عند سماع أغنية «وطني الحبيب» للمغني والملحن النمساوي أودو يورغنز، قد تبدو للوهلة الأولى أغنية وطنية عادية ذات لحن جميل وغناء رائع، تصف مشاعر الحب والانتماء والارتباط بأرض الآباء والأجداد، لكنها في حقيقة الأمر أغنية تسائل الوطن وتبث الشكاوى والأوجاع، وربما تراجع التاريخ، حيث تجلب جزءاً من الماضي وتربطه بالحاضر.
صدرت هذه الأغنية عام 1971 وحققت نجاحاً هائلاً وانتشاراً كبيراً، كما أثارت العديد من النقاشات الفنية والسياسية الممتدة، وظلت من العلامات البارزة في قائمة أعمال أودو يورغنز، التي أنجزها خلال مسيرة فنية طويلة استمرت لأكثر من خمسين عاماً.
ولد أودو يورغنز في النمسا عام 1934 وتوفي في سويسرا عام 2014، ويعد من أقطاب الأغنية الألمانية وأشهر نجومها، تميز بأفكاره الموسيقية المتنوعة، وأدائه الجميل الذي يميل في كثير من الأحيان إلى الأسلوب الفرنسي في الغناء.
بدأ الغناء من مطلع الخمسينيات، وشارك أكثر من مرة باسم النمسا في مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن»، ثم فازت أغنيته «ميرسي شيري» عام 1966.
محمد علي باشا وأزمة نهر الراينتبدأ الأغنية بلحن سبيناتي رائق خلاب، لكن ذلك الخط الميلودي الجميل ينتهي عند خط ميلودي آخر، حيث اللمسات الإيقاعية المنتظمة التي تجعله أقرب للمارش العسكري، وتسير الأغنية بالتبادل بين هذين الخطين.
هذا الانتقال لا يعد انتقالاً نغمياً فحسب، وإنما هو انتقال إلى ماض بعيد وإلى مقارنة بين تصور قديم وتصور حديث للوطنية.
الجملة المحورية في هذه الأغنية هي «وطني الحبيب كن مطمئناً»، وقد أخذها أودو يورغنز كلمات ولحناً من أغنية قديمة تعود إلى عام 1854، تحمل عنوان «حراس الراين»، وهي في الأصل قصيدة تم تأليفها عام 1840 بواسطة الشاعر الألماني ماكس شنيكينبورغر، وقد استلهمها بدوره من قصيدة للشاعر نيكولاوس بيكر بعنوان «أنشودة الراين».
ثم تم تليحنها بعد ذلك بواسطة الملحن كارل فيلهلم، وتعد من أهم الأغنيات الوطنية باللغة الألمانية، وكانت في العديد من الأوقات نشيداً وطنياً غير رسمي لألمانيا.
نتبع تلك القصيدة القديمة فتذهب بنا إلى مصر في عهد محمد علي باشا، فقد تم تأليفها إبان أزمة نهر الراين التي نشأت بين ألمانيا وفرنسا، عندما كان محمد علي باشا يتوسع بالدولة المصرية في الأقطار كافة، ويحقق الانتصار تلو الآخر سواء في أراضي الحجاز أو الشام أو السودان، بل إنه ذهب بالجيوش المصرية إلى تركيا حيث الباب العالي، الذي نازعه على السلطان.
كان طموح محمد علي باشا يمتد بلا حدود، وصار مزعجاً للإمبراطورية البريطانية إذ رأته يحلم بتكوين إمبراطورية أخرى لا تغيب عنها الشمس أيضاً.
اجتمعت بريطانيا وألمانيا والنمسا وروسيا ضد محمد علي باشا، ودعماً للدولة العثمانية، وعقدت اتفاقية لندن عام 1840 التي قضت بتخلي محمد على باشا عن الولايات العثمانية التي استولى عليها في بلاد الشام وأراضي الحجاز، وأوقفت مسيرته التي كانت تسعى إلى تكوين إمبراطورية مصرية شاسعة قوية.
ولما كانت فرنسا تدعم محمد علي باشا فقد عوقبت على ذلك، وتضمنت «اتفاقية لندن» بنداً يسلبها حقها في الشاطئ الأيسر من نهر الراين، وتم منحه لألمانيا التي وضعت فيه بعض الكتائب العسكرية، ما جعل الملك لويس فيليب يدعو لاستعادة الحق الفرنسي.
وهكذا بات نهر الراين شرارة للحرب بين ألمانيا وفرنسا ورمزاً للخلاف التاريخي بين البلدين، وصار كذلك رمزاً للأرض الألمانية كلها وللوطن الذي يجب حمايته والدفاع عنه، وعن نهر الراين ألفت العديد من القصائد الشعرية، وتغنى باسمه المغنون على وقع أجمل الألحان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك