من أروع المشاعر الإنسانية ذلك الشعورالعميق بالشماتة في العصابات الصهيونية، سواء داخل حكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو أو خارجها في أحزاب المعارضة اليمينية واليسارية.
الكل لم يخف غضبه وإحباطه من اتفاق واشنطن وطهران على مذكرة تفاهم يقضى أول بنودها بوقف الحرب في جميع الجبهات بالمنطقة، وعلى رأسها كامل الدولة اللبنانية بما في ذلك الجنوب.
مبعث الإحباط، الذي يضاعف الإحساس بالهزيمة لدى عصابات تل أبيب أن الحرب، التي خطط وحرض عليها زعيمهم نتنياهو لم تحقق أياً من أهدافها.
فلا النظام الإيراني سقط ولا الدولة الإيرانية تفككت ولا المشروع النووي تم القضاء عليه، بل إن إنهاءه ليس وارداً في أجندة مفاوضات الـ60 يوماً، التي خرج منها وبشكل نهائى أى تناول لبرنامج إيران الصاروخي، ودعمها لحلفائها في العراق ولبنان واليمن.
ذات الشعور بالشماتة يلحق بأرامل نتنياهو، الناطقين بالعربية، مخلفات الليبرالية الوظيفية وبقايا العلمانية الرخيصة، ممن اتخذوا من العداء للإسلام السياسي وتنظيم الإخوان الإرهابي ستاراً للعب أدوار وظيفية قذرة لصالح المشروع الصهيوني.
هنا تجدر التذكرة بأن جماعة الإخوان الإرهابية لعبت، ولا تزال، أدواراً وظيفية منحطة لصالح الكيان الصهيوني، وهو ما تجلى في حملاتهم الدعائية السوداء ضد الدولة المصرية ومحاصرتهم مقار بعض السفارات المصرية، بما فيها مقر سفارتنا في تل أبيب، لترويج أكذوبة نتنياهو التي انفضحت أمام العالم حول أن مصر هي من قامت بإغلاق معبر رفح.
تنظيم الإخوان الإرهابي روج عبر عناصره في بيانات وثقوها بأنفسهم بالصوت والصورة لفكرة إسقاط الجيش المصري على يد جيش الاحتلال الصهيوني، واحتلال سيناء باعتبار ذلك يحمل الخير، ليس لمصر، التي هي خارج حساباتهم، ولكن للمشروع الإسلامي برمته.
قد تبدو الليبرالية الوظيفية وجماعات الإرهاب الدينية متناقضة في الأيديولوجيا، لكنها تمارس نفس الانحطاط وذات الخيانة والعمالة، لأن الممول الذي يرسل حقائب الدولارات للطرفين واحد.
فشل العدوان الصهيوأمريكى على إيران لن تقتصر تداعياته على بنود مذكرة التفاهم المزمع توقيعها الجمعة المقبل في العاصمة السويسرية جنيف، ذلك أنه قد أحدث بالفعل شرخاً عميقاً ليس في علاقة واشنطن بتل أبيب، الوثيقة بطبيعة الحال، ولكن بمدى استجابة الإدارات الأمريكية اللاحقة لكل رغبات ونزوات حلفائها الصهاينة.
بمعنى آخر، سيستمر الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني باعتباره قاعدته العسكرية المتقدمة في الشرق الأوسط، لكن واشنطن لن تتورط مرة أخرى في خوض مغامرات عسكرية غير محسوبة قد يفكر الكيان في تكرارها.
مشروع إسرائيل الكبرى وتغيير خريطة الشرق الأوسط بالقوة، وفقاً لرؤى وتصورات عصابة تل أبيب أصبح خطراً حقيقياً يهدد نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.
مذكرة التفاهم، التي ما زالت بنودها سرية، ووفقاً لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومعاونيه استجابت لمعظم شروط إيران، التي طرحتها مع أول جولة تفاوض، بعد وقف إطلاق النار الهش الذي أعلن في السابع من أبريل الماضي.
واشنطن أرادت اتفاقاً شاملاً حول البرنامج النووي ومشروع الصواريخ الباليستية ودعم الحلفاء.
طهران شددت على استبعاد ملفي دعم الحلفاء والبرنامج الصاروخى، وأنهما ليسا موضوعاً للتفاوض أصلاً، والبدء باتفاق إطارى، وهو ما نحن بصدده بالفعل، ينهي الحرب على كافة الجبهات وفتح مضيق هرمز مقابل إنهاء الحصار البحرى والحصول على جزء من الأموال الإيرانية المجمدة.
هذا البند الأخير يضعه نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس في المنطقة الرمادية، حيث يشترط التزام إيران أولاً ببنود الاتفاق.
إلى ذلك، تمسكت إيران بترحيل القضايا الكبرى حول الملف النووي وإنهاء العقوبات الاقتصادية إلى مرحلة مفاوضات الـ60 يوماً.
الرئيس ترامب ومعاونوه يحتفون بالاتفاق لأنه سيؤدى إلى فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً قبل العدوان في 28 فبراير الماضى، ولأن إيران تعهدت بعدم بناء أو امتلاك أو حتى شراء سلاح نووى.
في الواقع، إيران وحتى مفاوضات جنيف الأخيرة طالما أعلنت عدم نيتها استخدام برنامجها النووي في الأغراض غير السلمية، وبتعهدها بذلك في مذكرة التفاهم ليس فيه جديد، لكنها اكتشفت أن بيدها ورقة مضيق هرمز، التي من الممكن أن تتحول في أى لحظة إلى سلاح مدمر للاقتصاد العالمى.
في سياق إحباط نتنياهو من مجرد التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران من الطبيعى أن يحرص الجانبان، الأمريكى والإيراني، على سرية بنود المذكرة على الأقل حتى تتم مراسم التوقيع.
الإعلام الصهيوني داخل الولايات المتحدة حاول على مدار الأيام السابقة استغلال ما تسرب من بنود للإمعان في إحراج الرئيس الأمريكى.
ترامب يحاول الخروج من هذا المأزق بالتفخيم والتعظيم من شأن الاتفاق، وذهب إلى حد التفاخر بأنه أول رئيس استطاع توقيع اتفاق سلام مع إيران منذ 47 عاماً، وكأنه قد تجاوز مرحلة الـ60 يوماً وتوصل بالفعل إلى اتفاق نووى مختلف عن اتفاق أوباما.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجى قال إن المفاوضات ستبدأ فور توقيع مذكرة التفاهم وهو ما يشير إلى أمرين، أولهما أن إيران تلقت أو ستتلقى المبالغ المالية التي طالبت بها من أصولها المجمدة فور التوقيع، لا سيما وأنها لا تجد مشكلة في الاستجابة لفتح مضيق هرمز، والتعاون في إزالة الألغام، وهو ما يتفق مع حديث جى دى فانس حول ربط فك الحظر عن تلك الأموال بالتزام إيران، أو أنها حصلت بالفعل على جزء من تلك الأموال عبر أطراف أخرى.
الأمر الثانى، الذي تشير إليه تصريحات عراقجى أن التفاوض هذه المرة سيكون مباشراً بين الجانبين الأمريكى والإيراني دون وسطاء.
ستون يوماً قد لا تكون كافية في التوصل لصيغة اتفاق شاملة كما يقول بعض المراقبين والمحللين، لذلك يتعين الحذر من مساعى الكيان الصهيوني التخريبية، وماسيتعرض إليه الرئيس الأمريكى من ضغوط سياسية ومساءلة من قبل الديمقراطيين حول نتائج تلك الحرب التي يرفضها غالبية الأمريكيين.
هذه التحديات قد تعرقل مواصلة المفاوضات، وتدفع ترامب إلى المزيد من التشدد، رغم وجود صيغة شبه نهائية تم الاتفاق عليها، خلال مفاوضات جنيف، بحسب تصريحات وزير الخارجية العمانى بدر البوسعيدى، في محاولة يائسة منه ونائب الرئيس الأمريكى ج دى فانس لمنع العدوان الصهيوأمريكى على إيران.
ترامب هدد بأمرين حال عدم التوصل إلى اتفاق بعد 60 يوماً، الأول العودة إلى الحرب، وهذا ما لن يجرؤ على تكراره، والثاني تولى الجيش الأمريكى مسئولية حماية الخليج العربى ومضيق هرمز مقابل 20% من عائدات ما تصدره دول المنطقة، وهذا ما سيسعى إلى تنفيذه حتى إذا توصل إلى اتفاق شامل مع الإيرانيين.
هنا تأتى المقاربة التي طرحتها مصر مع بداية العدوان حلاً ناجعاً لتجاوز فرض المزيد من الهيمنة الأمريكية دون مقابل حقيقى.
مصر طرحت حواراً خليجياً إيرانياً لمنع الاعتداء، وبناء منظومة إقليمية لأمن المنطقة، وتطبيعاً اقتصادياً شاملاً يبنى جسوراً من المصالح المشتركة، وظنى أن التحالف السياسى العسكرى بين مصر وتركيا والسعودية وباكستان، الآخذ في التبلور، قد يساعد في هذا الاتجاه لتكون إيران جزءاً منه، ومن ثم جزءاً من حفظ أمن المنطقة واستقرارها واستقلالها، وهذا ما سيؤدى قطعاً لحلحلة أزمة حلفاء إيران التي لم يستطع الصهيوأمريكى الاقتراب منها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك