على الرغم من استقالته من منصبه وزيراً للشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية قبل أشهر، لا يزال رون ديرمر يُعدّ إحدى أكثر الشخصيات نفوذاً في الدائرة الضيقة المحيطة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي ينظر إليه منذ أكثر من عقدين بوصفه أقرب مستشاريه وصندوق أسراره.
وعاد ديرمر إلى واجهة صنع القرار مع اندلاع الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، بعدما استدعاه نتنياهو للمشاركة في إدارة الملفات الحساسة المرتبطة بالحرب، وفق ما كشفت صحيفة يسرائيل هيوم، نقلاً عن أعضاء في المجلس الوزاري المصغر (الكابينت).
ومن هنا تكتسب تصريحاته بشأن المفاوضات الأميركية الإيرانية أهمية خاصة، باعتبارها تعكس إلى حد كبير توجهاً داخل الدائرة المقربة من نتنياهو.
وجاء تشكيك ديرمر في إمكان التوصل إلى اتفاق نووي بين الولايات المتحدة وإيران بعد انتهاء مهلة الستين يوماً المحددة في مذكرة التفاهم، خلال خطاب ألقاه ليل الاثنين ـ الثلاثاء في نيويورك، أثناء مشاركته في حفل خيري لاتحاد الإنقاذ، حيث مُنح جائزة" بطل إسرائيل".
وقال إن إيران كانت، قبل نحو عامين ونصف العام، تمثل تهديداً وجودياً لإسرائيل بفضل برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية وحلفائها الإقليميين، معتبراً أن هذه العناصر تعرضت لضربات كبيرة خلال الفترة الماضية، وفق ما نقلته صحيفة يسرائيل هيوم.
لكن بعد ما يقرب من ثلاث سنوات، دُمّرت، وفقاً لديرمر، القدرات العسكرية النووية الإيرانية، إذ إن" كل ما لدى الإيرانيين من مواد مخصبة بدرجة عالية مدفون عميقاً تحت الأرض".
وبحسبه، استهدفت إسرائيل مواقع إنتاج أجهزة الطرد المركزي، ومنشآت التخصيب، ومنشآت تحويل المواد النووية، وكذلك العلماء الذين كانوا يعملون على تطوير الأسلحة النووية.
أما بشأن القدرات الصاروخية الباليستية، فقال إنها" أُعيدت إلى الوراء أربع إلى خمس سنوات"، وإن الحرب الأخيرة ألحقت ضرراً بقدرة إنتاج الصواريخ، معتبراً أن" هذه الفترة تمنح إسرائيل الوقت لتحسين أنظمتها الدفاعية، بما في ذلك منظومة القبة الحديدية 2"، في إشارة إلى اعتقاده بأن ما جرى مؤخراً ليس سوى جولة عسكرية ستتبعها جولات أخرى مستقبلاً.
وعن التفاهمات مع طهران، نفى ديرمر أن يكون ما أُعلن اتفاقاً، إذ قال: " هذا ليس اتفاقاً نووياً، بل اتفاق لتخفيف الضغوط الاقتصادية، وفتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار".
وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه يعتقدون أنه خلال" أسبوعين إلى ثلاثة" سيتضح ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى اتفاق نووي أم لا.
ودعا الحاضرين في الحفل إلى وضعه في خانة" المشككين"، إذ صرّح بأن شكوكاً تساوره حيال نجاح الجهود الرامية إلى إبرام اتفاق نووي، والسبب أنه" لا يرى إيران تقدم التنازلات.
فهي لم تقدمها تحت الضغط، ولا أعتقد أنها ستقدمها تحت ضغط أقل"، على حد قوله.
وفي غضون ذلك، حدّد ديرمر ماهية الاتفاق الجيد بالنسبة إلى إسرائيل، وهو، بحسبه، اتفاق يخرج جميع المواد المخصبة من إيران، ويفكك منشآت التخصيب، وينهي برنامج التخصيب النووي مستقبلاً.
واستدرك قائلاً: " أشك في حدوث ذلك.
فهذا مجرد ممر قد يقود إلى شيء آخر في المستقبل.
في الوقت الحالي، إيران أضعف بكثير مما كانت عليه".
وتطرق ديرمر إلى لبنان، مشيراً إلى أن حزب الله ليس القوة التي كان عليها في السابع من أكتوبر، إذ إنه، بحسب قوله، " لا يتجاوز 25% من القوة التي كانت لديه سابقاً".
وحذّر من أنه" لإنجاز المهمة بالكامل" في مواجهة حزب الله، فإن إسرائيل كانت ستُضطر إلى" احتلال لبنان بالكامل" والبقاء فيه لفترة طويلة، بما يشمل السيطرة على الحدود الخارجية مع سورية.
وأضاف أن تل أبيب" ستحتاج إلى جيش يبلغ حجمه نحو ضعفي حجم الجيش الإسرائيلي"، مشيراً إلى أنه" عليكم أن تدركوا أن هذا ما كنا سنحتاج إلى فعله"، لو لم يتلق حزب الله الضربات الشديدة خلال العامين ونصف العام الماضيين، والتي أضعفته بصورة كبيرة وفقاً للتقديرات الإسرائيلية.
وفي السياق، قال ديرمر إن إحدى العبر الرئيسية المستخلصة مما حدث في السابع من أكتوبر هو أن" إسرائيل لن تسمح لمنظمة إرهابية بتكديس القوة على حدودها".
وأضاف أن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير مع لبنان يختلف عن اتفاق عام 2006، لأن إسرائيل حصلت على دعم أميركي للتحرك ضد التهديدات الناشئة.
وتابع: " وقف إطلاق النار هذا كان كارثة بالنسبة إلى حزب الله؛ فبين نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ومارس/آذار من هذا العام، خسر حزب الله 450 عنصراً مسلحاً.
في المقابل، عدد الجنود والمدنيين الإسرائيليين الذين قُتلوا على هذه الجبهة هو صفر.
هذا وقف إطلاق نار جيد.
هم يوقفون القتال، ونحن نواصل القتال".
وشدد على أن نتنياهو أوضح للإدارة الأميركية أن إسرائيل ستحتاج إلى العمل لمنع حزب الله من استعادة قوته، موضحاً أنه يعتقد أن الإدارة الأميركية تقدر ذلك.
وفي ما يتعلق بالعلاقات الإسرائيلية الأميركية، قال ديرمر إن إسرائيل" ستكون أهم حليف للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين، في مجالي الأمن والتكنولوجيا"، مضيفاً: " أنتم، الأميركيين، بحاجة إلى قوة في المنطقة قادرة على حماية المصالح الأميركية وإبراز النفوذ الأميركي.
هذه القوة هي إسرائيل".
ووصف الانتقادات الصادرة عن الانعزاليين ومؤثرين بارزين في الأوساط اليمينية الأميركية، الذين يدّعون أن إسرائيل لا تخدم المصالح الأميركية، بأنها" عبثية"، مشيراً إلى أن" إسرائيل هي أفضل حليف تمتلكه الولايات المتحدة في أي مكان".
وشدد على أنه" في نهاية المطاف، ما يربط الدول ببعضها هو المصالح؛ إسرائيل مهمة للأمن القومي الأميركي وللازدهار الوطني الأميركي".
إلى ذلك، تطرق ديرمر إلى الحرب على قطاع غزة، مشيراً إلى أنها" انتهت وفق الشروط الإسرائيلية"، لكنه شدد على أن" العمل لم ينتهِ بعد".
وأضاف: " من يعتقد أن إسرائيل ستترك حماس مسلحة على بُعد كيلومترين أو ثلاثة كيلومترات من تجمعاتنا السكانية فهو يخدع نفسه".
ويُذكر أن ديرمر يُعد الشخص الأقرب إلى نتنياهو، باعتباره رجل المهام الخاصة الموثوق لديه على مدى العقود الأخيرة، ولا سيما في الحلبة الدبلوماسية لمواجهة إيران ومشروعها النووي.
وقد استدعاه نتنياهو ليكون إلى جانبه في اللحظات الحاسمة خلال الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية على إيران، وشارك حينها في اجتماعات المجلس الوزاري المصغر، وفقاً للصحيفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك