في سنوات مضت، كنا ننتظر موسم عاشوراء لنتابع المواكب، ونرى المشهد الحاصل، ونتقصى عن خروج موكب معين لأن الأداء فيه يكون مختلفا عن باقي المواكب، كما كنا نحصل على صحن من الأكل والعصائر، في أجواء جميلة بعيدة عن التسييس والإسقاطات.
حتى جاء فكر «الولي الفقيه» الذي توغل وسيطر على المشهد، وأصبحنا ننتظر موسم عاشوراء كإجازة مدة يومين فقط لا غير، وتركنا متابعة المواكب واللافتات المستفزة بإسقاطاتها المرفوضة.
واليوم وفي ظل الرعاية الملكية السامية، ودولة القانون والمؤسسات، التي تحرص على صون الحريات الدينية وتنظيم ممارسة الشعائر في أجواء آمنة، تواصل مؤسسات الدولة جهودها لإنجاح موسم عاشوراء وإبعاده عن كل الممارسات الخاطئة ومحاولات التسييس واستجلاب خطاب ولاية الفقيه الدخيل على مجتمعنا.
التعليمات والاشتراطات التي أعلنتها الإدارة العامة للشؤون الجعفرية مساء لرؤساء المآتم والحسينيات، واجبة الالتزام بها وتأكيدها ورفض تجاوزها، من أجل المحافظة على روحانية الموسم وخصوصيته الدينية، وضمان الأمن والسلامة.
انتهاء جميع المواكب العزائية بحلول الساعة الثانية عشرة ليلاً، مع وضع اسم المأتم في مقدمة كل موكب، ومنع خروج مواكب عزائية خارج إطار المآتم، بجانب حصر تركيب اليافطات السوداء في محيط المآتم فقط، ومنع تركيبها في الشوارع الرئيسية، مع التشديد على التزام المآتم باشتراطات السلامة في إعداد الأطعمة وحفظها وتوزيعها، تفادياً لمخاطر التسمم الغذائي في ظل الأجواء الحارة.
وغيرها كثير من التعليمات التي يجب الالتزام بها، وجعل موسم عاشوراء هذا العام صفحة جديدة لتصحيح البوصلة، والسير في المسار الوطني السليم.
هذه التعليمات ليست تقييداً للشعيرة، بل حماية لها.
فعاشوراء في جوهرها رسالة إصلاح وقيم ومبادئ إنسانية سامية.
وإقحامها في أجندات سياسية أو رفع شعارات ولاية الفقيه أو خطاب التحريض الطائفي هو تشويه لقدسيتها، وإساءة لتاريخ مملكة البحرين القائم على التعايش.
وكما يقول المثل: «السفينة التي يكثر فيها الربابنة تغرق».
ومواكب عاشوراء لها ربان واحد هو القانون والتعليمات، وهدف واحد هو إحياء الذكرى بروحانية وانضباط.
كما أن التزام رؤساء المآتم ومسؤولي المواكب هو صمام الأمان لنجاح الموسم.
فالمجتمع البحريني بكل مكوناته يرفض أصحاب الفكر التحريضي والإسقاطات السياسية التي لا تمت لعاشوراء بصلة.
والحكمة تقول: «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، والوقاية هنا تكون بالالتزام والوعي وعدم السماح لأي صوت نشاز باختطاف المناسبة.
نجاح موسم عاشوراء مسؤولية مشتركة.
دور الدولة تنظيمي وأمني وخدمي، ودور المآتم التزام وتوعية، ودور المواطن تعاون وإبلاغ عن أي تجاوز، وبهذا التكامل نحافظ على قدسية عاشوراء، ونفوت الفرصة على من يريد توظيفها لغير أهدافها.
وستبقى مملكة البحرين بقيادة جلالة الملك المعظم، نموذجاً في رعاية الحريات الدينية، شريطة أن تمارس هذه الحريات في إطار القانون، وبروح وطنية جامعة بعيدة عن الاستقطاب والتحريض.
عاشوراء هذا العام امتحان لأصحاب المآتم ومسؤولياتهم الوطنية وواجباتهم التنظيمية والإدارية، فمن ينجح في ضبط الأمور والالتزام بتعليمات الدولة يستحق الشكر والتقدير، ومن يفشل في ضبط الأمور ويبرر الأخطاء بوجود عناصر «مندسة» وغيرها، فالأولى أن يسحب منه الترخيص ويعاقب، لأنه ليس أهل للأمانة والمسؤولية الوطنية.
إقرأ أيضا لـ" محميد المحميد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك