خلف المنصات المزدحمة والهتافات الصاخبة والخطب التى كانت تتدفق على أنصار جماعة الإخوان الإرهابية، كانت هناك غرف مغلقة تعمل كـ" مطبخ سياسى وفكرى" لإنتاج خطاب لا يعرف سوى التحريض، ولا يتقن سوى صناعة الكراهية، ولا يهدف إلا إلى إبقاء التنظيم فى حالة صدام دائم مع الدولة والمجتمع.
فمن داخل هذه الدوائر الضيقة جرى إعداد الرسائل التى غذت مشاعر الغضب، ورسخت منطق الاستعلاء التنظيمى، ومهدت الطريق أمام خطاب أضفى على الخصومة السياسية طابعًا عقائديًا خطيرًا.
وعلى مدار سنوات، لم تتعامل الجماعة الإرهابية مع المنابر باعتبارها وسيلة للتوعية أو الحوار، بل حولتها إلى أدوات تعبئة وتحريض، تستخدم لشحن الأتباع نفسيًا وإقناعهم بأن التنظيم يخوض معركة مصيرية ضد الجميع، وأن أى تراجع أو مراجعة يمثل خيانة للمشروع الذى تتبناه الجماعة.
غرف مغلقة لإنتاج خطاب المواجهةاعتمدت جماعة الإخوان الإرهابية على منظومة معقدة لصياغة الرسائل السياسية والإعلامية والدعوية قبل خروجها إلى العلن، فالكلمات التى كانت تتردد فى الخطب والبيانات لم تكن وليدة اللحظة، وإنما جاءت بعد إعداد وصياغة تستهدف تحقيق أهداف محددة، أبرزها رفع مستوى التعبئة داخل الصف الإخوانى والحفاظ على حالة الاستنفار المستمرة.
وكانت تلك الرسائل تُبنى على فكرة أساسية مفادها أن الجماعة تواجه مؤامرة كبرى تستهدف وجودها، بما يضمن بقاء الأعضاء فى حالة التزام كامل بخط القيادة، ويمنع ظهور أى أصوات تدعو إلى التهدئة أو المراجعة.
التكفير السياسى بديلاً عن المنافسةأخطر ما أنتجته تلك الغرف لم يكن مجرد الخطاب السياسى الحاد، وإنما تحويل الخلافات السياسية إلى معارك ذات طابع دينى وأخلاقى.
فبدلاً من التعامل مع الخصوم باعتبارهم أطرافًا فى معادلة سياسية، جرى تصويرهم باعتبارهم أعداء للمشروع الإسلامى أو خصومًا للدين ذاته، وهو ما أسهم فى خلق مناخ شديد الاستقطاب داخل المجتمع.
هذا النهج فتح الباب أمام ما يمكن وصفه بـ" التكفير السياسى"، حيث تم تصنيف المخالفين وفق معايير الولاء للتنظيم، لا وفق قواعد العمل السياسى الطبيعى، الأمر الذى ساهم فى تعميق الانقسام بين فئات المجتمع.
صناعة الكراهية كوسيلة للحشداعتمدت الجماعة الإرهابية على خطاب عاطفى مكثف يقوم على إثارة الغضب والمظلومية والخوف، باعتبارها أدوات فعالة فى حشد الأتباع وضمان استمرار ارتباطهم بالتنظيم.
وكلما ازدادت حدة الأزمة، ارتفع منسوب الخطاب التحريضى الذى يصور الصراع وكأنه معركة فاصلة لا تقبل الحلول الوسط.
وتحولت المنابر فى كثير من الأحيان إلى ساحات لتصدير مشاعر العداء والكراهية تجاه مؤسسات الدولة والخصوم السياسيين، بما جعل الخطاب الإخوانى أحد أبرز عوامل تأجيج التوتر خلال مراحل الصدام المختلفة.
تهيئة الأرضية الفكرية للعنفورغم محاولات الجماعة الدائمة الفصل بين خطابها السياسى وأعمال العنف التى ارتبطت ببعض العناصر المحسوبة عليها أو المتأثرة بأفكارها، فإن الخطاب التحريضى لعب دورًا مهمًا فى تهيئة البيئة النفسية والفكرية التى تسمح بتبرير العنف أو التسامح معه.
فعندما يُصور الخصم باعتباره عدوًا مطلقًا، وعندما تُقدم المواجهة على أنها معركة وجود، يصبح الانتقال من التحريض اللفظى إلى التبرير الفكرى للعنف خطوة أقرب إلى التحقق، وهو ما ظهر فى العديد من المواقف التى شهدت تصعيدًا متزامنًا بين الخطاب المتشدد والتحركات الميدانية العنيفة.
لم يكن الهدف من تلك الخطب والبيانات مخاطبة الرأى العام بقدر ما كان توجيه الرسائل إلى قواعد الجماعة نفسها.
فالتنظيم كان يدرك أن السيطرة على العقول تبدأ بالسيطرة على الرواية، ولذلك حرص على تقديم تفسير واحد للأحداث، ورؤية واحدة للصراع، وموقف واحد لا يقبل النقاش.
وبهذه الطريقة تحولت المنابر إلى امتداد مباشر لغرف الإدارة التنظيمية، وأصبحت الخطب جزءًا من منظومة السيطرة والتوجيه التى استخدمتها الجماعة للحفاظ على تماسكها الداخلى فى أوقات الأزمات.
إرث ثقيل من التحريض والفوضىترك هذا الخطاب آثارًا عميقة تجاوزت حدود التنظيم نفسه، إذ ساهم فى نشر أجواء من الاستقطاب الحاد والكراهية السياسية، وأدخل قطاعات من الشباب فى دوائر من التشدد الفكرى التى استغلتها لاحقًا جماعات أكثر تطرفًا وعنفًا.
وتكشف تجربة الإخوان الإرهابية أن أخطر الأسلحة لم تكن دائمًا تلك التى تُحمل فى الأيدى، وإنما تلك التى تُزرع فى العقول عبر خطابات التحريض والتكفير وصناعة العداء.
فمن داخل" مطبخ الوعيد" خرجت كلمات أشعلت الفوضى، ورسائل غذّت الانقسام، وخطابات مهدت لصدام طويل دفعت الدولة والمجتمع ثمنه لسنوات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك