اتفاق أمريكي–إيراني يربك إسرائيل ويشعل سباق النفوذ الإقليميفى أعقاب تصريح ترامب: إنها ليست كالاتفاقية السيئة والضعيفة التي أبرمها أوباما مع إيران.
هذه صفقة مختلفة تمامًا، وربما نعلن عنها رسميًا بعد يوم الجمعة.
تُعيد المشاهد الدراماتيكية الحالية للأزمة الإيرانية-الأمريكية إلى الأذهان ذروة حبس الأنفاس العالمية إبان أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين وقفت القوتان العظميان على شفا حرب نووية مدمرة.
كما تُحاكي لحظات الترقب التاريخية التي سبقت توقيع اتفاقية" كامب ديفيد" للسلام بين مصر وإسرائيل عام 1978 برعاية أمريكية.
ويقف العالم اليوم على حافة تحول استراتيجي عميق بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ عن توقيع" مذكرة تفاهم رقمية" لإنهاء الحرب مع إيران ورفع الحصار البحري عن مضيق هرمز.
هذا الاتفاق،الساعي لإنهاء أسابيع من المواجهات العسكرية المباشرة واستنزاف الذخائر، يحمل في طياته أبعادًا معقدة تتقاطع فيها الحسابات الانتخابية لترامب، والمخاوف الوجودية لإسرائيل، والمناورات البراغماتية لطهران المدعومة بالظل الروسي الصيني.
هندسة المكاسب: هل انتصرت الدبلوماسية الخشنة لطهران؟نجحت إيران، عبر إتقانها لسياسة حافة الهاوية ولعب ورقة مضيق هرمز الحيوية للاقتصاد العالمي، في فرض واقع تفاوضي مغاير لما كانت تتمناه واشنطن وتل أبيب:• بقاء الحلفاء (محور المقاومة): رغم الشروط الأمريكية الأولية التي طالبت بتفكيك أذرع إيران الإقليمية، تصر طهران في صيغة الاتفاق الحالية على شمولية وقف إطلاق النار على كافة الجبهات، بما يضمن بقاء هيكلية (حزب الله، الحوثي، وحماس) كأوراق ضغط إقليمية مستمرة، مستغلة حاجة واشنطن الملحّة لإنهاء الحرب سريًا.
• نجاة البرنامج الصاروخي: ظل الملف الصاروخي الباليستي والمسيرات الإيرانية بمثابة العمود الفقري للردع الإيراني، ولم يتضمن الاتفاق الحالي تفكيكًا لهذه الترسانة، بل ركز على تبريد الجبهات العسكرية وفتح الممرات المائية.
• فك العقوبات ووهْم الـ 24 مليار دولار: تُشير التقارير إلى أن الاتفاق يتضمن بندًا للافراج التدريجي عن قرابة 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة وضمان إعفاءات نفطية مؤقتة.
وبينما تروج طهران داخليًا بانتصارها وحصولها الفوري على الأموال، تؤكد واشنطن أن هذه المبالغ لن تُصرف إلا مقابل الأداء والالتزام المشروط (Pay-for-performance) خلال فترة الـ 60 يومًا القادمة للمفاوضات الفنية.
• إرجاء الملف النووي: نجحت إيران في ترحيل معضلة" اليورانيوم عالي التخصيب" إلى طاولة مفاوضات فنية ممتدة (مدتها 60 يومًا)، مع تقديم وعود فضفاضة بعدم السعي لامتلاك القنبلة النووية، وهو ما يمنحها هامشاً للمناورة الزمنية.
معضلة نتانياهو: هل تتبخر أحلام" التوسع الوجودي"؟جاء هذا الاتفاق بمثابة طعنة برأس دبلومسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الذي لطالما دفع باتجاه حسم عسكري شامل يُنهي النظام الإيراني ويقضي على برنامجه النووي للأبد.
• هل تخشى إسرائيل إيران؟ نعم، الخشية الإسرائيلية نابعة من إدراكها لـ نفاذ مخزونات صواريخ القبة الحديدية ومقلاع داوود أمام غزارة القصف المسير والصاروخي في المواجهات الأخيرة، وتعاظم الإنفاق العسكري الإسرائيلي المرهق للاقتصاد.
• كبح أحلام التوسع: يرى اليمين الإسرائيلي أن رغبة ترامب في إغلاق الجبهات تمثل كبحًا لخطط إسرائيل في فرض واقع ديمغرافي وعسكري جديد شمالا وجنوبًا، لذا سارع نتانياهو لإعلان أن إسرائيل" غير ملزمة بالاتفاق" وتحديداً ما يخص جبهة لبنان، محاولاً الاستمرار في عمليات ضرب حزب الله لتقويض أي تهديد مستقبلي.
• موقف تل أبيب المأزوم: تجد إسرائيل نفسها اليوم في موقف معقد؛ فبينما يعلن حليفها الأكبر في واشنطن بدء عهد السلام وتدفق النفط، تبدو تل أبيب عاجزة عن خوض حرب استنزاف إقليمية منفردة طويلة الأمد بدون غطاء لوجستي وذخائري أمريكي مستدام.
اللعبة الكبرى: الظل الروسي-الصيني وسيناريو الإلغاء المستقبليالتاريخ يُعلمنا أن الاتفاقيات مع القوى العقائدية غالباً ما تحمل تاريخ صلاحية مؤقت.
يثور التساؤل: هل تلغي إيران الاتفاق النووي بعد عدة سنوات؟المؤشرات الاستراتيجية تقول نعم.
عندما تتوفر لطهران الظروف المكانية والزمانية الملائمة، وبتغطية مباشرة من حلفائها في موسكو وبكين (الذين يدعمونها تكنولوجيًا وفي قطاعات الطاقة والتسليح)، قد تعود إيران للتخصيب السريع.
هذا الاتفاق بالنسبة لطهران ليس" سلامًا دائمًا" بل هو" استراحة محارب" لالتقاط الأنفاس الاقتصادية وتثبيت المكتسبات الإقليمية.
ترامب والمقامرة الكبرى: موازنة النفط وصقور واشنطنفى المقابل، يواجه دونالد ترامب مغامرة سياسية معقدة في الداخل الأمريكي تتأرجح بين طموحاته ومخاوفه؛ فمن جهة، يمثل هذا الاتفاق فرصة ذهبية له للوفاء بوعده الانتخابي الأبرز المتمثل في إنهاء الحروب اللانهائية، فضلاً عن قدرته على خفض أسعار النفط والغاز فورًا بمجرد إعلان فتح مضيق هرمز، مما يُنعش الاقتصاد الأمريكي ويغازل الناخب البسيط.
لكن في المقابل، يضع هذا التحرك ترامب في مواجهة مباشرة مع جبهة داخلية شرسة يقودها صقور الحزب الجمهوري المؤيدون لإسرائيل والذين يتهمونه بالخنوع لطهران، إلى جانب إثارة غضب مجمع الصناعات العسكرية" وكارتيلات النفط والسلاح التي تستفيد ماديًا من استمرار النزاعات المسلحة لتسويق السلاح واستغلال اضطرابات الأسعار.
رغم أن السلام الداخلي وخفض أسعار الوقود قد يدعمان موقفه شعبيًا، إلا أن عداء هذه القوى الدفاعية والنفطية العملاقة قد يُكلف ترامب غنائم سياسية ثمينة في الانتخابات النصفية القادمة، حيث تمتلك هذه اللوبيات القدرة على توجيه التمويل السياسي والإعلامي لتقويض شرعيته، مما قد يهدد بطرده قريبًا من البيت الأبيض إذا ما قررت الدولة العميقة معاقبته على إنهاء الحرب بشكل مبتور لا يخدم مصالحها.
خاتمة واستشراف: السلام الهش فوق حقل ألغامإن صفقة ترامب-طهران الحالية ليست صك أمان مستدام، بل هي" هدنة مؤقتة" فرضتها حسابات النفط، واستنزاف الذخائر الدفاعية الإسرائيلية، وحاجة ترامب لانتصار دبلوماسي سريع.
في المستقبل القريب، يظل الاحتمال الأرجح هو صمود هذا الاتفاق ظاهريًا طالما بقيت المنافع الاقتصادية تتدفق لطهران، وطالما التزم ترامب بتقديم الجزرة الاقتصادية.
لكن، بمجرد أن يستعيد المحور الإيراني-الروسي-الصيني كامل عافيته الجيوسياسية، أو في حال تهور إسرائيلي منفرد لخلط الأوراق، فإن حقل الألغام الشرق أوسطي سينفجر مجددًا، ليرسم بالحديد والنار ملامح عالم متعدد الأقطاب لا مكان فيه للاتفاقيات الهشة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك