نواكشوط – “القدس العربي”: في توقيت إقليمي شديد الحساسية، وبعد قطيعة دامت عدة أشهر، اختار الرئيس الموريتاني، ولد الشيخ الغزواني، أن يبعث برسالة خطية إلى رئيس المرحلة الانتقالية في مالي الجنرال عاصمي غويتا، حملها إليه في قصر كولوبا في باماكو وزير الدفاع الجنرال حننه ولد سيدي.
ورغم أن مضمون الرسالة ركز على تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز الشراكة الاستراتيجية والتنسيق بشأن القضايا المشتركة، فإن دلالاتها السياسية تبدو أعمق من العبارات الدبلوماسية المعتادة.
فالرسالة تأتي بعد فترة اتسمت بفتور واضح في العلاقات بين البلدين، على خلفية حوادث أمنية متكررة في المناطق الحدودية، كان أبرزها مقتل مواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية في مارس/ آذار الماضي، في حادثة أثارت موجة غضب واسعة داخل موريتانيا ودفعت الحكومة إلى إصدار بيان شديد اللهجة أدانت فيه ما وصفتها بـ”الاعتداءات المتكررة” على المواطنين الموريتانيين داخل الأراضي المالية.
تزامنت حوادث قتل مواطنين موريتانيين قرب الحدود مع تصاعد العمليات العسكرية المالية في المناطق المحاذية لموريتانياوخلال الأشهر الأخيرة، واجهت العلاقات بين نواكشوط وباماكو اختبارات صعبة.
فقد تزامنت حوادث قتل مواطنين موريتانيين قرب الحدود مع تصاعد العمليات العسكرية المالية في المناطق المحاذية لموريتانيا، وانتشار اتهامات وشائعات متبادلة حول تحركات عسكرية وعمليات ملاحقة داخل الشريط الحدودي.
غير أن القيادة الموريتانية تعاملت مع هذه التطورات بحذر شديد، إذ سعت المؤسسة العسكرية إلى نفي الروايات التي تحدثت عن توغل قوات مالية داخل الأراضي الموريتانية، مؤكدة أن بعض الحوادث وقعت داخل الجانب المالي من الحدود.
وقد عكس هذا الموقف توجهاً ثابتاً لدى الغزواني يقوم على تجنب تحويل الاحتكاكات الحدودية إلى أزمة سياسية شاملة مع الجار الشرقي، رغم الضغوط الشعبية والإعلامية التي طالبت بمواقف أكثر صرامة.
ومنذ وصوله إلى السلطة، اعتمد الغزواني نهجاً مختلفاً في إدارة الأزمات الإقليمية، يقوم على التهدئة والحوار والابتعاد عن لغة المواجهة.
وقد ظهر ذلك بوضوح في تعاطيه مع الملف المالي، حيث فضلت نواكشوط المحافظة على قنوات الاتصال مفتوحة مع باماكو حتى في أصعب اللحظات.
منذ وصوله إلى السلطة، اعتمد الغزواني نهجاً مختلفاً في إدارة الأزمات الإقليمية، يقوم على التهدئة والحوار والابتعاد عن لغة المواجهةولم يكن هذا الخيار سهلاً، خاصة أن مالي تعيش أوضاعاً أمنية وسياسية معقدة، في ظل تصاعد هجمات الجماعات المسلحة واتساع رقعة التوتر الداخلي، وهو ما جعل السلطات المالية أكثر حساسية تجاه أي انتقادات أو ضغوط خارجية.
لكن موريتانيا تدرك في المقابل أن استقرار مالي ليس قضية خارجية بالنسبة لها، بل مسألة أمن قومي مباشر، بحكم الحدود المشتركة الطويلة والتداخل القبلي والاجتماعي والاقتصادي بين البلدين.
اللافت أن الرسالة جاءت في لحظة تحتاج فيها مالي أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز علاقاتها مع جيرانها.
فالتحديات الأمنية تتزايد، والسلطات الانتقالية في باماكو تواجه ضغوطاً متنامية نتيجة الهجمات المسلحة واتساع رقعة عدم الاستقرار.
ومن هذا المنظور، تبدو المبادرة الموريتانية محاولة لإعادة تثبيت قاعدة التعاون الأمني والسياسي بين البلدين، وإرسال إشارة إلى أن الخلافات الظرفية لا ينبغي أن تحجب المصالح الاستراتيجية المشتركة.
كما يمكن قراءة الرسالة باعتبارها تأكيداً على أن موريتانيا ما تزال تراهن على دورها التقليدي كوسيط هادئ وشريك موثوق في منطقة الساحل، وأنها تفضل معالجة الملفات الخلافية عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة بدلاً من تحويلها إلى سجالات إعلامية أو أزمات سياسية مفتوحة.
وتشكل رسالة الغزواني إلى عاصمي غويتا اختباراً جديداً لنهج الرئيس الموريتاني القائم على ضبط النفس والبراغماتية؛ فبينما يرى منتقدوه أن هذا الأسلوب قد يبعث برسائل ضعف في مواجهة الاستفزازات الحدودية، يعتبر مؤيدوه أنه جنّب موريتانيا الانجرار إلى توترات إقليمية مكلفة، وحافظ على الحد الأدنى من التعاون مع دولة تشكل استقرارها جزءاً أساسياً من استقرار موريتانيا نفسها.
ولذلك قد لا تكون الرسالة مجرد محاولة لإحياء دفء العلاقات الثنائية، بل هي تعبير عن قناعة راسخة لدى الغزواني بأن أمن الساحل لا يُبنى بالتصعيد المتبادل، وإنما بإبقاء أبواب الحوار مفتوحة حتى في أصعب لحظات الخلاف.
وتكتسب رسالة الغزواني إلى عاصمي غويتا أهمية إضافية لأنها تأتي في وقت تعيش فيه مالي واحدة من أكثر مراحلها السياسية والأمنية تعقيداً منذ سنوات.
فالسلطات العسكرية الحاكمة في باماكو تواجه تحديات متزايدة على أكثر من جبهة، بدءاً من تصاعد هجمات الجماعات المسلحة في الشمال والوسط، مروراً بالتوترات مع عدد من الشركاء الإقليميين والدوليين، وانتهاءً بالضغوط الاقتصادية والأمنية التي ترافق المرحلة الانتقالية المستمرة منذ سنوات.
وخلال هذه الفترة المضطربة لم تخل العلاقات الموريتانية المالية من سحب التوتر.
فقد وجهت أصوات نافذة داخل مالي، بعضها قريب من السلطة الانتقالية، اتهامات غير مباشرة لموريتانيا بالتساهل مع بعض العناصر المسلحة الفارة من العمليات العسكرية المالية، بل ذهبت بعض المنابر الإعلامية المالية إلى الحديث عن وجود ما يشبه “ملاذات آمنة” على الجانب الموريتاني من الحدود، وهي اتهامات رفضتها نواكشوط بشكل قاطع واعتبرتها مجافية للواقع.
بلغت الشكوك المتبادلة ذروتها بعد مقتل عدد من المواطنين الموريتانيين داخل الأراضي الماليةكما أثارت تصريحات بعض المسؤولين الماليين السابقين والحاليين جدلاً واسعاً عندما لمحوا إلى أن سياسة موريتانيا الأمنية تعتمد على التفاهمات المحلية والوساطات الاجتماعية مع بعض المجموعات المسلحة، في حين تؤكد نواكشوط أن نجاحها في تحييد خطر الإرهاب داخل أراضيها يعود إلى مقاربة أمنية وتنموية متكاملة، وليس إلى أي شكل من أشكال التساهل مع التنظيمات المتطرفة.
وبلغت الشكوك المتبادلة ذروتها بعد مقتل عدد من المواطنين الموريتانيين داخل الأراضي المالية، وهي حوادث خلقت موجة استياء عارمة داخل موريتانيا، ودفعت قطاعات واسعة من الرأي العام إلى المطالبة بموقف أكثر صرامة تجاه باماكو.
غير أن الرئيس الغزواني اختار المضي في اتجاه مختلف، محافظاً على قنوات التواصل السياسي والعسكري مفتوحة، ومفضلاً معالجة الخلافات عبر الحوار المباشر بدلاً من الدخول في دوامة التصعيد الإعلامي والدبلوماسي.
ومن هذا المنظور، تبدو الرسالة الأخيرة إلى عاصمي غويتا وكأنها محاولة متعمدة لفصل الخلافات الظرفية عن المصالح الاستراتيجية العميقة التي تربط البلدين.
فموريتانيا تدرك أن استقرار مالي يمثل خط الدفاع الأول عن أمنها القومي، وأن أي انهيار إضافي للوضع الأمني في الجارة الشرقية ستكون له انعكاسات مباشرة على الحدود الموريتانية وعلى مجمل منطقة الساحل.
ولذلك يمكن النظر إلى المبادرة الجديدة باعتبارها امتداداً لنهج الغزواني القائم على “دبلوماسية التهدئة”، وهي دبلوماسية تعرضت أحياناً لانتقادات داخلية باعتبارها مفرطة في الحذر، لكنها سمحت في المقابل لموريتانيا بالحفاظ على علاقات عمل مع مختلف الأطراف الإقليمية، حتى في أكثر اللحظات توتراً.
واليوم، بينما تواجه مالي تحديات أمنية غير مسبوقة وتبحث عن شركاء موثوقين في محيطها المباشر، تبدو نواكشوط حريصة على إعادة بناء الثقة مع باماكو، دون التنازل في الوقت ذاته عن حقها في حماية مواطنيها والدفاع عن أمنها الحدودي.
ولا يستبعد بعض المراقبين أن تكون الرسالة الموجهة إلى الجنرال عاصمي غويتا تتجاوز مجرد التأكيد على متانة العلاقات الثنائية، لتتضمن عرضاً موريتانياً غير معلن للمساهمة في مساعدة مالي على تجاوز جزء من أزمتها الحالية.
فموريتانيا تعد اليوم من الدول القليلة في منطقة الساحل التي نجحت في المحافظة على قدر من الاستقرار السياسي والأمني، كما أنها تحتفظ بعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، وهو ما يمنحها هامشاً من الحركة لا يتوافر لكثير من دول الجوار.
ومن المعروف أن الرئيس الغزواني يتابع باهتمام بالغ تطورات الوضع في مالي، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي، بل أيضاً لأن أي تدهور إضافي للأوضاع هناك سينعكس مباشرة على الأمن الموريتاني وعلى منطقة الساحل بأكملها.
ولذلك قد تكون الرسالة جزءاً من مقاربة أوسع تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين البلدين وفتح المجال أمام تعاون أمني وسياسي أكبر، وربما تقديم خبرة موريتانيا في مجالات المصالحة المجتمعية وإدارة الملف الأمني ومكافحة التطرف.
ويستند هذا الاحتمال إلى قناعة راسخة لدى صناع القرار في نواكشوط مفادها أن المقاربة العسكرية وحدها لم تنجح حتى الآن في إنهاء الأزمة المالية، رغم سنوات من العمليات العسكرية المتواصلة وتبدل الشركاء الدوليين.
التطورات السنوات الأخيرة أظهرت أن الأزمة المالية أصبحت أكثر تعقيداً من أن تُعالج بالأدوات العسكرية وحدهاوفي المقابل، غالباً ما تقدم التجربة الموريتانية باعتبارها نموذجاً مختلفاً في مكافحة التطرف، يجمع بين الحزم الأمني والعمل الاستخباراتي والانفتاح على القيادات الدينية والقبلية وبرامج الإدماج الاجتماعي.
وإذا كانت السلطات المالية قد وجهت في أوقات سابقة انتقادات ضمنية أو مباشرة لهذا النموذج، معتبرة أن بعض المسلحين استفادوا منه للإفلات من الملاحقة، فإن تطورات السنوات الأخيرة أظهرت أن الأزمة المالية أصبحت أكثر تعقيداً من أن تُعالج بالأدوات العسكرية وحدها.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة الموريتانية باعتبارها محاولة لفتح صفحة جديدة عنوانها التعاون بدل تبادل الاتهامات، والبحث عن مقاربات مشتركة لمواجهة التحديات التي تهدد البلدين معاً.
وفي هذا السياق، تبدو مبادرة الغزواني أقرب إلى يد ممدودة نحو باماكو في لحظة صعبة تمر بها السلطة الانتقالية المالية، فالرئيس الموريتاني يدرك أن استقرار مالي ليس مصلحة مالية فقط، بل مصلحة موريتانية وإقليمية أيضاً، وأن نجاح باماكو في استعادة الأمن والاستقرار سيشكل مكسباً استراتيجياً لجميع دول الساحل، بينما سيكون استمرار الأزمة مصدراً دائماً للتهديدات الأمنية والهجرات والاضطرابات العابرة للحدود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك