في السادس عشر من يونيو من كل عام، يتجه أنين المحيطات والبحار نحو ضمير الإنسانية، حيث يحتفل كوكب الأرض باليوم العالمي للسلاحف البحرية، هذا اليوم الذي تأسس لتخليد ذكرى الرائد البيئي الراحل الدكتور" أرتشي كار"، الأب الروحي لأبحاث السلاحف البحرية، تحول على مر العقود إلى منصة دولية لإطلاق التحذيرات، ومراجعة السياسات البيئية، وحشد الجهود لإنقاذ سبعة أنواع فريدة من السلاحف باتت جميعها تقف على حافة المنحدر القاسي للاختفاء الأبدي من سجلات التنوع البيولوجي.
اختارت مصر صياغة نموذجها الخاص في الاحتفال، نموذج لا يتحدث بلغة الحبر على الورق، بل بلغة الميدان الخالصة والملاحم الإنسانية والبيئية المتكاملة، في وقت تكتفي فيه العديد من العواصم والمؤسسات الدولية بإطلاق البيانات الصحفية وعقد الندوات الافتراضية، في قلب هذا الحراك البيئي، يبرز مركز إنقاذ ورعاية السلاحف البحرية التابع لمحمية أشتوم الجميل الطبيعية بمحافظة بورسعيد، كأحد أهم قلاع حماية الطبيعة في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.
لم يكن اختيار توقيت هذا التحقيق عشوائياً، بل جاء متزامناً مع إنجاز وطني غير مسبوق حققه باحثو قطاع حماية الطبيعة بوزارة التنمية المحلية والبيئة داخل هذا المركز، حيث تمكنوا عبر جهد جماعي دؤوب، وتنسيق رفيع المستوى مع المجتمع المدني، من إتمام رحلة إنقاذ ورعاية وتأهيل 46 سلحفاة بحرية من الأنواع المهددة بالانقراض السلحفاة الخضراء، والسلحفاة ضخمة الرأس، وإعادة إطلاقها إلى بيئتها الطبيعية في مياه البحر المتوسط.
هذه العملية البيئية المعقدة، والتي تضمنت لأول مرة تطبيق بروتوكول علمي صارم للتكويد والترقيم الدولي، لم تكن مجرد خطوة لإنقاذ أرواح كائنات بحرية، بل كانت شهادة ميلاد جديدة لجهود صون الطبيعة المصرية، وإثباتاً عملياً على أن حماية الأنظمة المائية هي حماية مباشرة لمستقبل الإنسان والأمن الغذائي العالمي.
أشتوم الجميل جغرافيا فريدة بمواصفات دوليةوفى هذا السياق أكد الدكتور حسين محمد رشاد مدير عام المنطقة الشمالية بالمحميات الطبيعية، أنه لكي نفهم الأبعاد العميقة لهذه الملحمة البيئية، يجب أولاً أن نتأمل طبيعة المكان الذي احتضنها، حيث تقع محمية أشتوم الجميل في شمال قارة إفريقيا، وتحديداً عند المخرج الشمالي الشرقي لبحيرة المنزلة، وهناك تلتقي المياه العذبة والشروب للبحيرة بالمياه المالحة للامتداد الساحلي للبحر الأبيض المتوسط.
هذه الجغرافيا الفريدة منحت المحمية مكانة استثنائية كواحدة من أهم الأراضي الرطبة المدرجة ضمن الاتفاقيات الدولية، وملاذاً طبيعياً لآلاف الطيور المهاجرة، ومحضناً رئيسياً لتوالد وتغذية مئات الأنواع من الأسماك والقشريات.
وأضاف رشاد قائلا: " مع تزايد التحديات البيئية التي تواجه الحياة البحرية في منطقة شرق البحر المتوسط، أدرك قطاع حماية الطبيعة بوزارة البيئة ضرورة عدم الاكتفاء بالدور الرقابي التقليدي للمحمية، ومن هنا ولدت فكرة تأسيس مركز إنقاذ ورعاية السلاحف البحرية، كذراع تنفيذي وطبي متخصص داخل أشتوم الجميل ببورسعيد، حيث تم تزويد المركز بأحواض مائية مصممة هندسياً وبيولوجياً لمحاكاة البيئة البحرية الطبيعية، مع توفير منظومة متكاملة للتحكم في درجات حرارة المياه، ونسب الملوحة، ومستويات الأكسجين.
ويكمل رشاد حكاية مركز اشتوم الجميل، انه لم يكن التحدي الأكبر في بناء الجدران وتجهيز الأحواض، بل في بناء الكوادر البشرية، و يضم المركز نخبة من الباحثين البيئيين والأطباء البيطريين الذين خضعوا لتدريبات متقدمة على كيفية التعامل مع الكائنات البحرية الحساسة والمجهدة، ومن ثم تحول المركز بمرور الوقت من مقر إداري لمحمية طبيعية إلى ما يشبه المستشفى الميداني الطائر، ومختبر الأبحاث المتقدم، المستعد لاستقبال أي بلاغ على مدار أربع وعشرين ساعة، والتعامل مع حالات الإصابة المعقدة التي تتعرض لها السلاحف نتيجة الأنشطة البشرية الجائرة.
خريطة الأسر من مقاصل الأسواق العشوائية إلى رحاب المحميةإن قصة الـ 46 سلحفاة بحرية التي كتب لها باحثو مركز أشتوم الجميل عمراً جديداً، هي في حقيقتها رواية درامية تمتد جغرافيتها لتشمل عدة محافظات مصرية.
لا تبدأ الحكاية من شواطئ بورسعيد النظيفة، بل غالباً ما تبدأ من عمق المعاناة البيئية والممارسات الخاطئة في مدن ساحلية وأخرى داخلية مثل دمياط، والإسماعيلية، والسويس، وحتى العاصمة القاهرة.
تتنوع الأسباب التي أدت إلى وقوع هذه السلاحف في الأسر، وتكشف في الوقت ذاته عن حجم المخاطر الساحقة التي تواجهها هذه الكائنات في حياتها اليومية.
يتمثل التهديد الأول في" الصيد العرضي"، حيث تقع السلاحف ضحية غير مقصودة لشباك الصيد وسنانير الخطوط الطويلة التي تطلقها سفن الصيد التجاري أو قوارب الصيد التقليدية بحثاً عن الأسماك.
عندما تقع السلحفاة في الشبكة، تعجز عن الصعود إلى السطح للتنفس، مما يصيبها باختناق حاد وإجهاد عضلي شديد، وفي كثير من الأحيان يتخلص منها الصيادون بإلقائها وهي مصابة أو يبيعونها بشكل غير قانوني.
التهديد الثاني، وهو الأكثر قسوة، يتمثل في التجارة غير المشروعة ومحاولات الكسب السريع القائمة على معتقدات شعبية خاطئة وخرافات لا أساس لها من الصحة، مثل الادعاء بأن شرب دماء السلاحف البحرية أو تناول لحومها يساهم في علاج بعض الأمراض أو يمنح طاقة بدنية خارقة.
هذه الخرافات تدفع بعض التجار الجشعين في أسواق الأسماك العشوائية إلى عرض السلاحف الحية للبيع تحت ظروف لا إنسانية، حيث تترك مقلوبة على أصدافها لساعات طوال تحت أشعة الشمس الحارقة، مما يتسبب في جفافها الشديد وكسور في زعانفها وهياكلها العظمية.
وهنا يأتي الدور البطولي للمجتمع المدني ومنظومة الشكاوى الحكومية الموحدة، لم تكن وزارة البيئة لتعلم بمكان هذه السلاحف الـ 46 لولا يقظة المواطنين والشباب الواعي ومجموعات حماية الحياة البرية على منصات التواصل الاجتماعي.
عند ورود أي بلاغ عن وجود سلحفاة معروضة للبيع أو محتجزة في أحد المحال، يتحرك فريق التدخل السريع بمركز أشتوم الجميل فوراً بالتنسيق مع شرطة البيئة والمسطحات المائية.
يتم تحرير السلاحف ومصادرتها قانونياً، ونقلها بعناية فائقة عبر سيارات مجهزة بفرش مبلل لمنع جفافها، لتبدأ رحلتها الفورية نحو غرف الرعاية الطبية في بورسعيد.
البروتوكول الطبي وصراع مع الزمن داخل غرف العناية المركزةبمجرد وصول السلحفاة المنقذة إلى مركز أشتوم الجميل، تبدأ مرحلة حرجة من الصراع مع الزمن لإنقاذ حياتها.
يدخل الباحثون البيئيون والأطباء البيطريون في حالة استنفار تام لتطبيق بروتوكول فحص طبي وتشخيصي صارم يماثل ما يتم في غرف العناية المركزة للمستشفيات البشرية، فالخطوة الأولى هي الفحص الظاهري الدقيق للكشف عن الجروح والكسور والتآكل في الصدفة أو الزعانف.
في كثير من الحالات، تصل السلاحف وهي تعاني من جروح غائرة ناتجة عن التفاف شباك الصيد أو حبال النايلون حول رقابها أو زعانفها، وهي الحبال التي تقطع تدفق الدم وتسبب غرغرينا إذا لم يتم إزالتها طبياً بحذر شديد.
كما يتم استخدام أجهزة الكشف المتقدمة للتأكد من خلو الجهاز الهضمي للسلحفاة من أي أجسام غريبة.
وهنا تبرز أزمة التلوث البلاستيكي، التي تعد أحد المحاور الرئيسية للتحذيرات الدولية في اليوم العالمي للسلاحف.
تخلط السلاحف البحرية، وخاصة سلحفاة الجلدية الظهر والسلحفاة الخضراء، بين الأكياس البلاستيكية الشفافة الطافية في الماء وقناديل البحر التي تشكل غذاءها المفضل.
تبتلع السلاحف البلاستيك الذي لا يمكن هضمه، فيتراكم في أمعائها ومعدتها مسبباً انسداداً معوياً كاملاً، وشعوراً زائفاً بالشبع يؤدي في النهاية إلى الموت جوعاً أو الغرق نتيجة عدم القدرة على الغوص.
نجح الفريق الطبي بمركز أشتوم الجميل في تخليص العديد من السلاحف الـ 46 من كتل بلاستيكية وخيوط صيد ابتلعتها عبر تقديم رعاية هضمية وغذائية مكثفة ومسهلات طبيعية تحت إشراف بيطري كامل.
تستمر فترة التأهيل داخل أحواض المركز لأسابيع وأحياناً لأشهر اعتماداً على حجم الإصابة.
يتم تغذية السلاحف بنظام غذائي مدروس يطابق طبيعتها لتعويض النقص الحاد في وزنها، ومتابعة قدرتها على الطفو والسباحة بشكل متوازن.
لا يُسمح بنقل السلحفاة إلى مرحلة الإطلاق إلا بعد التأكد التام من شفاء جروحها، واستعادتها لحيويتها الفطرية، وقدرتها الكاملة على الغوص وصيد غذائها بنفسها.
فك شفرة التكويد والترقيم الدولي للسلاحفالتميز الحقيقي الذي جعل من تجربة مركز أشتوم الجميل ببورسعيد نموذجاً ملهماً على الصعيدين الإقليمي والدولي، يتجاوز حدود تقديم العلاج الطبي؛ فالمركز لا يكتفي بإطلاق السلاحف بعد شفائها، بل يمنحها هويتها العلمية الرسمية من خلال عملية" التكويد والترقيم"، وهي الخطوة التي تضع مصر في مصاف الدول المتقدمة في مجال أبحاث الأحياء البحرية.
عملية التكويد هي بروتوكول علمي دولي معتمد، يقوم فيه الباحثون البيئيون بالمحمية بتركيب حلقة معدنية صغيرة مصنوعة من سبائك خاصة مقاومة للصدأ والتآكل ومياه البحر المالحة مثل التيتانيوم أو الانكونيل، ويتم تثبيتها بدقة شديدة وبطريقة غير مؤلمة في الزعنفة الأمامية للسلحفاة.
تحمل هذه الحلقة كوداً رقمياً وحرفياً فريداً وخاصاً بجمهورية مصر العربية ووزارة البيئة، لا يتكرر مع أي سلحفاة أخرى في العالم، قبل تركيب الكود، يخضع جسد السلحفاة لعملية مسح بيومتري شاملة، حيث يتم تسجيل البيانات التالية في قاعدة بيانات المركزمن حيث الطول المنحني للصدفة، والعرض المنحني للصدفة، والوزن الكلي، والنوع والعمر التقريبي.
إن الأهمية البيئية والعلمية لهذا التكويد لا يمكن اختزالها؛ فهذا الرقم يمثل" جواز السفر الدولي" للسلحفاة عبر المحيطات.
السلاحف البحرية كائنات مهاجرة بطبيعتها، تقطع آلاف الكيلومترات وتجوب بحاراً ودولاً متعددة للتغذية والتكاثر.
عندما تقوم مصر بتكويد 46 سلحفاة وإطلاقها، فإنها تقدم هدية علمية ثمينة للمجتمع الدولي.
إذا ما عثر باحثون أو صيادون في إيطاليا، أو اليونان، أو تونس، أو أي دولة تطل على البحر الأبيض المتوسط، على إحدى هذه السلاحف مستقبلاً، فإنهم يقومون بقراءة الكود ومراسلة وزارة البيئة المصرية.
تتيح هذه المراسلات المتبادلة تتبع خطوط سير وهجرة السلاحف، وفهم سلوكها التكاثري، ودراسة معدلات نموها وتكيفها في البيئة الطبيعية بعد فترة الأسر، ومعرفة مدى تأثير التغيرات المناخية على مساراتها التقليدية.
هكذا تحولت بورسعيد، عبر هذا البروتوكول، إلى نقطة انطلاق رئيسية لرفد الأبحاث العلمية العالمية ببيانات حية ودقيقة تساهم في وضع استراتيجيات حماية عابرة للحدود.
تحويل الصيادين إلى حراس طبيعيينأحد الأسرار العميقة وراء نجاح تجربة مركز أشتوم الجميل في إنقاذ الـ 46 سلحفاة يكمن في ذكاء الإدارة البيئية وقدرتها على تحقيق مفهوم" أنسنة البيئة"، أي تحويل القضية البيئية الجافة إلى قضية إنسانية تمس قلوب وعقول المجتمع المحلي المحيط بالمحمية.
ابتكر باحثو المحمية تقليداً رائعاً ترتب عليه أثر نفسي ومجتمعي بالغ العمق، حيث جرى العرف داخل المركز على عدم التعامل مع السلاحف المنقذة كأرقام صماء في السجلات، بل يتم منح كل سلحفاة اسماً علماً يرافق كودها الدولي، ولم تكن هذه الأسماء تختار عشوائياً، بل كانت تُطلق تيمناً بأسماء الأشخاص الذين ساهموا بشكل مباشر في إنقاذها، سواء كان المواطن الذي أبلغ عنها، أو الشاب الذي اشتراها من ماله الخاص لإنقاذها من الذبح وسلّمها للمحمية، أو حتى اسم الصياد الذي أخرجها من شباكه واتصل بالفريق البيئي.
على سبيل المثال، شهدت هذه المجموعة إنقاذ وإطلاق السلحفاة" نادين" والسلحفاة" نجلاء"، و" مصطفى" وغيرها من السلاحف التي حملت أسماءً لأسر وأطفال زاروا المركز وتفاعلوا مع قصة إنقاذها، او فريق عمل المتطوعين من طلاب علوم البيئة، وكليات العلوم هذا الأسلوب أدى إلى خلق رابطة عاطفية قوية بين المجتمع المحلي وهذه الكائنات.
لم يعد الصياد البسيط يرى في السلحفاة عدواً يمزق شباكه أو بضاعة تباع في السوق، بل بات يرى فيها كائناً يحمل اسماً عزيزاً، وجزءاً من سمعة وطنه البيئية أمام العالم.
امتد هذا الأثر ليتحول إلى برامج توعية ميدانية مكثفة نظمها مركز أشتوم الجميل في المقاهي وحلقات السمك وتجمعات الصيادين في بورسعيد والمحافظات المجاورة.
نجحت هذه الحملات في تصحيح المفاهيم الطبية الخاطئة حول دماء ولحوم السلاحف، وشرحت للصيادين أهمية السلحفاة لمهنتهم ذاتها، وكيف أن غياب السلحفاة يعني تدمير الثروة السمكية التي يعيشون عليها.
هذا التحول الفكري حوّل مئات الصيادين من مهددين للحياة البحرية إلى" حراس طبيعيين" وشبكة رصد تطوعية واسعة النطاق تخدم أهداف المحمية بلا مقابل.
حراس المحيطات نغوص عميقاً في الجانب العلمي الإيكولوجي للإجابة على السؤال الجوهري الذي يطرحه البعض، لماذا يستهلك الباحثون البيئيون كل هذا الوقت والجهد والمال لإنقاذ 46 سلحفاة بحرية؟ ولماذا خصص العالم يوماً كاملاً للاحتفاء بها؟ الإجابة تكمن في المصطلح العلمي الذي أطلقته المنظمات البيئية الدولية على السلاحف البحرية، وهو الأنواع الرئيسية هذا المصطلح يطلق على الكائنات التي تلعب دوراً محورياً وحيوياً في تثبيت أركان النظام البيئي، بحيث يؤدي اختفاؤها أو تراجع أعدادها إلى انهيار كامل وشلال متتابع من الكوارث البيئية التي تدمر بقية الكائنات، وتؤثر في النهاية على حياة الإنسان وأمنه الغذائي.
تؤدي السلاحف البحرية التي ينقذها مركز أشتوم الجميل أربعة أدوار بيئية حرجة لا يمكن لأي كائن آخر في البحار القيام بها بكفاءتهاأربعة أدوار بيئية حرجة لا يمكن لأي كائن آخر في البحار القيام بها بكفاءتهاأولاً: صيانة ومراعي الأعشاب البحرية تتغذى السلاحف الخضراء بشكل أساسي على حشائش وأعشاب قاع البحر.
تعمل السلاحف كمقصات طبيعية ومستدامة لهذه المراعي المائية؛ بقصها المستمر وتناولها لأطراف الحشائش، تمنع نموها المفرط وتراكم أجزائها الميتة التي قد تحجب ضوء الشمس وتسبب تعفن القاع وتصاعد الغازات السامة.
هذا" القص" الدوري يحفز نمو براعم جديدة وصحية، ويزيد من إنتاجية الأعشاب البحرية التي تعد أهم مصنع للأكسجين في المحيطات، وأكبر بالوعة طبيعية لامتصاص وتخزين الكربون المتسبب في الاحتباس الحراري، فضلاً عن كونها الحاضنة الأساسية التي تضع فيها الأسماك التجارية والقشريات بيوضها وتتربى فيها صغارها.
بدون السلاحف، تموت مراعي الأعشاب البحرية، وتختفي معها الأسماك التي يعتمد عليها ملايين البشر في غذائهم.
ثانياً: حماية الشُعب المرجانية من الاختناق تمتلك سلاحف صقرية المنقار وسلاحف ضخمة الرأس بنية فكية قوية تمكنها من التغذي على الإسفنج البحري وقناديل البحر والقشريات الصلبة.
ينمو الإسفنج البحري بكثافة في بيئات الشُعب المرجانية، وإذا لم يجد كائناً يلتهمه، فإنه يتفوق في النمو على المرجان، ويغطيه بالكامل، ويحجب عنه الغذاء والضوء، مما يؤدي إلى موت المستعمرات المرجانية وتحولها إلى هياكل بيضاء ميتة.
من خلال تحكم السلاحف في أعداد الإسفنج، تمنح الشُعب المرجانية فرصة للازدهار والتجدد.
الشُعب المرجانية لا تمثل فقط لوحات جمالية للسياحة، بل هي موطن لربع الحياة البحرية وجدار حماية طبيعي يحمي الشواطئ من نحر الأمواج العاتية.
ثالثاً: الحفاظ على التوازن البيولوجي للثروة السمكية تعتبر السلحفاة جلدية الظهر المستهلك الأكبر لقناديل البحر في المحيطات.
تستهلك السلحفاة الواحدة البالغة مئات الكيلومترات من القناديل يومياً.
في غياب السلاحف، تنفجر أعداد قناديل البحر بشكل مرعب وغير متزن.
تتغذى قناديل البحر بكثافة على يرقات الأسماك الصغيرة وبيوضها، مما يعني تدمير جيل كامل من الأسماك قبل أن ينمو، وهو ما يؤدي مباشرة إلى انهيار مصايد الأسماك العالمية وتضرر الاقتصاد القائم على الصيد البحرى.
رابعاً: تخصيب الشواطئ الساحلية ومنع نحر السواحل الدور البيئي للسلاحف يتجاوز حدود الماء ليصل إلى اليابسة؛ عندما تخرج إناث السلاحف إلى الشواطئ الرملية لحفر الأعشاش ووضع مئات البيوض، فإن جزءاً من هذا البيض لا يفقس، كما أن قشور البيض والمخلفات العضوية التي تتركها الصغار بعد الخروج تمثل مصدراً غذائياً فائق الغناء بمواد النيتروجين، والفوسفور، والبوتاسيوم.
هذه المواد تمثل السماد السحري والوحيد الذي تتغذى عليه النباتات والحشائش الشاطئية النادرة التي تنمو على الكثبان الرملية.
هذه النباتات هي المسؤول الأول عن تثبيت الرمال وجعل الشواطئ متماسكة وقادرة على مقاومة عوامل النحر والتآكل الناتجة عن الارتفاع المستمر لسطح البحر بفعل التغيرات المناخية.
إن إنقاذ السلاحف هو، بالتبعية، حماية للمدن الساحلية من الغرق.
هدية بورسعيد لزرقة المتوسط في المشهد الختاميبعد أسابيع من السهر، والرعاية الطبية الدقيقة، وحسابات القياسات العلمية، وإتمام بروتوكول التكويد، جاءت اللحظة الحاسمة التي تلخص جوهر الاحتفال باليوم العالمي للسلاحف البحرية؛ لحظة الحرية والعودة إلى الديار.
على شاطئ محمية أشتوم الجميل ببورسعيد، وامام امتداد البحر الأبيض المتوسط الذي بدا وكأنه يفتح ذراعيه لاستقبال أبنائه الراحلين، اصطف باحثو المحمية، وممثلو وزارة البيئة، وعدد من المتطوعين من المجتمع المدني، والصيادين الذين شاركوا في عمليات الإنقاذ.
تم نقل الـ 46 سلحفاة بحرية بعناية فائقة داخل صناديق مخصصة إلى خط الماء.
كان المشهد مؤثراً ومفعماً بالدلالات البيئية؛ بمجرد أن شعرت السلاحف ببرودة مياه البحر وتلاطم الأمواج، تدفقت الحياة في زعانفها بقوة.
بدأت السلاحف في الزحف السريع فوق الرمال نحو الأعماق، تاركة وراءها آثار زعانفها على الشاطئ كشواهد على ممر آمن صنعته لها الإرادة البيئية المصرية.
وتحت نظرات الفخر والدموع اللامعة في عيون الباحثين الذين سهروا على علاجها، غاصت السلاحف واحدة تلو الأخرى في زرقة المياه المفتوحة، لتختفي تحت الأمواج تباعاً، وتبدأ رحلتها الكونية الجديدة كمهندسات وحارسات للنظام البيئي البحري.
جدير بالذكر إن نجاح مركز إنقاذ السلاحف بمحمية أشتوم الجميل في تأهيل وإطلاق هذا العدد الكبير من السلاحف بالتزامن مع اليوم العالمي، يبعث برسالة أمل قوية للعالم أجمع، إن التدهور البيئي ليس قدراً محتوماً، وأن تضافر العلم مع الوعي المجتمعي والإرادة السياسية قادراً على صنع المعجزات وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
ستبقى الـ 46 سلحفاة تسبح في أعماق المتوسط، حاملة الكود المصري، لتروي لكل شواطئ العالم قصة نجاح سطرتها أيدٍ مصرية آمنت بأن حماية كوكب الأرض تبدأ من حماية أصغر وأضعف كائناته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك