَصفر مقطوع من الشمس غير المحتلة.

يُضفي الشاعر درويش لغة متينة، بدلالات رمزية، مؤثرة، تُحين عليه مثل كلّ مرة، فهو يحاول (تطريز) الوقت بإبرة وخيط، وهنا تكتمل صورة الغياب مع الوجود، لحظات غير محسوسة، بأدوات واقعية لها حضورها اليومي، خاصة في البيوت العالقة في الذهن، إذ إنّ الشاعر حوّل (الوقت) الى شيء مادي أشبه بخرقة ممكن أن تُطرّز، ومن ثم فهو أعطى للأشياء حيوية وديمومة، فضلاً عن تحريك معانيها إلى تجليات أُخر.

تتميز نصوص درويش بالوعي، فهي، أي نصوصه الشعرية، تحتاج إلى متلق ٍ واع ٍ يعي ما يُكتب، ويعرف ماذا يُقدّم من لغة متداخلة معنى، ومكتملة شكلاً، سواء في الكلمة وإيحائها، أو في مجموع النص بوصفه إيقونة لغوية متكاملة:الفراشة تنسج من إبرة الضوءوالفراشة ترقص في نار مأساتهافَتَّشْتُ عن نفسي، فأرجعني السؤالُ إلى الوراءْيًُسهم محمود درويش في تدبير لغته، وتكوير معناها، فهو يحاول أن يخرج بالنص إلى الإيجاز في التعبير، والتكثيف في الدلالة؛ ومن ثم يخلق نصاً بأقل الألفاظ تبذيرا، وأكثرها دلالة:لا شيء يأخذني إلى شيءٍ.

وينسدلُ الفضاءْ علىَّ مشنقةً ويندسُّ المدىيستعمل درويش (الإبرة) في تجليات مختلفة، ويوظّفها في طرق ٍ متنوعة، مبنية على واقع ملموس، وحلم غير محسوس، إذ تُحوّل لديه على وفق دلالات تؤثر في المتلقي، فهو هنا، يجعل من انسدال الفضاء، على مشنقة يندسّ المدى في ثقب إبرة عاشقه، إذ يُعطيها سمات جمالية، لكن كيف يجيء الوصف، وكيف يُستثمر، هو يجعل من جماليات المدى يندسّ في (ثقب إبرة) وهي دلالة على (المعنى) وعمقه مقابل (أهمية الإبرة) على الرغم من صغرها، وبين المتناقضين ثمة (لغة مختصرة) لمزايا (شاسعة)، إذ قرّب الشاعر البعيد، ولم يبعد القريب، وهو بين الأمرين جمع مفردات؛ لنكون إزاء رؤية جمالية مؤثرة:على حبَّة القَمْحِ مكتوبةًيُنَقِّحُها حَجَلُ الرافِدَيْنيعمد الشاعر محمود درويش في تبنيه لمفرداته أن يُطيّع سهو الكلمة إلى تبنيها، وترهّل المعنى إلى ازدرائه؛ ليكون المعنى ذا دلالات عميقة:ألفراشة تنسج من إبرة الضوءتهمين اللغة الحسّية وغير المحسوسة، لدى درويش، فهو يركّز على معنى روحي ونفسي أكثر من المعاني المادية المحسوسة في تفاصيلها، فهو يخوض في ثنائيات صدقها في خيالها (الحالمون/ المهمشون، الغائبون/ الحاضرون، العائدون/ الراحلون، الضوء، العتمة، الحياة/ الموت) وغيرها من الثنائيات التي تُعطي للمتلقي الإحساس بلذة الكلمة ومعناه، في لحظات البقاء أو الانتظار:تبعثروا كالريش.

سجَّادٌ من الصوف المجعَّد.

مُعْجَمٌ مُتآكل.

كُتُبٌ مُجَلِّدةٌعلى عَجَل.

مخدّاتٌ مطرَّزَةٌ بإبرةتتحول لحظات الشاعر محمود درويش اليومية في واقعيتها إلى رمزية في سلوكيات اللغة، إذ يمزج الشاعر ما بين واقعية يومية مع خيال مُفترض؛ لنكون إزاء صوت شعري حالم، يتخذ من دلالتي (الإبرة) و(الخيط)، أداتين لتطريز ما تبقى من الوقت، وترميم ما أُتيح من ضوء؛ لتصير الأشياء اليومية لديه، خيالاً مؤثراً في ذهن المتلقي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك