روسيا اليوم - الجيش الإسرائيلي: هاجمنا منصة لحزب الله أطلقت منها قذائف صاروخية نحو قواتنا في جنوب لبنان (فيديو) وكالة الأناضول - فيدان يلتقي رجال أعمال أتراك في موسكو القدس العربي - إعلام عبري: واشنطن رفضت طلب إسرائيل الاطلاع على مذكرة التفاهم مع إيران CNN بالعربية - مشجعون يلقون رواجًا واسعًا على الإنترنت لاستمتاعهم بالثقافة الأمريكية خلال كأس العالم يني شفق العربية - 4 قتلى وعدة جرحى في تصعيد إسرائيلي جنوبي لبنان الثلاثاء رويترز العربية - حقائق-تكاليف تكبدها لبنان جراء أحدث الحروب بين إسرائيل وحزب الله وكالة الأناضول - قدم.. ميلان يعين البرتغالي روبن أموريم مدربا جديدا للفريق الأول روسيا اليوم - الاستخبارات الأمريكية تقدّر: إيران باتت تمتلك سلاحا أقوى من قنبلة نووية ويمكنها استخدامه وقتما تشاء Independent عربية - إسرائيل توسع سيطرتها في غزة وتقتل 2 والأهالي الجزيرة نت - كيف يقرأ الشارع الإيراني اتفاق إنهاء الحرب مع واشنطن؟
عامة

الأيام الأخيرة

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة
2

الأربعاء، يبدو هادئا ومسالما كما عهدته. صامتا على نحو مستفز ومتواطئا بشكل غير مكشوف مع أشياء كثيرة. يبدو مثل موظف بئيس بسترة باهتة، وربطة عنق تتدلى مثل ذيل كلب. سرواله هابط من فرط التعليمات التي يتلقا...

الأربعاء، يبدو هادئا ومسالما كما عهدته.

صامتا على نحو مستفز ومتواطئا بشكل غير مكشوف مع أشياء كثيرة.

يبدو مثل موظف بئيس بسترة باهتة، وربطة عنق تتدلى مثل ذيل كلب.

سرواله هابط من فرط التعليمات التي يتلقاها في العمل والبيت.

حذاؤه نظيف وإن كان باطنه ممسوح ويشي بالشوارع الطويلة التي مرّ منها مثل قائد همام (الحذاء وليس صاحبه).

والأدراج التي صعدها لاهثا وهبطها متنهدا، يُخفي الحزن الوجودي.

الأربعاء مواطن محايد؛ ليس مع ولا ضدّ.

سلبي ويبحث عن الطرق السهلة عكس كثيرين ممن اختاروا الطرق الوعرة، من دون أن يبلغوا أو يطلّوا ملوّحين من بعيد.

عكس الأيام الأخرى.

أذكر ديوانا جميلا للشّاعر المغربي سعد سرحان بعنوان «شكرا لأربعاء قديم» صدر أواخر التسعينيات، إن لم تخني الذاكرة.

وسرحان شاعر عميق، يشتغل أستاذا للرياضيات ويعيش في مراكش في عزلة تامة متفرغا للشعر والكتابة.

أغبطه!منتصف النهار.

وهذا هو التوقيت الذي لم أفهمه بعد، خصوصا ما بين الثانية عشرة والثانية بعد الزوال.

إنه الزمن الذي أشعر فيه بالخوف وأشّك في كلّ شيء.

وبأن عاصفة رعدية ستهبّ من أعالي الجبال وتطوي في طريقها البيوت والأشجار والبشر والحيوانات، أو زلزالا عنيفا يقلب البيوت على رأسها ويصير كلّ شيء في خبر كان وأخواتها أو هبوط شعب حقيقي من السماء حاملا العصي والسيوف والمجانيق ويعصف بكلّ من يقف في طريقه.

إنه التوقيت المناسب كي يشبّ حريق في غابة، أو حادثة سير في ملتقى الطرق.

انقلاب عسكري في دولة أو اندلاع ثورة شعبيّة في أخرى مثلا، أو على الأقل انفجار قنينة غاز، أو طنجرة في أحد البيوت.

أجلس على حافة السرير وأقرأ ديوانا لشاعر مغربي يشتغل في الإعلام التلفزيوني.

توقفتُ عند قصيدة بعنوان «ضاية الرّومي»، وقد سبق لي أن سمعت الشّاعر يقرأها في مناسبة ثقافية.

وضاية الرومي هي بحيرة توجد قريبا من مدينة الخميسات، على شكل قصعة كسكس تحيط بها أشجار الزيتون والكالبتوس، ويوجد قربها فندق كبير.

وهي المتنفس الطبيعي الوحيد للساكنة، وجزء مهم من طفولة أبناء المدينة والضواحي.

يظهر الشّاعر في القصيدة جالسا قرب النافذة في غرفة الفندق ينظر إلى البركة وطيورها ومراكب الصيد، والهضبة التي تمتد أمامه مكللة بالأشجار والماء، وخيول نشيطة تصهل طوال الوقت، وأشجار كثيرة وظلال وارفة.

لكن لا شيء من كلّ هذا موجود في الواقع؛ لا طيور ولا أسماك في البركة إلا إذا كان المقصود هو نقيق الضفادع.

ولا خيول في الهضبة باستثناء حمير لنساءٍ يبعن الحليب واللبن والبقول جوار الفندق.

ولا وجود أبدا لمراكب الصيد باستثناء أخشاب صغيرة يستعملها بعض سكان المنطقة للعبور من ضفة لأخرى.

القصيدة كلّها كذبُ في كذبٍ، فضلا عن أنها غير عميقة.

فكّرتُ أن هناك علاقة وطيدة بين الكذب والشّعر؛ بين الكذب والخيال على وجه التحديد.

أعرف قبيلة في ضواحي الخميسات أهلها يكذبون كأنما يمضغون العلك.

مع ذلك تلتقي بأحدهم ويقسم لك بآيات الرحمن وستّين حزبا، على الرغم من أن سرواله تفوح منه رائحة البول والجنابة، ويجرّك لتصلي على النبي محمد أكثر من مرّة لدرجة تشكّ في نفسك فتصدقه في النهاية.

أليست هذه هي المخاتلة الشفوية والأدب الحقيقي؟ مع ذلك لم أسمع أن هذه القبيلة أنجبت شاعرا أو فنّانا.

اهتم سكّانها بالفروسية والاتجار في الدوّاب وعاشوا حياتهم في سلام.

وهذه مفارقة أخرى.

الثامنة مساء.

أجلس على حافة النافذة هذه المرّة.

أفكر لماذا لم أخرج من بطن أمّي فأجد نفسي في إحدى الدوّل الاسكندنافية أو في قرية هادئة جوار أحد أنهار أوروبا.

غير أنني سرعان ما أستعيد نفسي فأشكر الله لأنّني لم أولد في إحدى دوّل جنوب الصحراء حيث الحرارة مفرطة وقلة الماء وأسراب الجراد.

ومشاهد نساء يحملن الأغراض في أطباقٍ فوق رؤوسهن.

ورجال على العتبات يهشّون على الذباب برزم الدوم.

وصورّ سوء التغذية وطوابير المهاجرين إلى الشمّال.

أفكر في أنّي محظوظ بنسبةٍ ما.

وقد جئتُ إلى العالم في أبريل/نيسان من سنةٍ بعيدة.

كان المغرب مفزوعا بالانقلابات العسكرية، وكان الملك الحسن الثاني وحشود المسيرة الخضراء.

كان أيضا الربيع أخضر وبالكاد تُرى الأبقار وسط الأعشاب؛ تحكي لي أمّي التي ارتبطتُ بها وجدانيا أكثر من أبي، الذي كان جادا مع الحياة ونادرا ما رأيته يبتسم.

ربما لهذا السبب ذهب إلى الله سريعا قبل أكثر من عشرين عاما وتخلفت عنه أمّي لتواظب على مشاهدة مسلسلات القناة الثانية وتتواصل مع الأولاد والأحفاد عبر واتساب.

انتقلت صغيرا للعيش في المدينة في حيٍّ شعبي مكتظ بالصراخ وروائح المجاري، فيما كانت الحرب التي تدور رحاها أسفل الخريطة حديثَ موائد الطعام.

من جهتهم، كان المدرسون قساة لدرجة يُخيّل لي أن وزير الداخلية إدريس البصري كان يتصل بهم بالهاتف كلّ مساء كي يرفعوا إيقاع القسوة.

نجوت بأعضائي وبشهادة البكالوريا في اليد فالتحقت بالتدريس جنوب المغرب، لأرى الصحراء بامتدادها المهيب وقوافلَ الجمال لأوّل مرّة.

وعشت وسط الرّحل وتنقلتُ معهم في رحلة الشتاء والصيف، وتنقلت معنا السبورة محمولة فوق ظهر الدابة.

كان كلّ شيء يبدو سرياليّا أنا الذي ولدت قرب النهر وأشجار البرتقال، وأحلم أبعد من سَنَم الجمل وشؤون البيداغوجيا.

هالني الفراغ القاتل فوجدت عزائي في القراءة وحضور حفلات رقصة أحواش.

نشرتُ أوّلَ قصيدة في المرحلة الثانوية، وقد عرفت في ما بعد أنها مرّت بيد الشاعر أحمد بركات، الذي كان مشرفا على الصفحة الثقافية، يشرّفني ذلك لأنه شاعرٌ حقيقي كتبَ قصائده بلغة متوحشة، ورحل باكرا من دون أن ينتظر كي نلتقي.

كانت مسألة النشر في الجرائد صعبة في تلك التسعينيات البعيدة التي كان رؤساء تحرير القسم الثقافي ينشرون فقط لأصدقائهم وأساتذة الجامعة.

وعندما لا يكتب هؤلاء ينشرون لنا نحن الجيش الاحتياطي المرابط في مدن الهامش والمقابر.

غير أني سرعان ما توقفت عن الكتابة وتفرغت للحياة بمنعطفات صعبة أحيانا، بل مرّ الزمن سريعا من دون أن أتذكر التفاصيل والوجوه.

بتشجيع من فيسبوك، عدت إلى الكتابة بعد ثورات الربيع العربي، ثم طبعت ديواني الأول «قبل القيامة بقليل» بتشجيع وتمويل سيدة تعمل طبيبة جرّاحة في بلاد بعيدة، والتي أجدّد لها الشكر من خلال هذه السطور.

بعد ذلك، صدر لي الديوان الثاني «بخفة رصاصة» وشاركت به في جائزة المغرب للكتاب من دون أن ينال حتى شتيمة صغيرة، أو بصقة على الوجه عقابا على ثقتي الزائدة والتطاول على أكبر جائزة في المغرب، من حيث غياب المصداقية وأرشيف الانتقادات التي راكمتها.

تبرّم الناس خلال فترة كورونا وتوتّرت الحياة والأعصاب، وما عاد بوسع أحدٍ أن يخرج إلا لفترة محدودة من أجل شراء الحاجيات.

كان الوباء نقمة على كثيرين، ونعمة حقيقية على كاتب هذه السطور عندما وجدتُ نفسي محاصرا في البيت أكتب الشعر بمخيلة نشيطة، وقد جمعت هذه القصائد في ديوان «حياة خلف النافذة» الذي فاز بجائزة أمينة المريني للشعر العربي.

الملاحظ أن العنوان جاء مضللا للقارئ، إذ لم أكتب عن كورونا إلا في إشارات صغيرة جدا ومن وراء حجاب، من دون أن أنفي أنه يشير إلى زمن الكتابة.

وبسبب كورونا دائما (أو بفضلها؟ ) أصدرتُ كتابا بعنوان «القسوة تبدأ بسقوط تفاحة» في صيغة إلكترونية ويتضمن نصوصا سردية قريبة جدا من روح الشعر، ومن دون أن تفقد نسق السرد، بل إنّ نصوصا بعينها في الكتاب هي قصائد نثر صرفة ما عدا أني تركتها على عفويتها.

الكثير من الأشجار فقدت سحرها بسبب المقصّات والمناشير الكهربائية.

والكثير من الأيام مرّت هادئة وصامتة من دون أن ننتبه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك