أحدث الليزر قفزة هائلة في العلوم والتكنولوجيا، بدءاً من الجراحة الدقيقة وصولاً إلى الاتصالات.
ورغم أهميته، ظلت أجهزة الليزر فائقة السرعة ضخمة ومكلفة.
واليوم، يكسر هذا الابتكار الحواجز بدمج قوة ليزر مختبري في رقاقة بحجم عود الثقاب.
ابتكر فريق من العلماء في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) رقاقة ضوئية (فوتونية) تضاهي في أدائها أكبر الليزرات المختبرية حجماً، بتوليدها نبضات ضوئية قصيرة للغاية وعالية الطاقة.
وقد تفتح هذه الرقاقة آفاقاً جديدة في تقنيات مثل التشخيص الطبي والجراحي وتصميم الساعات الذرية الضوئية.
ترسل الليزرات فائقة السرعة نبضات ضوئية لا تستمر سوى بضع المئات من فمتوثانية، وهي مدة قصيرة جداً تعادل أجزاء من الكوادريليون من الثانية.
وتستخدم هذه الومضات الضوئية في تطبيقات مثل عمليات التصنيع الدقيقة وصولاً إلى جراحة العيون، مروراً بـ" أمشاط التردّد البصري"، وهي تقنية حاز مكتشفها جائزة نوبل، وأدت إلى تصنيع الساعات الذرية الضوئية الأكثر دقة في الوقت الحالي.
ورغم مرور أكثر من عقدَين من الأبحاث في مجال تقنيات الفوتونات، ظلت الليزرات فائقة السرعة تعتمد على أنظمة ضخمة الحجم ومكلفة، ومحصورة فقط في الطاولات البصرية وداخل المختبرات.
وتمكن فريق بقيادة البروفيسور توبياس كيبنبورغ من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) من تجميع هذا الليزر في شريحة ضوئية.
وجرى نشر تفاصيل هذا الابتكار في المجلة العلمية" الطبيعة" (Nature)، إذ عرضوا أول ليزر فائق السرعة متكامل يستطيع منافسة أجهزة الليزر الضخمة المستخدمة في المختبرات، والتي تولد 1.
05 نانوجول من الطاقة في نبضات مدتها لا تتجاوز 147 فمتوثانية.
تقود الرقائق الفوتونية الضوء وتعالجه عبر قنوات ميكروسكوبية يطلق عليها اسم" دليل الموجات الضوئية"، وهي منحوتة على شريحة من السيليكون، يمكن تشبيهها تقريباً بالرقائق الإلكترونية الدقيقة التي تقود الكهرباء.
ومكنت هذه الرقائق الفوتونية من تصغير المعدات المعقدة التي كانت في السابق تستلزم أنظمة ضخمة، كما أنها تستخدم بكثرة في مجال الاتصالات.
وفي هذا السياق، يقول البروفيسور توبياس: " منذ أكثر من 20 سنة، كان الليزر فمتوثانية ذو النبضات عالية الطاقة المدمج على رقاقة يعد حلماً صعب المنال بالنسبة للفيزيائيين.
لكن نتائج أبحاثنا تبرهن ليس أنه أصبح ممكناً فحسب، ولكن أيضاً سهل التصنيع بفضل معمارية بسيطة استخدمها المجتمع العلمي للضوئيات المدمجة سابقاً ولكن أغفلها وأهملها بعد ذلك".
انتبه الفريق البحثي إلى تصميم ليزر جرى إغفاله في مجال الضوئيات المدمجة، والمعروف تحت اسم" مذبذب ماميشيف" (Mamyshev oscillator).
ففي تجويف الليزر، جرى وضع دليل أمواج غير خطي ما بين مرشحَين للضوء، والتي تسمح بمرور جزء مختلف من طيف الألوان.
فعندما تعبر نبضة قوية عبر دليل الأمواج، فإنها تتوسع إلى مجموعة متنوعة من الألوان أكثر، ما يسمح لجزء من هذا الضوء بالمرور عبر المرشحين ويكمل مساره.
في المقابل، لا يتوسع الضوء الضعيف بما يكفي، ويتم استبعاده.
حلم طالما راود الفيزيائيين لعشرين عاماً يتحقق بابتكار ليزر فائق السرعة على رقاقةوفي هذا السياق، يقول الباحث زيرو تشيو، المؤلف المشارك الرئيسي للبحث: " هذا التصميم مهم جداً، لأنه لا يتطلب أي مركب صعب التصنيع على هذه الرقاقة التي تتكون من نيتريد السيليكون المُشبع بالإربيوم.
بالإضافة لذلك، فعند احتباس النبضة الضوئية القوية في دليل أمواج صغير جداً، تتفاعل بقوة مع نفسها.
ويمكن لهذا التفاعل إذا كان قوياً جداً أن يزعزع النبضات في التصاميم التقليدية، ولكن في معمارية ماميشيف لا يوجد تأثير لهذه المشكلة".
على الرقاقة، يمكن طي تجويف الليزر الذي يبلغ طوله 42 سنتيمتر ليشغل مساحة لا تتجاوز رأس عود ثقاب، وهو أصغر بكثير من ليزر الألياف الضوئية، ولأن هذه الرقائق الضوئية يمكن تصنيعها مجتمعة على نطاق رقاقة، على غرار رقائق الكمبيوتر، فيمكن إنتاج أكثر من 1000 تجويف ليزر دفعة واحدة، وهو الأمر الذي يمهد الطريق لتصنيع ليزرات فائقة السرعة وأقل تكلفة بكثير، والتي يمكن استخدامها في مجال الاستشعار وتحليل الطيف الضوئي وعلم القياس.
وفي هذا الصدد، يقول الباحث زيرو تشيو: " بفضل قوتها القصوى التي تبلغ حوالى كيلوواط، يمكن لهذه الرقاقة تزويد التطبيقات التي تستهلك طاقة كبيرة، والتي كانت تعتمد حتى وقتنا هذا على أجهزة الليزر المختبرية الضخمة والمكلفة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك