جرش- لم تعد قضية خنفساء القلف، في محافظة جرش، مجرد مشكلة بيئية موسمية أو إصابات محدودة تسببها للأشجار ويمكن احتواؤها بإجراءات سريعة، بل تحولت إلى تحد حقيقي يهدد الثروة الحرجية في المحافظة، في ظل استمرار تسجيل إصابات جديدة واتساع رقعة الأشجار المتضررة، الأمر الذي أدى إلى إزالة كميات كبيرة من الأشجار المصابة تجاوزت 30 طنا من الأشجار المعمرة، فيما ما تزال أعمال الإزالة والرش مستمرة حتى اليوم للحد من انتشار الآفة.
اضافة اعلانوتثير هذه التطورات مخاوف واسعة لدى المهتمين بالشأن البيئي وسكان المناطق المحاذية للغابات، خصوصا أن الأشجار المتضررة تمثل جزءا من الإرث الطبيعي والبيئي الذي تشتهر به محافظة جرش، والتي تعد من أكثر المحافظات الأردنية غنىً بالغطاء الحرجي.
ويؤكد خبراء في القطاع البيئي، أن مكافحة خنفساء القلف تعد من أكثر عمليات مكافحة الآفات تعقيدا، نظرا لوجود الحشرة داخل أنسجة الشجرة بعيدا عن تأثير المبيدات في كثير من الأحيان، ما يجعل الرش وسيلة للحد من انتشار الإصابة أكثر من كونه علاجا كاملاً لها.
ولهذا تعتمد الجهات المختصة بصورة رئيسية على إزالة الأشجار المصابة التي وصلت إلى مراحل متقدمة من الضرر، بهدف منع خروج أجيال جديدة من الخنافس وانتقالها إلى الأشجار السليمة المجاورة.
وبحسب الناشط البيئي ورئيس الجمعية الخضراء لحماية الأرض والبيئة، غسان العياصرة، فإنه رغم صغر حجم خنفساء القلف، تعد من أخطر الآفات الحشرية التي تهدد الغابات والأشجار الحرجية، إذ تهاجم الأشجار الضعيفة أو المجهدة بيئيا، وتتمكن من إحداث أضرار كبيرة قد تنتهي بموت الشجرة بالكامل.
وأوضح أن الإصابة تبدأ عندما تحفر الخنافس البالغة ثقوبا دقيقة في قلف الشجرة للوصول إلى الطبقة الحية الواقعة بين القلف والخشب، حيث تقوم بوضع البيوض داخل أنفاق صغيرة.
وبعد فقس البيوض، تبدأ اليرقات بالتغذي على الأنسجة الناقلة للمياه والعناصر الغذائية، ما يؤدي إلى إضعاف الشجرة تدريجيا وتعطيل وظائفها الحيوية.
وأكد العياصرة أن خطورة هذه الحشرة تكمن في أن الجزء الأكبر من دورة حياتها يتم داخل الشجرة وتحت القلف، الأمر الذي يجعل اكتشاف الإصابة في مراحلها الأولى أمرا بالغ الصعوبة، كما يحد من فعالية عمليات المكافحة التقليدية، لافتا إلى أن من أبرز علامات الإصابة ظهور ثقوب صغيرة على الجذوع، وانتشار نشارة خشبية دقيقة حول الأشجار، إضافة إلى اصفرار الأوراق أو الإبر الخضراء وتحولها تدريجيا إلى اللون البني، وصولا إلى جفاف الأغصان وموت الشجرة بالكامل في الحالات المتقدمة.
أما رئيس قسم حراج جرش، المهندس إبراهيم قوقزة، فقال إنه خلال الأشهر الماضية كثفت الجهات المختصة أعمال الرصد الميداني للغابات في عدد من المناطق التي ظهرت فيها إصابات بخنفساء القلف، حيث أظهرت عمليات الكشف وجود أعداد متزايدة من الأشجار المصابة، ما استدعى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع انتقال الحشرة إلى الأشجار السليمة.
وأوضح أن التقديرات تشير إلى أن كميات الأخشاب الناتجة عن إزالة الأشجار المصابة تجاوزت 30 طنا حتى الآن، في حين يتوقع أن ترتفع هذه الكميات إذا استمرت الإصابات بالظهور خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار رصد بؤر جديدة للإصابة في بعض المواقع الحرجية، فيما يتم بيع الكميات التي يتم إزالتها أولا بأول، كون الأشجار ميتة وجافة تماما ولا تصلح لأي استخدام، والأفضل أن يتم استخدامها في المدافئ من خلال حرقها.
وبين قوقزة أن فرق الحراج والجهات المعنية تنفذ عمليات إزالة للأشجار المصابة بشكل متواصل، بهدف منع تحولها إلى بؤر نشطة لإنتاج أجيال جديدة من الحشرة.
وتشمل هذه الأعمال قطع الأشجار المصابة ونقلها والتخلص منها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة، إضافة إلى متابعة المناطق المجاورة للكشف عن أي إصابات جديدة قد تظهر لاحقا.
كما يرى قوقزة أن المهمة ليست سهلة، خاصة في المناطق ذات التضاريس الوعرة أو التي تحتوي على كثافة حرجية مرتفعة، حيث تتطلب عمليات الوصول إلى الأشجار المصابة جهدا كبيرا ووقتا طويلا، فضلا عن أن خيارات مكافحة خنفساء القلف ما تزال محدودة نسبيا، إذ تتركز الإجراءات الحالية على محورين أساسيين، هما الرش الوقائي والعلاجي في بعض المواقع، وإزالة الأشجار التي وصلت الإصابة فيها إلى مراحل متقدمة.
وأشار إلى أن الرش يساعد في الحد من انتشار الحشرة في بعض الحالات، إلا أنه لا يشكل حلا نهائيا عندما تكون الخنافس قد استقرت بالفعل داخل الشجرة، الأمر الذي يجعل الإزالة ضرورة لا يمكن تجنبها في كثير من المواقع.
كما أن نجاح عمليات المكافحة يعتمد بدرجة كبيرة على سرعة اكتشاف الإصابات الجديدة قبل تحولها إلى بؤر واسعة الانتشار.
بدوره، قال مدير غابات دبين، المهندس بشير العياصرة، إن من أكثر الجوانب التي تثير القلق أن جزءا كبيرا من الأشجار التي تمت إزالتها يضم أشجارا معمرة استغرقت عشرات السنين للوصول إلى أحجامها الحالية، ما يعني أن الخسارة لا تقاس فقط بعدد الأشجار أو أطنان الأخشاب المزالة، بل أيضا بقيمة بيئية وتاريخية يصعب تعويضها خلال فترة قصيرة.
خسائر لا تقتصر على الأشجاروأضاف أن الشجرة الحرجية المعمرة تؤدي أدوارا متعددة تتجاوز الجانب الجمالي، فهي تسهم في تثبيت التربة، وتحسين جودة الهواء، وتوفير موائل للكائنات الحية، فضلا عن دورها في المحافظة على التوازن البيئي، مشيرا إلى أن الخسائر لا تقتصر على فقدان الأشجار فقط، بل تمتد لتشمل التأثير على الموائل الطبيعية للطيور والكائنات البرية، وتراجع قدرة الغابات على المحافظة على التوازن البيئي وحماية التربة، فضلا عن انعكاسات ذلك على السياحة البيئية التي تشكل أحد عناصر الجذب الرئيسية في محافظة جرش.
وأكد أن الإصابة بخنفساء القلف في محافظة جرش تكتسب أهمية خاصة، نظرا لما تتمتع به المحافظة من غابات وأشجار معمرة تشكل جزءا أساسيا من التنوع البيئي والمشهد الطبيعي فيها.
ويخشى مختصون من أن يؤدي استمرار ظهور إصابات جديدة إلى اتساع رقعة الضرر، خاصة في ظل الظروف المناخية وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.
وشدد العياصرة على أن التعامل مع خنفساء القلف لا ينبغي أن يقتصر على الإجراءات الطارئة فقط، بل يتطلب وضع خطة طويلة المدى تتضمن برامج رصد ومراقبة دائمة، وإدارة صحية للغابات، وتكثيف الدراسات العلمية المتعلقة بالآفة وطرق انتشارها، داعيا إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الرسمية والجامعات والباحثين والجهات البيئية المختلفة، بهدف تطوير وسائل أكثر فاعلية للحد من انتشار الحشرة وتقليل خسائرها مستقبلا.
ومع استمرار فرق الحراج في أعمالها الميدانية، تتعزز الآمال بأن تسهم الإجراءات الحالية في الحد من انتشار الآفة، وأن تتمكن الجهات المختصة من احتواء الإصابات قبل أن تتسبب بخسائر أكبر في الغابات التي تشكل رئة خضراء للمحافظة وواحدة من أهم كنوزها الطبيعية، ذلك أن خسارة أكثر من 30 طنا من الأشجار المعمرة لا تمثل رقما عابرا، بل تعكس حجم التحدي الذي تواجهه الجهات المختصة في حماية الغابات من هذه الآفة التي أثبتت قدرتها على الانتشار السريع وإحداث أضرار واسعة خلال فترات زمنية قصيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك