كشف وزير الصناعة المصري خالد هاشم عن حزمة إصلاحات جديدة تستهدف إعادة تشكيل منظومة تخصيص الأراضي الصناعية في مصر، في مقدمتها التحول إلى نظام" حق الانتفاع طويل الأجل" مع إتاحة خيار الإيجار المؤدي إلى التملك التدريجي بعد فترات تمتد إلى سبعة أعوام أو 14 أو 21 عاماً، في خطوة تهدف إلى تخفيف العبء الاستثماري الأولي عن رجال الأعمال وتحفيز إقامة مشروعات إنتاجية فعلية بدل المضاربة على الأراضي.
وأوضح الوزير، خلال ندوة موسعة عقدها المركز المصري للدراسات الاقتصادية بعنوان" أولويات الاستثمار الصناعي في مصر" مساء أمس الاثنين، أن هذا التوجه يأتي ضمن محاولة لمعالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً في القطاع الصناعي، وهو تعثر توافر الأراضي المرفقة أمام المستثمرين، وضمان جدية الاستخدام الصناعي لها، مع منح مرونة أكبر في بدء النشاط دون الحاجة إلى ضخ رؤوس أموال كبيرة منذ البداية، والقضاء على سماسرة الأراضي وغير الجادين في الاستثمار الصناعي.
وأكد هاشم أن النظام الجديد يحافظ في الوقت ذاته على حق الدولة في تنظيم الاستخدام ومنع إعادة تدوير الأراضي في السوق غير الإنتاجي، في إشارة إلى ما وصفه مشاركون في الندوة بانتشار" سماسرة الأراضي" وتنامي المضاربة عليها بعيداً عن الهدف الصناعي الحقيقي.
وبحسب ما دار في الندوة التي استمرت ثلاث ساعات، فإن ملف الأراضي الصناعية ظل محوراً مركزياً في النقاش مع المستثمرين ورجال الأعمال الصناعيين، حول معوقات الاستثمار الصناعي في مصر، حيث أشار الوزير وخبراء إلى أن المشكلة لا تتعلق بندرة الأراضي، بل بضعف كفاءة استخدامها وتعقد إجراءات التخصيص والمتابعة.
وفي إطار تطوير البنية المؤسسية للصناعة، أعلن الوزير عن خطة لزيادة عدد المطورين الصناعيين من 11 مطوراً حالياً إلى نحو 30 مطوراً خلال المرحلة المقبلة، بهدف تسريع إنشاء المجمعات الصناعية وتوفير أراضٍ مجهزة بالكامل للمستثمرين، خصوصاً في المحافظات والأقاليم.
وأكد الوزير أن تجربة المطور الصناعي أثبتت نجاحاً نسبياً في تقليل الوقت اللازم لإقامة المشروعات الصناعية، وتسهيل حصول المستثمرين على مواقع جاهزة للبنية التحتية، بما يخفف الضغط على الأجهزة الحكومية التقليدية، لكن عدداً من المشاركين حذروا من ضرورة وضع ضوابط صارمة لمنع تحول هذا النموذج إلى شكل جديد من الوساطة العقارية داخل القطاع الصناعي.
وأقر الوزير بوجود تحديات إجرائية في منظومة التراخيص والتخصيص، مؤكداً أن الوزارة تعمل على إعادة هيكلة هيئة التنمية الصناعية، التي يشكو منها المستثمرون على مدار سنوات، لتصبح أكثر تركيزاً على إدارة الأراضي والتراخيص، بينما يتم إنشاء آليات موازية لدعم المستثمرين وتسهيل الإجراءات.
وأشار إلى أن الهدف هو تقليل التداخل بين الجهات المختلفة وتقصير دورة الاستثمار الصناعي، التي وصفها مشاركون في الندوة بأنها" طويلة ومعقدة مقارنة بالدول المنافسة".
كشف الوزير عن برنامج جديد لإعادة تشغيل المصانع المتعثرة، يعتمد على إتاحة شراكات بين الملاك الحاليين ومستثمرين جدد دون الدخول في مسارات نقل ملكية معقدة أو إجراءات إدارية مطولة، مشيراً إلى أن هذه الآلية تهدف إلى تحويل المصانع المتوقفة إلى طاقات إنتاجية نشطة بدل بقائها أصولاً معطلة في السوق، كاشفاً عن برنامج جديد لإعادة تشغيل هذه المصانع عبر آلية تسمح بربط أصحاب الأصول المتعثرة بمستثمرين جدد دون الدخول في تعقيدات إدارية تقليدية طويلة، من خلال شراكات مرنة بين المالكين الحاليين ومستثمرين جدد، بما يحول الأصول المتوقفة إلى طاقة إنتاجية فعالة.
ولفت إلى أن هذه الآلية تستهدف تقليل زمن نقل الملكية أو إعادة التخصيص لأراضي المشروعات القديمة للمستثمرين الجدد، الذي كان يمثل أحد أبرز معوقات إعادة تشغيل المصانع خلال السنوات الماضية، وقال إن الدولة تواجه تحدياً حقيقياً في ما يتعلق بتوفير الأراضي الصناعية المُرفقة، موضحاً أن نقص المرافق يمثل أحد أهم المعوقات أمام التوسع الصناعي وجذب الاستثمارات الجديدة، في ظل الارتفاع الكبير في كلفة إنشاء شبكات الكهرباء والصرف والبنية الأساسية للمناطق الصناعية، مضيفاً أن الحكومة تعمل حالياً على تنفيذ خطط موسعة لتطوير المرافق وتوصيل الخدمات للأراضي الصناعية غير المستغلة.
أسباب تراجع القطاع الصناعيتحولت الندوة إلى منصة مكاشفة مفتوحة حول أسباب تراجع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي خلال السنوات الماضية، من 12% عام 2025، وسبل إعادة بناء قطاع صناعي قادر على المنافسة والتصدير، مع حاجة الحكومة إلى رفع معدل النمو الصناعي ليصبح 20% من الناتج القومي الإجمالي، حيث أكدت المديرة التنفيذية للمركز عبلة عبد اللطيف أن غياب قواعد بيانات دقيقة حول الأراضي الصناعية واستخداماتها يمثل عائقاً رئيسياً أمام صياغة سياسات فعالة، مشيرة إلى أن التوسع في المناطق الصناعية بالمحافظات، خصوصاً في الصعيد، يمثل أحد أهم حلول تحقيق التنمية المتوازنة والحد من الهجرة الداخلية.
وأكدت دراسة ميدانية حديثة أجراها المركز المصري أن الهجرة الداخلية لا تتجه فقط إلى القاهرة، التي تستحوذ على 75% من فرص العمل المتاح بالدولة، بل تتم داخل المحافظات نفسها بحثاً عن فرص عمل، بما يعكس ضعف انتشار النشاط الصناعي خارج المراكز الكبرى.
من جانبه، أكد محمد قاسم، رئيس جمعية المصدرين المصريين" إكسبولينك"، أن الاقتصاد العالمي يشهد حالياً إعادة هيكلة واسعة لسلاسل القيمة والإنتاج العالمية، في أعقاب الأزمات المتتالية التي كشفت هشاشة نموذج الإنتاج المعتمد على التركز الجغرافي، داعياً إلى التوسع في إنشاء مناطق صناعية جديدة خارج المراكز الصناعية التقليدية، خاصة في محافظات الصعيد التي تمتلك وفرة في العمالة وتحتاج إلى خلق فرص عمل حقيقية تدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك