وعلى موقعها الرسمي بشبكة الإنترنت، قالت الإفتاء نصا: " الوليمة: هِيَ كلُّ طعامٍ يُصنع للعُرس، وما يُتَّخذ لسرورٍ حادثٍ، وما يحصُل للإنسان مِن خير يُدخل على نفسه الفَرَح، وكل دعوة على إملاك أو نفاس أو ختان أو حادث سرور ودُعي إليها الناس فاسم الوليمة يقع عليها، واستعمال لفظها مطلقةً يكون في العُرْس وهو المشهور، وأَمَّا استعمالها في غيره فيأتي مُقيَّدًا".
وأضافت: الوليمة مِن أحب الأعمال إلى الله تعالى، وأرجاها للقبول؛ لما فيها من معانٍ إسلامية ومجتمعية راقية، كإعلان النكاح، وتقديم إرضاء الله تعالى بفعلها فتنال بركة هذا الفعل صلاح حال الزوجين، وتضمُّنها لمعاني التكافل والمؤازرة وسد حاجات الفقراء، والتعاون والتعارف بين الأهل والأصدقاء والجيران، ولهذه المعاني، وإظهارًا للفَرَح والسُّرور نَدَب الشرع الوليمة.
وهذا ما يشارك فيه بداية العام الهجري، إذ فيه إعلان الفَرَح والسُّرور بقدوم العام الهجري، كونه مرتبطًا بكرم الله تعالى فيه على نبيه ورسوله بالنصر والتأييد والرعاية، قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].
ومن جملة إظهار الفَرَح بالعام الهجري: إدخال السُّرور على الأهل والجيران والفقراء بما يقوم به بعضُ الناس مِن ذبح الذبائح وعمل الولائم، ودعوة الناس إليها، فمِن الثابت شرعًا أنَّ إطعام الطعام مِن أجلِّ القُرُبات وأرفع أنواع الطاعات، وأرجاها للقبول عند الله تعالى حتى جعله الله تعالى من أسباب الفوز بدخول الجنة؛ فقال تعالى مادحًا عباده المؤمنين: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قَالَ: " تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" متفق عليه.
أما بخصوص الذبح وعمل الولائم وإطعام الطعام في أول العام الهجري فقد جَوَّز النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذَّبْح في أي شهر من شهور السنة ولم يُقيِّده بزمنٍ معينٍ، ولا خَصَّه بمكانٍ معينٍ، بل جعله على الإطلاق، وقد قَرَّر الأصوليون أنَّ" المطلق يجري على إطلاقه حتى يَرِد ما يُقيِّده".
فعن نُبَـيْشَةَ رضي الله عنه قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: " اذْبَحُوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ، وَبَرُّوا لِلَّهِ، وَأَطْعِمُوا" رواه أبو داود، والنَّسَائي، وابن ماجه واللفظ له.
قال الإمام المُنَاوي في" فيض القدير": [(اذبحوا لله) أي اذبحوا الحيوان الذي يحل أكله إن شئتم واجعلوا الذَّبْح لله (في أي شهر كان) رَجبًا أو غيره (وَبَرُّوا) بفتح الموحدة وشد الراء، أي: تعبدوا (لله وأطعموا) بهمزة قطع أي الفقراء وغيرهم.
أما تفرقة اللحم للفقراء فبر وصدقة في أي وقت كان].
يضاف لذلك أنَّ الحياة نعمة مِن نعم الله تعالى على البَشَر، ومرور الأعوام وتَجدُّدها شاهد على هذه النعمة، فكان ذلك داعيًا لإبراز معاني الفَرحة والسُّرور بين الناس بكل أنواع الطاعة، والتي منها إطعام الطعام على العموم، أي: سواء كان الإطعام صدقة على الغني والفقير، أو هدية للأقارب، أو توسعة على أهل البيت، فيُثاب على جميع ذلك؛ حيث إن إطعام الطعام لأهل الحاجة صدقة، ولغيرهم معروف.
كما أن العموم في قوله صلى الله عليه وسلم: " تُطْعِمُ الطَّعَامَ" من حديث ابن عمرو السابق يتناول الضيافة وسائر الولائم، وإطعام الفقراء وغيرهم، وفيه إشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختص بأحد، سواء كان الإطعام لمسلمٍ أو غيره لإنسان كان أو لحيوانٍ.
واختتمت الإفتاء: " بناءً على ذلك؛ فإن الاحتفال برأس السنة الهجرية جائز شرعًا ولا حَرج فيه، وإقامة الولائم ودعوة الأهل إليها من الأمور المستحبة، ففيها معنى إطعام الطعام الذي هو من أقرب القربات وأرجى الطاعات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك