نواكشوط –«القدس العربي»: في السياسة، لا يكون الامتحان الحقيقي للقادة عند إطلاق المبادرات، بل عند إدارة التناقضات التي تفرزها تلك المبادرات؛ وفي موريتانيا، يبدو أن الحوار السياسي الذي دعا إليه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني دخل مبكراً منطقة التوتر بعدما تحول الجدل من نقاش حول مخرجات الحوار وأهدافه إلى خلاف محتدم بين الموالاة والمعارضة بشأن قواعده وشروطه وآليات التحضير له.
والمفارقة أن الرئيس الذي يقف وراء الدعوة إلى هذا الحوار ويُنظر إليه باعتباره الضامن الأول لنجاحه، اختار حتى الآن البقاء على مسافة من التجاذبات الدائرة حوله، رافضاً تولي دور الحكم بين أطراف تتبادل الاتهامات بشأن مسؤولية التعثر.
ويطرح هذا الموقف تساؤلات تتجاوز الجانب الإجرائي للحوار إلى رهانات السلطة نفسها: هل يسعى الغزواني إلى ترسيخ صورة رئيس يترك الفاعلين السياسيين يديرون خلافاتهم بأنفسهم بعيداً عن الوصاية الرئاسية؟ أم أنه يراهن على أن التوافق الحقيقي لا يمكن أن يُفرض من أعلى؟ أم أن الأمر يعكس حسابات سياسية أكثر تعقيداً تتصل بموازين القوى داخل الأغلبية والمعارضة معاً وبمستقبل المشهد السياسي خلال السنوات المقبلة؟في خضم هذه الأسئلة، تتجه الأنظار إلى الأسباب الكامنة وراء تمسك الرئيس بموقع المراقب أكثر من موقع الحكم، وإلى ما إذا كان هذا الخيار سيقود في النهاية إلى حوار أكثر استقلالية ومصداقية، أم أنه قد يطيل أمد الخلافات ويهدد فرصة التوصل إلى توافق سياسي طال انتظاره.
ومن هذا المنظور، تبدو الدعوة التي أطلقها الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني للحوار السياسي حدثاً يتجاوز مجرد التشاور بين السلطة والمعارضة؛ فهي تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بحسابات المرحلة المقبلة، وحدود الإصلاح الممكن، ومستقبل النظام السياسي بعد سنوات من حكم تمتعت خلالها السلطة بأغلبية مريحة وهيمنة شبه كاملة على مؤسسات الدولة.
فهل يعكس هذا الحوار ثقة نظام سياسي يسعى إلى ترسيخ التوافق الوطني وتعزيز الاستقرار، أم أنه محاولة استباقية لاحتواء تحديات داخلية متنامية وإعادة ترتيب المشهد قبل استحقاقات أكثر حساسية؟ بين هذين التفسيرين تتحرك النقاشات الدائرة اليوم في موريتانيا حول مبادرة يراها مؤيدوها خطوة نحو الانفتاح السياسي، بينما يتعامل معها منتقدوها بوصفها اختباراً جديداً لمدى استعداد السلطة للانتقال من خطاب التوافق إلى ممارسته.
وفي الوقت الذي يتمسك فيه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بموقف الحياد إزاء الخلاف المتصاعد بين الأغلبية والمعارضة حول أجندة الحوار الوطني، تتباين قراءات المعسكرين لهذا الموقف بصورة حادة، بما يعكس عمق الهوة السياسية التي باتت تهدد مسار الحوار قبل انطلاقه.
قراءة في رهانات السلطة ومستقبل التوافق السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك