هل خذلت إيران غزّة في اتفاقها الذي لم يُوقّع بعد مع الولايات المتحدة، وجرى الإعلان عن أنّه يشتمل على بند خاص بالقضية اللبنانية؟ حتى الآن ليس ثمّة نص مُعتمد لما ورد في الاتفاق وكلّ ما يصلنا منه ليس إلا تسريبات أو قراءات ذاتية لمنطلقاته ومآلاته، من دون أن تكون لدى المُشتبكين حوله وثيقة رسمية يتم الاحتكام إلى نصوصها الحرفية في التحليل والتفسير.
ولأنّ الأمر على هذا النحو فمن الطبيعي أن تكون الوصفة التقليدية للاستقطاب حاضرة وفعالة، إن على أسس طائفية أو قومية مُثيرة للسخرية والشفقة في آن.
الاستقطاب حاصل الآن على قاعدة أنّ إيران اهتمت بالمقاومة اللبنانية وأهملت الفلسطينية، أو أنّها صمّمت على وضع قضية الجنوب اللبناني عنصراً رئيساً في التسوية، بينما تجاهلت غزّة التي تُعاني، مثل جنوب لبنان، ويلات اعتداءات الاحتلال الصهيوني الذي يُسيطر على ثلثي مساحتها، وهو ما يمكن الردّ عليه من رافضي تهمة نسيان غزّة بأنّ مشروع الاتفاق الأميركي الإيراني تضمّن مسألة وقف القتال على جميع الجبهات المُنخرطة في الجولة الحالية من الحرب العدوانية الإسرائيلية الأميركية، ولمّا كانت جبهة غزّة غير حاضرة في القتال فإنه لم يشملها.
لكن قبل محاكمة إيران على ادّعاء أنّها أسقطت غزّة من معادلات التسوية (ومرّة أخرى ليس لدينا وثيقة اتفاق مُعتمدة من طرفي الصراع) من المهم إلقاء نظرة على ملف غزّة وما يرتبط به من أسئلة وعلامات استفهام وتعجّب، مثل: أين ملف غزّة الآن، وما هي الأطراف الفاعلة فيه، ومن الذي يُفاوض عنها، أو يتوسّط، أو يتدخّل في سير المُباحثات الخاصة بمجلس ترامب لحكم قطاع غزّة؟قبل التفصيل، ثمّة ملاحظة أخرى لا بُدّ من الإشارة إليها، أنّ العمليات العسكرية والاعتداءات الصهيونية على الجنوب اللبناني لم تتوقّف على الرغم من مرور يومين على إعلان وقت القتال على جميع الجبهات بشكل فوري.
يلفت الانتباه أنّه لحظة ظهور العنوان الأحمر الفاقع الكبير على الشاشات يقول: الحرب انتهت والاتفاق تمّ، كان هناك مشهد آخر أكثر خطورة في مدينة العلمين الواقعة على الساحل الشمالي المصري، حيث كانت فصائل المقاومة الفلسطينية في غزّة وسط حصار الوسطاء والأوصياء الدوليين، المُمثلين لمجلس السلام الأميركي، وعلى رأسه دونالد ترامب، والذي ستؤول إليه سلطة حكم غزّة، وكان الإعلان عن نصّ ما سُميت" خريطة الطريق" الخاصة بتنفيذ اتفاق غزّة بعد تعديلات الفصائل الفلسطينية عليها، وفي طيّات النصّ ما يُسيل الدموع ويُدمي القلوب على غزّة ومقاومتها، إذ تُهيمن مسألة تسليم سلاح المقاومة على جلّ البنود والفقرات، من دون ربط بين تناول هذا السم القاتل لقضية الحقّ في مقاومة الاحتلال بالسلاح وبين انسحاب الكيان الصهيوني من القطاع، وتسليمه لسلطة وطنية فلسطينية، هي في علم الغيب.
بحسب" خريطة الطريق" التي تجرّعتها الفصائل تحت إشراف الوسطاء وضغوط الأوصياء ثمّة نص يقول" توافق حركة حماس والفصائل الأخرى على ألا يكون لها أيّ دور في حكم غزّة بشكل مباشر أو غير مباشر أو بأي شكل" ثم تأتي الفقرة الخاصة بالسلاح لتُشدّد على" سيتم تنفيذ عملية حصر/ جمع السلاح بشكل تدريجي، وعلى مراحل، وعلى نحو مُرتبط بتوقيتات زمنية بما يتفق مع الجدول الزمني للتنفيذ المُتفق عليه، وستتم مراقبتها ودعمها من مكتب المُمثل الأعلى ولجنة التحقّق من التنفيذ (تضم الضامنين) وقوّة الاستقرار الدولية، ستخضع هذه العملية لقيادة فلسطينية وسيتم نقل السلاح إلى اللجنة الوطنية، ستتشارك كل الجماعات المسلّحة في عملية حصر البنية التحتية وجمع كل الأسلحة، ستخضع عملية حصر/ جمع السلاح لقيادة فلسطينية من قبل اللجنة الوطنية ويتم التحقّق منها دولياً عن طريق لجنة التحقق من التنفيذ وبدعم من قوّة الاستقرار الدولية والضامنين، لن يكون مطلوباً من أيّ جماعة مسلّحة نقل أسلحتها إلى إسرائيل".
تلك هي غزّة، وهذه مقاومتها، وهذا سلاحها في خريطة الطريق الذي فرضه دونالد ترامب وعمل الوسطاء على إقناع الفلسطينيين بالسير فيه فوق أرض محروقة وتحت سماء حارقة، من دون أن يُحاول أحد من الأشقاء أن يتخطى دور الوسيط أو المُضيف لمائدة السم الأميركي.
وفي الجهة الأخرى، ذاك هو الجنوب اللبناني، وتلك هي المقاومة فيه في العقل الإيراني، بافتراض صحة أنّ وقف العدوان والانسحاب الصهيوني مادة رئيسة في الاتفاق الإيراني الأميركي، حيث لا ضغوط إيرانية على حزب الله على تسليم السلاح، أو السكوت عن الاعتداءات أو عدم التدخل في شأن الجنوب اللبناني من قريب أو بعيد كما هو مفروض على مقاومة غزّة.
نعم، كانت هناك تمنيات بأن ترد غزّة، ولو بشكل عابر، في نصّ الاتفاق بين واشنطن وطهران، لكن قبل اللوم على إيران من المهم النظر بعقل وضمير إلى السؤال: وماذا قدّم أشقاء غزّة العرب لها سوى الخذلان منذ اليوم الأوّل لمعركتها التاريخية ضدّ الكيان الصهيوني؟لحظة" طوفان الأقصى" الذي غدر به عرب الحاضنة السنية ليست بعيدة، والمواقف لا تزال طازجة وساخنة وتنطق بمن منع عن غزّة المُحاصرة الدواء والغذاء، ومن فتح خزائنه لمجرم الحرب الأميركي يغرف منها كما يشاء، ومن أطلق إعلامه ودعاته لنهش المقاومة، ومن استثمر الفجيعة ليطوّر علاقاته التجارية مع الاحتلال الصهيوني، ومن تحوّل إلى مناضل شرس من أجل تمكين سلطة ترامب على غزّة.
وفي مقابل هؤلاء كلهم من الذي سارع إلى إسناد المُقاومين بالسلاح والدعم السياسي في كلّ المحافل، ودفع ثمن وقوفه مع الحقّ الفلسطيني، دماً ودماراً وحصاراً؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك