لم يكن القعقاع عنتر العبسي يبحث عن الموت.
هذه أسهل طريقة لقراءة قصّته، وأفقرها.
فالإنسان لا يعود إلى المكان نفسه عشرات المرّات كي ينتهي، بل لأنّه يجد هناك شيئًا لا يجده في مكان آخر.
كان يعرف فوهة" حرضة دمت" في اليمن كما يعرف بعض الناس طريقهم إلى البيت.
يعرف الصخور السوداء والانحدارات الحادة والماء الحار في القاع والمسافة الدقيقة بين خطوة آمنة وأخرى ليست كذلك.
ومع ذلك ظلّ يعود.
في البداية لا بُدّ من أنّ الأمر كان مغامرة.
شاب يهبط إلى مكان يخشاه الآخرون.
يختبر جسده أمام طبيعة لا تكترث بشجاعته ثم يعود سالمًا.
لكن المغامرات تتغيّر حين تتكرّر، وما يبدأ فضولًا يتحوّل إلى عادة، وما يبدأ تحديًا يصبح جزءًا من الهُويّة.
ومع الوقت لم يعد القعقاع مجرّد رجل ينزل إلى الفوهة، صار الرجل الذي يفعل ذلك.
كان الناس يتابعونه بإعجاب وقلق في آن واحد.
بعضهم يصوّره، بعضهم يحذّره، وبعضهم يهزّ رأسه مُستغربًا.
لكن الذين يعيشون قريبًا من الحافة يتعلّمون مع الوقت ألّا يصغوا كثيرًا إلى أصوات الآخرين.
يصبح لديهم صوت آخر أكثر خفوتًا وأكثر إلحاحًا، صوت يقول إنّ المرّة السابقة لم تكن كافية، وإنّ الشعور الذي منحته النجاة لا يمكن استعادته إلا بمحاولة جديدة.
هذه هي طبيعة الحواف، لا تطلب منك أن تزورها مرّة واحدة، بل أن تعود.
وفي كلّ مرة، يصبح الخطر أقلّ غرابة، يعتاد الإنسان وجوده كما يعتاد أيّ شيء آخر.
يتعلّم تضاريسه ويحفظ تفاصيله ويبدأ تدريجيًا في الاعتقاد أنّه يعرفه.
وربّما هنا تكمن الخدعة الكبرى.
فالأماكن الخطرة لا تصبح أقلّ خطرًا لأننا اعتدناها، لكنها تمنحنا وهمًا بذلك.
الأماكن الخطرة لا تصبح أقلّ خطرًا لأننا اعتدناها، لكنها تمنحنا وهمًا بذلكلا أعرف القعقاع شخصيًا، ولم أره يومًا وهو يتسلّق جدران الفوهة أو أسمع حتى عن مغامراته أو أقرأ عنها، لكن شيئًا في قصّته ظلّ يلاحقني منذ قرأت الخبر.
ليس السقوط نفسه، بل ما سبقه.
قصّة رجل ظلّ يعود إلى المكان الذي تعلّق به حتى أصبح جزءًا من حكايته الشخصية.
كأنّ هناك شيئًا ما كان ينتظره هناك في كلّ مرّة.
كأنّ هناك سؤالًا لم يكتمل جوابه، أو شعورًا لم يكتمل امتلاؤه.
وربّما لهذا لم أفكّر فيه بوصفه مُختلفًا عنا تمامًا.
صحيح أنّ معظم الناس لا ينزلون إلى فوهات بركانية، لكن لكلّ واحد منا مكانًا يعود إليه أكثر ممّا يفعل الآخرون.
شيء يجذبه، أو يختبره، أو يَعِده بشعور لا يجده بسهولة في مكان آخر.
هناك من يطارد نجاحًا لا يكتمل، ومن يُلاحق اعترافًا لا يكفي، ومن يعود إلى التجربة نفسها رغم معرفته بثمنها.
تختلف الحواف لكن شيئًا واحدًا يجمعها: ذلك الإحساس الغامض بأنّ ما نملكه الآن لا يكفي تمامًا.
كان القعقاع واضحًا أكثر من غيره، جعل حافته مرئية للجميع، صارت الفوهة جزءًا من اسمه، وصار اسمه جزءًا من الفوهة.
ومع مرور الوقت، يصعب على الإنسان أحيانًا أن يفصل نفسه عن الشيء الذي منحه شعورًا بالتميّز أو المعنى أو الحياة.
تختلف الحواف لكن شيئًا واحدًا يجمعها: ذلك الإحساس الغامض بأنّ ما نملكه الآن لا يكفي تمامًاالمؤلم أنّ الذين يعيشون قرب الحافة لا يسقطون دائمًا بسبب الجهل بالخطر.
أحيانًا يسقطون لأنهم عرفوه أكثر ممّا ينبغي، لأنّ التكرار يمنحهم شعورًا بالألفة.
يظنون أنّهم فهموا المكان، وأنّهم صاروا يعرفون حدوده كما يعرفون حدود أجسادهم.
لكن الحافة لا تعترف بالألفة.
يمكن أن تتركك تعبرها مرّة وعشر مرّات ومئة، ثم تستعيد معناها فجأة.
لا ذاكرة لها، ولا وفاء، ولا تاريخ مشتركًا مع أحد.
بعد وفاته، تحدّث الناس كثيرًا عن الخطر، وعن التهوّر، وعن ضرورة الحذر، وكلّ ذلك صحيح.
ومن الصعب في لحظة يختلط فيها الحزن بالصدمة ألا تذهب الأحاديث إلى هناك.
أمّا أنا فظللت أفكّر في شيء آخر.
لم أفكّر في لحظة السقوط وحدها، فكّرت أيضًا في المرّات التي عاد فيها.
فالسقوط حدث مرّة واحدة، أمّا العودة فقد حدثت عشرات المرّات.
وربّما كانت تلك هي القصّة الحقيقية.
ليس عن القعقاع وحده، بل عن ذلك الشيء الذي يدفع بعض البشر إلى الاقتراب أكثر ممّا ينبغي من الحافة التي اختاروها لأنفسهم.
ذلك الشيء الذي يجعلهم يعودون مرّة بعد أخرى، رغم معرفتهم بالخطر، ورغم قدرتهم على الابتعاد.
يصعب على الإنسان أحيانًا أن يفصل نفسه عن الشيء الذي منحه شعورًا بالتميّز أو المعنى أو الحياةلا أعرف ما الذي كان يبحث عنه القعقاع في قاع الفوهة.
وربّما لم يكن يملك هو نفسه جوابًا كاملًا عن ذلك.
لكنّني أظنّ أنّ قصّته أكبر من حادثة سقوط وأعمق من درس مباشر عن السلامة.
حين قرأت خبر رحيله وشاهدت بعض المقاطع التي وثّقت مغامراته وجدت نفسي أفكّر أقلّ في النهاية وأكثر في الرحلة التي سبقتها.
في تلك العلاقة الغامضة التي نشأت بين رجل ومكان ظلّ يعود إليه سنوات طويلة رغم ما ينطوي عليه من خطر.
ربّما لأنّ بعض الأماكن تمنح أصحابها شيئًا لا يعرفون كيف يجدونه في مكان آخر؛ شعورًا بالحياة، أو بالحرية أو بتجاوز حدودهم للحظات قصيرة.
ولهذا كلّما فكرت في قصّته لا أرى فقط رجلًا سقط في فوهة بركانية، بل أرى رجلًا ظلّ يعود إلى مكان منحه شيئًا لم يجده في مكان آخر، وترك برحيله حزنًا حقيقيًا في قلوب كثيرين تابعوا مغامراته أو عرفوا اسمه.
ثم أجد نفسي أمام السؤال الذي يبقى بعد انحسار الضجيج كلّه: ما الحافة التي نواصل الاقتراب منها، نحن أيضًا، مرّة بعد مرّة، ونحن نقنع أنفسنا أنّنا نعرف الطريق؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك