في مواجهة الحرب وما خلّفته من نزوح ودمار، برزت المبادرات الثقافية في لبنان بوصفها مساحات للتضامن والدعم المجتمعي.
ومن خلال أنشطة فنية وثقافية متنوعة، يسعى مركز بيروت للفن إلى مساندة الفنانين والنازحين، والحفاظ على الذاكرة الثقافية والإرث الجنوبي في ظل الظروف الاستثنائية.
فتح مركز بيروت للفن أبوابه لمبادرات إنسانية ولدعم النازحين منذ بداية الحرب على لبنان، بعد أن توقفت أنشطته الثقافية.
واستُخدم المركز في الفترة الأولى من الحرب لجمع المستلزمات الأساسية كافة للنازحين.
في هذا السياق، يقول مدير مركز بيروت للفن، بولس سعد، لـ" العربي الجديد": " دَعينا إلى مبادرات عدة كوننا مركزاً ثقافياً من واجبه مواكبة الوضع الإنساني، ومساحة جامعة للناس في الظروف الإنسانية الصعبة.
أقمنا مبادرات عدة في المساحة ذاتها، ومنها تلك التي حرصنا فيها على تأمين الاحتياجات للنازحين خلال شهر ونصف الشهر".
يتابع: " لكن بعد هذه المرحلة، كان لا بد من تغيير الأولويات في الظروف الطارئة هذه، وارتأينا أنه للاستمرار بدعم بعضنا بعضاً، لا بد من إقامة أنشطة ثقافية تساهم في تأمين التمويل اللازم للمركز حرصاً على استمراريته، ولأداء دوره المسؤول تجاه الفنانين والمثقفين، خصوصاً فناني الجنوب، ودعمهم دعماً مناسباً.
فيمكن أن يجدوا في هذا المكان مساحة تجمعهم، ويشعروا فيها بالانتماء، ويتمكنوا من التعبير بحرية فيها، في ظروف الحرب المدمرة نفسياً ومادياً".
ضمن برنامج" باك التضامني"، حرص المركز على استضافة المساحة الثقافية والاجتماعية" سطيحة" من بلدة كفررمان الجنوبية، على أثر تضرر أعمالها في ظروف الحرب.
وكانت العائلة المؤسسة لها قد أُرغمت على النزوح وفقدت القدرة على الاستمرار وتأمين مواردها.
في هذه المبادرة الثقافية، تدير" سطيحة" طوال شهر على سطح مركز بيروت للفن مقهى للأعشاب مستوحى من نباتات من الجنوب، وتقام في الوقت نفسه أنشطة ثقافية متنوعة مع فنانين من الجنوب اضطروا إلى النزوح، أو أنهم فقدوا مساحات عملهم ومصادر رزقهم بسبب الحرب؛ فتشكلت مبادرة لدعمهم حرصاً على كرامتهم.
أما عائدات هذا النشاط المتميز بتنوع برامجه، فتعود إلى دعم" سطيحة" ومحيطها الفني.
بحسب سعد، تضم هذه المساحة فنانين من مختلف المجالات بهدف خلق مساحة للحوار.
بدوره، أوضح مدير الفعاليات في" سطيحة"، جبران أبو زيد، أن المبادرة تمثّل مساحة انطلقت بها العائلة أولاً في عام 2003 إنما بحلة مختلفة في الجنوب.
لكن في عام 2020، بدأت مع مجموعة من المزارعين بهدف الحفاظ على الإرث الزراعي في مواجهة ما خسره الناس نتيجة ممارسات الاحتلال: " أردنا استعادة ما خسرناه من عاداتنا ومزروعاتنا لنحولها إلى نمط حياة يعتمد على الإرث، ويتجمع في هذه المساحة الناس عفوياً في مناسبات عدة.
وجدنا في ذلك مساحة للتضامن في الجنوب تطورت مع الوقت ونمت أكثر ورغم أننا قررنا أن نصمد في الجنوب أياً كانت الظروف".
يضيف: " خسرنا كثيراً في الحرب، ونزحنا مرات عدة من منطقة إلى أخرى حتى وصلنا إلى بيروت.
أقمنا أنشطة ولقاءات عديدة، منها ورش للأطفال المتأثرين بالحرب، لكن يبقى هدفنا التشجيع على الفن والحفاظ على الإرث الزراعي في مساحة تدعو للصمود.
وتلك المبادرة التي أقامها مركز بيروت للفن كانت داعمة وجامعة للكل وتؤكد على روح التضامن في مجال الثقافة، ما يؤكد أن الثقافة لا يمكن أن تكون موجودة من دون روح التضامن.
فأهدافنا واحدة، ونجد بعضنا من خلالها لأننا كلنا متعلقين بالأرض، ويأتي العمل الثقافي ليوحدنا أكثر بعد ونتشارك فيه الأفكار والآراء ونعبر عن الأحاسيس.
وقد التقينا جميعاً على مبدأ دعم الفنانين".
قد يلوم الفنان نفسه في الفترة الأولى من الحرب، كونه اعتاد على التعامل مع الناس في أوقات الفرح للترفيه.
وعندما تفرض عليه الحرب ظروف النزوح، من الطبيعي أن يتساءل أولاً عن دوره في هذه المرحلة، انطلاقاً من مسؤوليته في توفير الدعم المجتمعي، فيما يعيش بنفسه معاناة قد تمنعه من أداء دوره المعتاد.
إلا أنه سرعان ما يستجمع قواه، خصوصاً بوجود لقاءات وأنشطة ثقافية داعمة، كتلك المبادرات الفردية.
يشير أبو زيد إلى أن كل ما يباع في المبادرة يهدف إلى دعم الفنانين لتأمين لقمة عيشهم.
وقد أقيمت أمسيات متنوعة مع موسيقيين ومصورين قدموا أعمالاً فوتوغرافية من الجنوب.
توضح الراوية والفنانة المتخصصة في التراث الثقافي الحي، أمنية مكي، والتي عملت في مركز بيروت للفن، أنها منذ بداية الحرب شعرت بمسؤولية شخصية في توثيق كل ما يتعلق بالتاريخ القديم والإرث الثقافي.
كانت مكي قد نزحت من بلدتها حبوش في قضاء النبطية في الجنوب قبل الحرب بسبب الاستهدافات الإسرائيلية المستمرة في فترة وقف إطلاق النار.
وعندما نزحت إلى الضاحية، وجدت أنها عليها أن تمضي في رحلة أخرى، فانتقلت إلى منطقة حمانا في الجبل، التي وجدت فيها بيئة حاضنة تكثر فيها المبادرات الثقافية الفردية، وتتشابه إلى حد كبير مع بيئة جبل عامل.
تشير في حديثها إلى أن لبنان يقسم إلى قسمين لا يتشابهان شكلاً، هما شماله وجنوبه، لكنهما في الوقت نفسه يلتقيان ثقافياً لأن النزوح أدى إلى هذا التلاقي بينهما.
تشير مكي إلى أن طبق الكبة النية الشهير في الجنوب، ظهر في الواقع أولاً في الشمال قديماً في عام 1283، في حصار المماليك للمنطقة.
وكان أهالي المنطقة يلجؤون إلى المغاور والوديان هرباً من الحملة المملوكية، ولم يتمكنوا آنذاك من إشعال النيران لطبخ اللحم خوفاً من أن يكشف الدخان موقعهم، فكانوا يخلطون اللحم النيء الطازج بالبرغل والبهارات ويتناولونه.
يجمع النزوح شمال لبنان وجنوبه في مساحة ثقافية وإبداعية واحدةإلا أن ظروف النزوح والانفتاح الثقافي، نقلت هذا الطبق إلى جنوب لبنان حيث أضيفت إليه العطريات والتوابل المختلفة التي يحبذها الجنوبيون ويعتمدونها بكثرة.
يُعرف هذا الطبق باسم الفراكة.
تفاصيل كثيرة تنقلها مكي حول الغنى الثقافي الذي يميز الجنوب، مؤكدة أن هذه آثاره يجب ألا تزول أبداً، ولا بد من الحفاظ عليها لتبقى في الذاكرة من جيل إلى جيل، منها ما يتعلق بالمرفأ الأقدم في الصرفند.
وهذا ما تحرص على نقله من خلال دورها خبيرةً في الإرث الثقافي، خصوصاً في اللقاءات الثقافية التي أقيمت في مركز بيروت للفن: " نحن نشارك في كل وهم وكل حقيقة تنقل، وهي مسؤولية كبرى تقع على عاتقنا لأن الحرب غير عادلة.
وبغياب التوثيق الدقيق، تكون الخسائر مأساوية على المستوى الثقافي وعلى مستوى الذاكرة الوطنية.
علماً أن آثار كثيرة طمست مع كل ثقافة جديدة حلّت، ولم يكن من الممكن للأجيال الجديدة التعرّف إليها".
تشير مكي بأسى إلى قلعة دبين الجنوبية التاريخية البارزة التي قصفتها إسرائيل ودمرتها.
إضافة إلى ذلك، تجد مكي في الترابط المجتمعي والثقافي مصدر القوة الأساسي في البلاد؛ إذ إن الدعم المتبادل يعزز الصمود لدى اللبنانيين.
في هذا السياق، تشير إلى رقصة الدبكة التي تعكس ذاك التكاتف المجتمعي في لبنان.
رغم كل المعاناة التي يعيشها الفنان في الحرب، تبدو الحروب وقوداً له بالفعل، فتحرك لديه كل الشجن وتساهم في تعزيز مستويات الإبداع لديه.
الموسيقي علي قنبر فنان ارتبط اسمه بالساحة الفنية والثقافية في الجنوب، واشتهر بعزفه على آلة الكلارينيت.
لا ينكر أنه تأثر بالحرب كما المواطنين كافة، خصوصاً الجنوبيين.
فكان رافضاً لفكرة ترك أرض الجنوب في أي وقت من الأوقات، لكن أتت الحرب وفرضت عليه وعلى عائلته النزوح من مكان إلى آخر.
وإذا كان يتوقع أن يعود إلى الجنوب كما في الحرب السابقة، مع الإعلان عن وقف إطلاق النار، تبين له أن الهدنة مجرد وهم وأن العودة هذه المرة أصعب وأعقد، خصوصاً في ظل الدمار الهائل في الجنوب.
فعندما حاول زيارة بلدته كفررمان، رأى مشهداً قاسياً بكل ما للكلمة من معنى وتزيده قسوة الاستهدافات الإسرائيلية اليومية للبلدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك