" لو أنّ جميع الذين يقولون إنّهم يعشقونني كانوا يعشقونني حقاً، لما بالغوا في عشقي إلى هذا الحد".
لعلّ هذه الجملة على لسان" غاري إيسنداين Gary Essendine"، بطل مسرحية الكاتب البريطاني نويل كاوارد Noel Coward المعروفة باسم" زمن الضحك Present Laughter"، والتي قدّمها طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية كمشروع تخرّج للسنة الرابعة في قسم التمثيل، تحت عنوان" أيام الغفلة"، بإشراف حسن عويتي، تلخّص ما أراد كاتب النص أن يوصله.
" أيام الغفلة" هو الاسم الذي اعتمدته دفعة السنة الرابعة في المعهد العالي كمشروع تخرّج، وقد بدأ عرضه بالفعل يوم 14 من حزيران الجاري في القاعة المتعددة الاستعمالات في دار الأوبرا بدمشق.
ويحكي العرض قصّة ممثل مسرحي مشهور وناجح، يعيش محاطاً بالمعجبات والأصدقاء والعلاقات المعقّدة.
ورغم نجاحه وشهرته، يشعر بالقلق من التقدّم في العمر ومن فقدان بريقه.
تبدأ الأحداث عندما يستيقظ ليجد شابة معجبة به قضت الليل في منزله بعد حفلة.
الفتاة مفتونة به وتراه بطلاً مثالياً، بينما يتعامل هو مع الموقف بخفّة وارتباك.
وخلال يوم واحد تقريباً، تتدفق الشخصيات إلى منزله: معجبات، وأصدقاء قدامى، وزوجته السابقة، ومدير أعماله، وأشخاص يحبونه أو يريدون استغلال شهرته، وتتحوّل المسرحية إلى سلسلة من المواقف الكوميدية وسوء الفهم والفوضى العاطفية.
وخلال الأحداث، يحاول" غيري" الهروب من هذا الحصار العاطفي والاجتماعي، لكنه يكتشف أنه هو نفسه جزء من المشكلة؛ فهو يحب الاهتمام الذي يحظى به، لكنه يتعب منه في الوقت نفسه.
في النهاية، لا تحدث ثورة في حياته، بل يقرر الاستمرار كما هو: ممثلاً ناجحاً محاطاً بالناس، بينما يبقى شعوره بالوحدة والخوف من التقدّم في العمر مختبئاً خلف خفة ظلّه وسخريته، فالشّهرة قد تجعل الإنسان محاطاً بالناس، لكنها لا تمنعه من الشعور بالوحدة.
معجبو" غيري" كُثُر، ضمن علاقات متداخلة بين أصدقائه وزوجاتهم وغيرهم، لكن أبرز المعجبين ربما كان" رولاند مول Roland Maule"، الكاتب الشاب المهووس بـ" غيري"، والذي أدّاه ببراعة الطالب" إيليا العبدة".
فهو شخصية مزعجة ومتطفلة ومفتونة بـ" غيري" إلى درجة الهوس تقريباً، وليس مجرّد معجب، بل شخص يحاول التسلل إلى حياة غيري الخاصة.
والغريب أن أكثر الشخصيات صدقاً أحياناً هي" مول"، فكلّ الشخصيات الأخرى تجامل وتناور وتستغل" غيري"، أما" مول" فيقول ما يشعر به مباشرة.
لهذا يبدو مزعجاً، لكنه أيضاً أكثر صدقاً من كثير من المحيطين بـ" غيري".
وتكمن أهمية هذه الشخصية في أنها المرآة التي تكشف" غيري"، الذي يحب الإعجاب لكنه يتظاهر بأنه يكرهه.
ويأتي" مول" ليكون مرآة الإعجاب في شكله المتطرف، لذلك عندما ينزعج" غيري" من" مول"، فهو في الحقيقة ينزعج من صورة نفسه.
فهو صغير السن، وهو المرآة التي تذكّر" غيري" بأنه وصل إلى الخمسين من العمر، لذلك يمثل" مول" المستقبل الذي يقترب، والجيل الجديد الذي سيحلّ مكان النجوم القدامى.
ما يميّز النص هو الحوار السريع والذكي جداً؛ إذ إن معظم الكوميديا لا تأتي من الأحداث نفسها، بل من ردود الشخصيات وسخريتها المتبادلة، لذلك تُعدّ من أشهر الكوميديات البريطانية في القرن العشرين.
ويرى النقاد أن" غيري إيسنداين Gary Essendine" هو صورة مقنّعة عن" نويل كاوارد" نفسه، فالكاتب كان ممثلاً وكاتباً مشهوراً ونجماً مجتمعياً محاطاً بالمعجبين، ولذلك تبدو المسرحية أحياناً وكأنها سيرة ذاتية ساخرة يضحك فيها كاوارد على نفسه.
في عرض" أيام الغفلة"، ورغم أن الكاتب في النص الأصلي أرادها في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين في لندن، حيث أجواء المجتمع البريطاني الراقي، ووجود الخدم في المنازل الكبيرة، والاعتماد على الهاتف الأرضي والرسائل الورقية، وحياة الفنانين والمشاهير في لندن في تلك الحقبة، إلا أن مشرف العرض يبدو أنه اتخذ خياراً أكثر عصرية؛ فلم يحاول الالتزام بزمن 1939 حرفياً، وإنما قدّم رؤية معاصرة أو" زمناً مسرحياً معلّقاً"، حيث الهاتف الأرضي بأزرار لم تكن موجودة في ذلك الوقت، وحقائب السفر الحديثة ذات العجلات.
وعلى المقلب الآخر، فقد بدا الاهتمام بالديكور والملابس وبالتفاصيل الصغيرة واضحاً على الخشبة، ليخرج العرض عن كونه منتمياً إلى مدرسة Comedy of manners، أي كوميديا الأخلاق أو كوميديا الطبقة المخملية، وليجنح به الإخراج إلى المسرح ما بعد الحداثي (Postmodern Theatre)، أكثر منه إلى الواقعية الكلاسيكية التي كُتب بها النص أصلاً، وهذا فرق مهم بين مدرسة النص ومدرسة العرض.
الزمن الدرامي داخل المسرحية قصير جداً، إذ تدور معظم الأحداث خلال عدة أيام فقط في منزل غيري إيسنداين، وليس على مدى سنوات، لهذا تُعدّ المسرحية صورة ساخرة ومباشرة عن المجتمع الفني البريطاني في نهاية الثلاثينيات، أكثر من كونها قصة تاريخية بعيدة.
بدا الأداء التمثيلي أقرب إلى الاحتراف، حيث قدّمت الدفعة عرضاً متماسك الإيقاع، واستطاع الممثلون انتزاع ضحكات الجمهور وتصفيقه مرات متتالية، رغم غياب بعض الجُمل بسبب سرعة الأداء في بعض المواضع، أو عدم انتظار بعض الممثلين انتهاء تصفيق الجمهور قبل البدء بجملهم.
لكن يمكن القول إن العرض كان ناضجاً، وسيتطوّر حتماً مع استمرار عرضه حتى الـ18 من حزيران الجاري.
تأليف: نويل كاوارد، إشراف: حسن عويتي، الأستاذان المساعدان: إياد حسن، حسناء سالم.
تمثيل: حيان بدور، إيليا العبدة، لانا علوش، ندى حمزة، سيمون الحناوي، تالا نيسانة، سارة نصر، صفوت الجمال، ليث الشيخ، هايدي جمول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك