في الوقت الذي تعاد فيه صياغة خرائط القوة، وترتفع كلفة الفوضى عالمياً.
لم يعد السؤال متعلقاً بمن يملك خطاباً أكثر إقناعاً فحسب، بل بمن يمتلك أيضاً القدرة الفعلية على التأثير في مسارات الاستقرار.
ضمن هذا السياق، نقرأ مشاركة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في قمة مجموعة السبع المنعقدة في إيفيان الفرنسية.
دلالات سياسية حقيقية تكتسبها هذه المشاركة، تعبّر في مجملها عن حضورٍ إماراتي ترسّخ عبر الزمن، ومكانةٍ دولية متقدمة، وقدرة الحفاظ على الاتزان في بيئة إقليمية شديدة التقلب، وثقلٍ بات جزءاً من معادلات الاستقرار والتأثير في النظام العالمي.
تزداد أهمية هذه الدلالات في لحظة يعيش فيها الشرق الأوسط تحولات عميقة، بينما تتفاعل أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية مع أي توتر أمني بسرعة غير مسبوقة، على نحو جعل الاستقرار الإقليمي جزءاً عضوياً من الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ولذلك، فإننا نرى أن من الخطأ اعتبار الهجمات التي واجهتها الإمارات باحترافية مؤخراً اختباراً لمستوى جاهزيتها الدفاعية فقط، لأنها في الحقيقة كانت اختباراً لجودة القرار السياسي.
وهنا المساحة التي تنكشف فيها الفوارق الحقيقية بين الدول.
ولعلّ هذا الفهم تدعمه كلمات صاحب السمو رئيس الدولة خلال «قمة السبع» حين ربط بين أمن المنطقة واستقرار النظام الاقتصادي العالمي، مؤكداً أن مرونة سلاسل الإمداد، وأمن التجارة، وكفاءة البنية التحتية لم تعد مسائل تقنية أو اقتصادية منفصلة، بل جزء من البنية الصلبة للأمن الدولي.
وهنا تظهر طبيعة التحول الجاري في تعريف النفوذ العالمي، لاسيما أن القوة في صورتها المعاصرة لم تعد مرتبطة فقط بالجغرافيا أو بموازين القوة التقليدية، بل باتت تتشكل أيضاً عبر امتلاك أدوات المستقبل، من الطاقة إلى التكنولوجيا المتقدمة، ومن الذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد الرقمي.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتمحور لقاءات سموّه، مع قادة الولايات المتحدة وفرنسا والهند وألمانيا وإيطاليا وكندا والاتحاد الأوروبي، حول هذه الملفات تحديداً، إذ إن هذه القضايا لم تعد تقع على هامش السياسة الدولية، بل في صميمها.
ولذلك، تتجاوز المشاركة الإماراتية في القمة معناها الدبلوماسي المباشر، لتتعلق في جوهرها بموقع بات حضوره ضرورياً لفهم المشهد الدولي نفسه، وبمكانة لم تُبنَ بخطاب مرتفع النبرة، بل برؤية طويلة النفس، وسياسة خارجية نجحت في توسيع الحضور الدولي مع الحفاظ على الاتزان، وتعزيز التأثير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك