قدّم الكاتب السوري، عبد الرحمن الحاج، في مقالته" في ضرورة تسوية تاريخية لتجاوز الماضي السوري" (" العربي الجديد"، 12/6/2026)، أطروحةً ذات إشكالية أخلاقية وسياسية كبيرة، وإنْ تحمل في مضامينها وجاهةً منطقيةً، ما يجعل من الصعوبة بمكان دحضها على الجملة.
أقرّ الحاج أن معالجته الموضوع قد تكون غير دقيقة ولا تحظى بالقبول، غير أنّه كتب أنه يأمل في أن تفتح نقاشاً في مشكلة يصعب تجاهلها، وهذه نقطة تُحسب له من ناحيتَين: أنّه سبق غيره في طرح هذه الإشكالية المعقَّدة والضرورية جدّاً في آنٍ، من حيث لا يمكن تجاهلها مهما طال الوقت، وأنّه قال إنّ طرحه قد لا يكون دقيقاً، إدراكاً منه لصعوبة الإشكالية.
كتب: " وجد كثيرون من السوريين العلويين أنفسهم في موقع لا يحسدون عليه في نظر قطاعات واسعة من السوريين، ذلك أن أجهزة القمع التي ارتكبت انتهاكات واسعة، كانت تعتمد بشكل كامل على ضباط ومسؤولين ينحدرون من الطائفة العلوية".
قد يعترض بعضهم على هذا الطرح لأنّه يشمل كل السوريين العلويين على الجملة، لكنّ هذا الاعتراض في غير محله، لأنّه ليس المقصود إجمال العلويين جميعهم فرداً فرداً، فهذه استحالة، سواء على مستوى الإحصاء العددي، أو على مستوى الطرح السوسيولوجي.
ما قصده الحاج أنّ العلويين طائفةً وقفوا في غالبيتهم العظمى إلى جانب النظام، لكنّ قلّة منهم كانت تشارك في عمليات القتل، وفي الحالتَين كانوا محلّ شبهة أمام الأكثرية السورية، إمّا من خلال ممارسة عمليات القتل مباشرةً، أو من خلال تأييد أغلبية الطائفة نظام الأسد على الرغم من جرائم كان قد ارتكبها.
وأيّ محاولة هنا للقول إنّ السوريين العلويين لم يكونوا جميعاً مؤيّدين للنظام فهذا طرح فيه خلل، لأنّه يجب التمييز بين الدفاع عن بقاء النظام والدفاع عن وسائل النظام في البقاء صامداً (الإجرام الممنهج)، في الحالة الثانية قد يجري التمييز بين العلويين.
أما في الحالة الأولى، أي دعم النظام سياسياً، فلا يوجد تمييز هنا على الجملة، مع استثناءات لا تُلغي التعميم.
لم يعد خافياً على أحد أنّ المفاصل الأمنية والعسكرية القادرة على إحداث الفرق أو تهديد بنية النظام هي في أيدي السوريين العلويين، وكلّما اشتدّت مفاعيل الثورة، ثمّ الحرب الأهلية، كان النظام يزداد اعتماداً عليهم في المفاصل التي تتطلّب الإجرام.
هذا طبيعي، ولا يحتاج دراسات وتقارير حقوقية، ففي مثل هذه الحالات يجب أن يكون الأشخاص من الثقات المطلقين، كما في حالة الطيّارين الذين ألقوا البراميل المتفجّرة، فهؤلاء وجب أن يكونوا علويين بالضرورة.
لماذا؟ ليس لأنّ منفّذي الجرائم محل ثقة، بل لأنّ القاتل (كما يقول الحاج) يرى في الضحية تجسيداً لجماعة دينية معادية ينبغي كسرها أو إبادتها رمزياً.
يتحمّل المجرمون المسؤولية الإجرامية باعتبارهم منفّذين للجريمة، ويتحمّل النسق السياسي المسؤولية الدولتية باعتبارهم أصحاب القرارقد يكون هذا صحيحاً في جانب منه، لكنّ المسألة أعقد بكثير من اختزال العنف والإرهاب في البعد الطائفي فقط للشخوص الفاعلة.
في كتابها" أيخمان في القدس.
تفاهة الشر"، تساءلت المفكّرة اليهودية حنة آرندت، كيف يمكن لإنسان عادي أن يشارك في جرائم هائلة مثل المحرقة (الهولوكوست)، في إشارة إلى محاكمة إسرائيل أدولف أيخمان (أحد المسؤولين الكبار في الرايخ الثالث، وضابط في إحدى فرق القوات الخاصّة الألمانية، وتعود إليه مسؤولية الترتيبات اللوجستية بصفته رئيساً لجهاز البوليس السرّي في إعداد مستلزمات المدنيين في معسكرات الاعتقال وإبادتهم، فيما عرف آنذاك بالحلّ الأخير).
وخلافاً للصورة الشائعة لأيخمان وحشاً شيطانياً استثنائياً، وجدت آرندت أنّه كان موظّفاً بيروقراطياً عادياً، محدود التفكير، منشغلاً بالترقّي الوظيفي وطاعة الأوامر أكثر من انشغاله بالكراهية أو الإجرام السادي، وهذا يعني أنّ الإجرام قد يصدر أحياناً لا عن وحوش استثنائية، بل عن أشخاص عاديين توقّفوا عن التفكير الأخلاقي المستقلّ، وأصبحوا ينفذّون الأوامر بكيفية آلية.
وإذا ما أردنا أن نقدّم مثالاً مبكّراً على فعل إفناء رمزي مُثقل بكراهية طائفية (بكلمات الحاج نفسه)، لقدّمنا مجزرة مدرسة المدفعية عام 1979 مثالاً، وهي التي ارتكبتها عناصر من الطليعة المقاتلة ضدّ جنود وضباط علويين، لأنّهم علويون فقط.
لكن هذه المجزرة لا تعني أن جذر الأزمة الطائفية بدأ منها كما ذهب السياسي والمحامي سمير نشّار، إذ يجب التفريق بين نقطة بدء الصراع المسلّح وجذر الأزمة الطائفية التي يتحمّل مسؤوليتها الكُبرى نظام حافظ الأسد، خصوصاً في نهاية السبعينيّات، حين ظهرت سيطرة العلويين المباشرة على مفاصل المؤسّستَين العسكرية والأمنية، ثمّ الانتقال إلى القضاء على ما تبقى من المجتمع المدني (النقابات)، وتأميم الحياة السياسية والاقتصادية.
لا يمكن بأيّ شكل التقليل من البُعد الطائفي في آلة الإجرام السورية، فهذا مستحيل.
وفي المقابل، لا يمكن حصر الإجرام بهذا البُعد، وما يريد أن يصل إليه الحاج أنّ من الصعوبة فصل المجرمين ومنظومة الأسد عن الطائفة العلوية، لأنّ المنفّذين والمديرين لآلة القتل هم من الطائفة.
وينتهي الحاج إلى ضرورة تقديم الطائفة العلوية اعترافاً بالرابط البنيوي بينها وبين آلة قمع النظام، والسبب" التداخل الطويل زمنياً والعميق هيكلياً بين النظام والطائفة العلوية، وإلى العلاقة المركّبة بينهما المبنية على المصالح والامتيازات والمكاسب والمخاوف، بحيث يمكن الحديث عن درجة من المسؤولية السياسية والأخلاقية أو التاريخية الجماعية تجاه استمرار نظام الأسد وفظائعه، والاعتراف بالآلام التي خلفها".
وبالتالي، يجادل الحاج بأنّ الاعتراف العلوي" ممر إجباري ومقدّمة لا غنى عنها لحلّ هذه المعضلة، فمن دون هذا الاعتراف ستظلّ الجدالات تدور في دائرة مفرغة من دون أن تسمّي الأسماء بمسمّياتها الحقيقية، في وقت يستنقع الواقع ويزداد تفكيكه صعوبة".
ثمّة سؤال يُطرح هنا: كيف يكون شكل الاعتراف؟ هل يجب أن يكون مباشراً وعلنياً؟ أليس هذا الشكل من الاعتراف قد تكون له أبعاد سلبية على غير ما هو متوقّع، وأيضاً هل ستتغيّر أساليب تعاطي جزء من السنّة مع السوريين العلويين؟ أليس انطواء العلويين على أنفسهم بُعيد سقوط نظام الأسد، ورفض أكثريتهم الانخراط في صراع ضدّ نظام الحكم القائم، دليلاً دامغاً على أنّهم أدركوا الخطأ الذي وقعوا فيه؟ أليس هذا كافياً؟في العالم الجنائي تكون المسؤولية مباشرة، لكن في عالم السياسة لا مباشرة ولا علنيةإذا كان الحاج نفسه كتب أنّ" المسؤولية عن الانتهاكات والقمع تبقى مسؤولية فردية ومؤسّسية تتحدد بحسب الموقع والدور والفعل"، فلماذا يجب إذاً مطالبة الطائفة العلوية بتقديم اعتذار علني؟
يجيب الحاج على هذا بأنّه لا يجب النظر إلى المسألة من المنظار الجنائي، وإنّما من المنظار السياسي من حيث المسؤولية السياسية للطائفة العلوية، لكن الحاج يقلب المعادلة هنا رأساً على عقب، ففي العالم الجنائي تكون المسؤولية مباشرة، ويكون الاعتراف مباشراً، وبالتالي يكون العقاب مباشراً، أما في عالم السياسة فالأمر يختلف، فلا مباشرة هنا ولا علنية، وإنما إشارات ورموز يجب فهمها وإدراكها.
قدّم المفكر بول ريكور طرحاً لهذه الإشكالية، حين ميّز بين المسؤوليتَين، الجنائية والسياسية، فإذا كانت المسؤولية الإجرامية تقع على شخص معين، فإنّ المسؤولية السياسية تقع على نسق سياسي بأكمله وعلى أشخاص يشكلون أجزاء عضوية من ذلك النسق الإجرامي، حتّى لو لم يتورّط كلّ فرد منهم في تلك الأعمال مباشرة، لكنّ هذا النسق السياسي ـ الدولتي لا يمكن نقله إلى النسق الاجتماعي من حيث التداعيات التي يجب أن تترتب عليه.
بعبارة أخرى، يتحمّل المجرمون المسؤولية الإجرامية باعتبارهم منفّذين للجريمة، ويتحمّل النسق السياسي المسؤولية الدولتية باعتبارهم أصحاب القرار، أمّا المسؤولية الاجتماعية لطائفة بعينها، حتّى لو كانت آلة الإجرام تعتمد على أشخاص منهم، فهذا نوع من دفع المسألة إلى حدود قصوى، قد لا يتحمّلها الوضع القائم.
ماذا عن أشخاص من السنّة وقفوا إلى جانب النظام وقدّموا خدمات تساوي عمليات القتل المباشر؟ثمّ ماذا عن كثيرين من السنّة وقفوا إلى جانب النظام وقدّموا خدمات تساوي عمليات القتل المباشر؟ أليس الذي يخبر الأمن عن أماكن مأوى الثوار، يمارس القتل غير المباشر، كم من شخص قُتل بسبب إخباريات من أشخاص سنّة، ثمّ أيضاً، هل اكتفى رجال أعمال سنّة كثيرون بتأييد النظام سياسياً، ألم يؤسّس بعضهم مليشيات موّلوها من أجل ممارسة التشبيح والقتل والسرقة؟ ماذا عن هؤلاء السنّة، هل الأمر مقتصر على القتل العيني المباشر فقط؟لا يعني ما تقدّم رفض فكرة الاعتراف العلني من حيث المبدأ، لكنّ المسألة تتطلّب تريّثاً، فربّما البيئة الحالية لا تسمح بمثل هذا الاعتراف، والمثال الذي قدمه الحاج (نموذج رواندا) جاء بعد نحو 20 عاماً من الحرب الأهلية هناك، أي أنّ اعتراف الهوتو واعتذارهم للتوتسي عن المجازر التي ارتكبها آباؤهم، جاء بعد عقدَين، بعد أن اختلفت البيئة، فلا تشنّجات عرقية موجودة، ولا نفوس ثائرة وغاضبة، ولا احتكار لطرف للسلطة على حساب الطرف الآخر.
بتقدير كاتب هذه السطور، يجب إعطاء الأولوية الآن لبناء الدولة الوطنية الجامعة، وهو ما لا يبدو متاحاً في ظل السلطة القائمة.
في كلّ الأحوال، يشكّل مقال الحاج أطروحة في مسألة سوريةٍ غاية في الأهمية، ومن الطبيعي جدّاً أن يحدث اختلاف في الرأي، بشرط أن يكون هذا الاختلاف ضمن سيرورة فكرية تنتهي إلى الحلّ الأمثل، وليس بطرح تصنيفات وحالات مجتزأة من سياقها التاريخي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك