الوصال ــ رأت الكاتبة الصحفية، هدى حمد، أن الارتفاع الملحوظ في أعداد طلبة الدبلوم العام هذا العام يفرض أسئلة جوهرية حول جاهزية منظومة التعليم العالي لاستيعاب هذا التزايد، موضحة أن عدد المتقدمين لامتحانات دبلوم التعليم العام بلغ نحو 65 ألف طالب وطالبة، وهو رقم وصفته بالكبير جدًا، وربما يكون الأعلى بين دفعات التخرج في هذه المرحلة.
وأضافت أنها قاست هذا الرقم على عدد الطلبة في العام الماضي، لتجد أن الزيادة تقترب من 10 آلاف طالب وطالبة، وبنسبة تقارب 17 بالمائة، وهو ما جعل هذا الملف حاضرًا بقوة في النقاشات الاجتماعية، خاصة بين أولياء الأمور والمهتمين، بالنظر إلى ما يمثله من حساسية وارتباط مباشر بمستقبل شريحة واسعة من الأسر.
وبيّنت هدى خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة»، أن مصدر القلق لا يرتبط بعدد المتخرجين في حد ذاته فقط، وإنما بالمقارنة بين هذا الرقم الكبير والطاقة الاستيعابية المتاحة في مؤسسات التعليم العالي.
وأشارت إلى أن عدد المقاعد المطروحة في العام الماضي بلغ 27 ألفًا و900 مقعد، ما يعني، إذا استمرت الأرقام في حدودها نفسها، أن أكثر من نصف خريجي هذا العام قد لا يجدون مقعدًا دراسيًّا.
وأضافت أن هذا الاحتمال يفسر حجم التوتر والقلق المتصاعد لدى كثير من الأسر، لأنه لا يتصل بالتنافس على أساس التحصيل فقط، وإنما بالخوف من أن يكون الإقصاء هذه المرة ناتجًا عن محدودية المقاعد لا عن ضعف المستوى الدراسي.
وأكدت الكاتبة الصحفية هدى أن هذا المشهد لم يأتِ بصورة مفاجئة أو بين يوم وليلة، لأن هذه الأعداد كانت موجودة في المؤشرات الديموغرافية منذ سنوات طويلة، وكان بالإمكان قراءتها والاستعداد لها مبكرًا.
وأضافت أن مواليد هذه الفئة كانوا معروفين في الإحصاءات منذ نحو 18 عامًا، ولذلك فإن السؤال الذي طرحته في مقالها وفي حديثها لا يقتصر على توصيف الواقع، وإنما يتجه إلى مساءلة الخطط التي كان يفترض أن تواكب هذا التغير المتزايد في أعداد الخريجين.
وتساءلت عن حجم الاستعدادات التي وضعت لمواجهة هذا النمو، وعن مدى مراجعة المقاعد المخصصة في التعليم العالي في ضوء هذا التحول السكاني المستمر، خاصة في مجتمع شاب وفتي مثل المجتمع العُماني.
ولفتت إلى أن النقاش حول الأعداد يقود بالضرورة إلى سؤال آخر يتعلق بنوع التعليم نفسه، لا بعدده فحسب، موضحة أن العالم يعيش اليوم تحولات متسارعة في التخصصات والاحتياجات وسوق العمل، ما يجعل التحدي الحقيقي ليس في استيعاب الطلبة فقط، وإنما في طبيعة التعليم الذي يقدم لهم.
وأضافت أن سلطنة عُمان تقف اليوم أمام انفتاح اقتصادي كبير ومؤشرات لنمو من نوع مختلف، وهو ما يجعل رأس المال البشري، ممثلًا في الشباب والطلبة، هو الرهان الأساسي لهذا التحول.
وأكدت أن التعليم هو الذي سيصنع الصيغة التي سيكون عليها البلد خلال السنوات المقبلة، ولذلك فإن أي نقاش عن المقاعد لا بد أن يرتبط أيضًا بجودة المخرجات وملاءمتها للمستقبل.
البعثات الداخلية وتكاليفهاوأشارت هدى إلى أن البعثات الداخلية، رغم أنها تستوعب نسبًا مرتفعة من الطلبة المتنافسين، لا تزال تواجه عوائق اقتصادية حقيقية بالنسبة لكثير من الأسر، خاصة تلك التي تعيش في القرى والولايات البعيدة عن مراكز التعليم العالي.
وأوضحت أن الطالب الذي قد يكون اعتاد مصروفًا يوميًّا بسيطًا في بيئته المحلية يجد نفسه، بعد القبول، أمام أعباء جديدة تتصل بالإيجار، والمواصلات، والطعام، ومختلف متطلبات المعيشة خارج منطقته.
وأضافت أن هذه الظروف قد تدفع بعض الطلبة إلى التنازل عن مقاعدهم الدراسية، لا لعدم رغبتهم في التعليم، وإنما لعدم قدرتهم الاقتصادية على تحمّل تبعاته، وهو ما يجعل قضية التعليم مرتبطة أيضًا بسياسات الدعم والمرافقة الاجتماعية، لا بالمقاعد وحدها.
فصل التعليم عن الباحثين عن عملوشددت على ضرورة الفصل بين ملف التعليم وملف الباحثين عن عمل، معتبرة أن الربط المستمر بينهما يمثل خطأً فادحًا في النظر إلى هذه المرحلة العمرية.
وأوضحت أن الفئة العمرية الممتدة من 18 إلى 24 عامًا تحتاج إلى أن تستوعب داخل مؤسسات تعليمية أو تدريبية ومهنية، لأن تركها من دون احتواء يعني تعريضها للفراغ والإحباط ومخاطر الاستلاب في الفضاءات الرقمية المفتوحة.
وأضافت أن هذه المرحلة حساسة جدًا في تشكيل الوعي والاتجاهات، وأن احتواء الشباب فيها ليس ترفًا، بل ضرورة مجتمعية واستثمار في الاستقرار والمستقبل.
كما رأت أن الشاب الذي يتسلح بالتعليم سيكون أكثر قدرة على شق طريقه، سواء وجد فرصته داخل البلد أو خارجها، مستشهدة بأمثلة لبلدان عربية استطاع أبناؤها تجاوز ظروفهم الصعبة بفضل التعليم.
وأضافت الكاتبة الصحفية هدى أن الأرقام الكبيرة يمكن أن تقرأ بطريقتين متناقضتين؛ فإما أن ينظر إليها بوصفها عبئًا ثقيلاً ومؤشرًا مقلقًا، وإما أن ينظر إليها بوصفها مفاتيح للمستقبل إذا أحسن التعامل معها.
وأكدت أن المسألة تتعلق بكيفية النظر إلى هذه الكتلة الشبابية، وكيفية تهيئة الأرضية الملائمة لاستيعابها وتعليمها وتوجيهها، إلى جانب الانفتاح على تجارب الآخرين والاستفادة من النماذج العالمية والعربية في هذا الجانب.
ورأت أن التحدي الحقيقي ليس في وجود 65 ألف خريج، وإنما في طريقة التعاطي مع هذا الرقم، وهل سيكون منطلقًا لبناء قوة بشرية جديدة أم يتحول إلى مصدر ضغط وإحباط.
التعليم والعدالة الاجتماعيةكما تناولت البعد الاجتماعي للتعليم، معتبرة أن الاستثمار فيه لا يخص الأفراد وحدهم، وإنما يرتبط ببنية المجتمع نفسه.
وأوضحت أن التعليم هو ما يقوي الطبقة الوسطى في أي مجتمع، وأن ضعف فرص الوصول إليه أو تراجع استيعابه يعني أن الأغنياء وحدهم سيملكون القدرة على تعليم أبنائهم تعليمًا جيدًا، فيما تنسحب الفئات الأضعف تدريجيًّا من هذا المسار، وهو ما يفاقم الفوارق والطبقية.
وأضافت أن وضع استراتيجيات تعليمية تستوعب هذا التزايد وتحمي المجتمع من هذا الانزلاق الاجتماعي هو في جوهره دفاع عن التوازن المجتمعي والاستقرار، وليس مجرد استجابة ظرفية لزيادة عددية في دفعة معينة.
وفي ختام حديثها، رأت الكاتبة الصحفية هدى حمد أن ملف التعليم العالي أصبح من الملفات الثقيلة والحاسمة التي تتطلب رؤية استباقية لا رد فعل متأخر، مؤكدة أن المؤشرات السكانية في سلطنة عُمان واضحة، وأن المجتمع مرشح لمزيد من النمو، ما يفرض على الجهات المعنية أن تراقب هذا التحول منذ الآن، وتبني له الأرضية المناسبة.
وأضافت أن هذه الأرقام يمكن أن تكون عبئًا مؤلمًا إذا أُهملت، ويمكن في المقابل أن تصبح فرصة كبرى ومفتاحًا للمستقبل إذا استثمر فيها على نحو صحيح، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بعدد الخريجين، وإنما بقدرة المنظومة على تحويلهم إلى قوة منتجة ومتعلمة ومحصنة للمجتمع.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك