أثار قرار وزارة العدل الأمريكية الموافقة على صفقة استحواذ" باراماونت سكاي دانس" (Paramount Skydance) على" وارنر براذرز ديسكفري" (Warner Bros.
Discovery) بقيمة 110 مليارات دولار موجة اعتراضات سياسية ونقابية واسعة، في وقت اعتبر فيه مؤيدو الصفقة أنها خطوة ضرورية لإنشاء كيان إعلامي أكثر قدرة على منافسة عمالقة البث الرقمي.
وبينما منحت السلطات الفيدرالية الضوء الأخضر للاندماج، يؤكد معارضوه أن المعركة لم تنته بعد، مع استمرار التحقيقات على مستوى الولايات وبدء مراجعات تنظيمية في أوروبا والمملكة المتحدة.
list 1 of 4عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير؟list 2 of 4استحواذ باراماونت على وارنر براذرز.
مخاوف من" قتل الإبداع" في هوليودlist 3 of 4الرواية الهوليوودية.
كيف تروي التاريخ سينمائيا عبر عدسة السياسة الأمريكية؟list 4 of 4هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل هوليوود؟ خبراء يشرحون ملامح التحولوارن: رائحة الفساد و استغلال النفوذوفي أول رد فعل سياسي بارز بعد إعلان القرار، هاجمت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن موافقة وزارة العدل، قائلة في تصريح نقلته مجلة" ديدلاين" إن القرار يحمل" أخبارا سيئة لكل أمريكي لا يريد لمليارديرات متحالفين مع ترامب أن يتحكموا فيما يشاهده وكم يدفع من مال"، مضيفة أن صفقة باراماونت ووارنر براذرز" تفوح منها رائحة الفساد واستغلال النفوذ"، وداعية المدعين العامين في الولايات إلى التحرك لوقفها.
وجددت نقابة الكتاب الأمريكية (دبليو جي إيه إيست ودبليو جي إيه ويست – WGA East وWGA West) معارضتها للصفقة، مؤكدة في بياناتها السابقة والمحدثة في مسار المراجعة التنظيمية أن الاندماج" يمثل نموذجاً لما صُممت قوانين مكافحة الاحتكار لمنعه".
وحذرت النقابة من أن تجارب الاندماج الإعلامي السابقة أفضت إلى" أسعار أعلى، وخيارات أقل، وفقدان هائل للوظائف، وقمع للأصوات والقصص غير الممثلة كفاية"، معتبرة أن الوعود التي تطلقها الشركات الكبرى بشأن تحسين أوضاع العاملين وزيادة الإنتاج لا تتحقق عادة بعد إتمام عمليات الدمج.
وكرر المدعي العام لولاية كاليفورنيا روب بونتا موقفه بأن الصفقة" ليست أمرا منتهيا"، فيما أكد مكتب المدعي العام أن استحواذ باراماونت على وارنر براذرز لا يزال" قيد التحقيق النشط".
ويأتي ذلك وسط تقارير عن دراسة عدد من الولايات الأمريكية، من بينها كاليفورنيا ونيويورك، خيارات قانونية مستقلة للطعن في الصفقة أو طلب مراجعات إضافية لها.
وتعكس هذه المواقف مخاوف عبّرت عنها نقابات مهنية وعاملون في قطاع الترفيه طوال فترة مراجعة الصفقة، إذ حذروا من أن دمج اثنتين من أكبر الشركات العاملة في الإنتاج والتوزيع والبث قد يقود إلى موجة جديدة من إعادة الهيكلة وتقليص الإنفاق وخفض الوظائف، وهي نتائج يقول معارضو الصفقة إنها صاحبت عددا من عمليات الاندماج الكبرى السابقة في قطاع الإعلام.
تعزيز المنافسة وزيادة الخياراتورغم هذه الاعتراضات، أعلنت إدارة مكافحة الاحتكار التابعة لوزارة العدل الأمريكية موافقتها الرسمية على الصفقة بعد مراجعة استمرت ثمانية أشهر، شملت دراسة آثارها المحتملة على خدمات البث الرقمي والتلفزيون التقليدي وصناعة السينما، وفق ما أوردته وكالة رويترز وبيان الوزارة الرسمي.
وقالت الوزارة إن التحقيق استند إلى مراجعة أكثر من مليوني وثيقة ومعلومات جُمعت من نحو 80 جهة مختلفة، وخلص إلى أن الصفقة" ليس من المرجح أن تؤدي إلى الإضرار بالمنافسة أو بالمستهلكين الأمريكيين".
وأضافت في بيانها أن السجل التحقيقي يشير إلى أن أثر الصفقة سيكون" زيادة المنافسة عبر المنظومة الإعلامية والترفيهية، مع فوائد للمستهلكين والعمال الأمريكيين".
وترى وزارة العدل أن طبيعة المنافسة في قطاع الإعلام تغيرت بصورة جذرية في السنوات الأخيرة، وأن التحدي الرئيسي أمام الشركات التقليدية لم يعد يأتي من منافسيها التاريخيين فقط، بل من المنصات الرقمية العملاقة التي أعادت تشكيل عادات المشاهدة والإنفاق في السوق.
واعتبرت الوزارة أن دمج منصتي" باراماونت بلس" (Paramount+) و" إتش بي أو ماكس" (HBO Max) من شأنه أن يخلق منافسا أقوى في سوق البث، ويوفر بديلا أكثر قدرة على مواجهة المنصات الكبرى المهيمنة على السوق.
وأضافت أن الأدلة التي جمعتها أثناء التحقيق لا تشير إلى احتمال انخفاض الإنتاج الإبداعي أو تراجع مستوى المنافسة في قطاع الترفيه، كما رفضت الوزارة الحجج التي قدمتها النقابات بشأن الوظائف، مؤكدة أن المخاوف العمالية لا تمثل بحد ذاتها انتهاكا لقوانين مكافحة الاحتكار، وأن تقييمها القانوني انصب على التأثيرات المحتملة للصفقة على المنافسة والأسعار وخيارات المستهلكين.
ورحبت شركة باراماونت بالقرار، وقال متحدث باسمها في بيان نقلته" ديدلاين" إن الشركة" ممتنة لوزارة العدل على هذه المراجعة الشاملة والمكثفة".
وأضافت أن الصفقة" تعزز المنافسة"، وأن الكيان الجديد سيكون أكثر قدرة على مواجهة المنصات التقنية الكبرى في سوق تشهد منافسة متزايدة على الجمهور والمواهب والتكنولوجيا والاستثمارات.
وأكدت الشركة أنها تركز حاليا على استكمال الصفقة في أسرع وقت ممكن، مشيرة إلى أن الاندماج سيعود بالفائدة على" المستهلكين والمبدعين وصناعة الترفيه بأكملها".
وتقول باراماونت ووزارة العدل إن الصفقة تمثل استجابة طبيعية للتحولات التي يشهدها قطاع الترفيه العالمي، بما في ذلك اشتداد المنافسة في مجال البث الرقمي وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع نموذج التلفزيون التقليدي، وهي عوامل دفعت شركات كبرى إلى البحث عن أحجام أكبر وقدرات تمويلية وإنتاجية أوسع.
وترى نقابة الكتاب الأمريكية وعدد من السياسيين المعارضين للصفقة أن هذه المبررات تكررت في عمليات اندماج إعلامية سابقة، انتهت إلى تقليص الوظائف وإغلاق وحدات إنتاجية وتقليص عدد المشاريع المعتمدة، مع تركيز مزيد من النفوذ الاقتصادي والإبداعي في أيدي عدد محدود من الشركات العملاقة.
وحذر معارضو الصفقة من أن تقليص عدد اللاعبين الكبار في السوق قد ينعكس سلبا على فرص المنتجين المستقلين وصناع الأفلام والكتاب الشباب، ويحد من تنوع القصص والأصوات التي تصل إلى الجمهور.
ولم تنته التحديات التنظيمية عند حدود الولايات المتحدة.
ففي المملكة المتحدة، أعلنت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA) فتح تحقيق رسمي في الصفقة لدراسة ما إذا كان الاندماج قد يؤدي إلى" إضعاف جوهري للمنافسة".
وتواصل المفوضية الأوروبية مراجعتها للصفقة ضمن إجراءات مكافحة الاحتكار، في وقت يتوقع فيه عدد من الخبراء انتقال التحقيقات الأوروبية والبريطانية إلى مراحل أكثر عمقا في الأشهر المقبلة.
ورغم أن موافقة وزارة العدل كانت متوقعة من قبل العديد من المراقبين، فإن بعض الخبراء القانونيين يرون أن الضوء الأخضر الفدرالي قد يمنح الشركات المندمجة دفعة قوية في مواجهة أي طعون قضائية مستقبلية.
غنوا من أجل التعديل الأولولم يقتصر الرفض على النقابات والسياسيين؛ فقد استغلت الممثلة والناشطة الأمريكية جين فوندا مشاركتها في فعالية" انهضوا، غنوا: حفل موسيقي من أجل التعديل الأول" (Rise Up, Sing Out: A Concert for the First Amendment) في نيويورك للدعوة إلى توقيع عريضة تطالب المدعين العامين في الولايات بمحاولة وقف الصفقة.
وقالت فوندا -وفقا لمجلة ديدلاين- إن الاندماج يمثل" هجوما مباشرا على حرية التعبير"، محذرة من أنه قد يؤدي إلى" ثقافة أكثر تسطحا"، وإضعاف استقلالية الإعلام وتنوعه.
وأضافت، في إشارة إلى شبكة سي إن إن (CNN) التابعة لوارنر براذرز ديسكفري، " لدي مصلحة شخصية في سي إن إن، ولا أريد أن أراها تسير في هذا الاتجاه".
وجاءت تصريحاتها خلال فعالية شارك فيها أيضا الممثل روبرت دي نيرو وعدد من الفنانين والناشطين المدافعين عن حرية التعبير، بعد يومين فقط من موافقة وزارة العدل على الصفقة، في مؤشر على أن الاعتراضات تجاوزت الأوساط التنظيمية والنقابية إلى شخصيات فنية وثقافية بارزة داخل المجتمع.
وفي أبريل/نيسان الماضي، وقّع أكثر من ألف كاتب ومخرج ومنتج وعامل في هوليوود رسالة مفتوحة طالبت بوقف الصفقة، معتبرين أنها تمثل تهديدا للتنوع الإبداعي والمنافسة داخل الصناعة.
وتعد الصفقة واحدة من أكبر عمليات الاندماج في تاريخ صناعة الإعلام والترفيه الأمريكية، كما تمثل اختبارا جديدا لسياسات مكافحة الاحتكار في عصر البث الرقمي، حيث تتصادم رؤيتان متعارضتان: الأولى ترى أن الاندماج ضرورة اقتصادية لمواجهة التحولات العميقة في السوق، والثانية تعتبره خطوة إضافية نحو تركيز النفوذ الإعلامي وتقليص المنافسة.
وبينما حصلت الصفقة على الضوء الأخضر من وزارة العدل، فإن حجم الاعتراضات السياسية والنقابية والقانونية التي أعقبت القرار يشير إلى أن الجدل حول مستقبلها لم ينته بعد، وأن فصولا جديدة من المواجهة قد تُكتب في المحاكم وهيئات التنظيم داخل الولايات المتحدة وخارجها خلال الأشهر المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك