بعيدا عن البيانات والخطابات والتسريبات فإن الحرب تضع أوزارها، وأوراقها، ومسؤوليات على كل طرف أمام جمهوره، حيث يمكن القول إن هذه الجولة إحدى أخطر جولات المواجهة الإقليمية منذ 7 أكتوبر 2023، وهو التاريخ الذى أخرج المواجهة بين إيران وإسرائيل من الوكلاء إلى المواجهة المباشرة، والتى لم تنته فى غزة ولبنان، امتدت إلى طهران وانتقلت إلى واشنطن، وعادت لتفرض تداعياتها على كل الأطراف، فى مواجهات لم تطل لكنها خلفت خسائر ضخمة وانعكاسات خطرة وينتظر أن تمتد التأثيرات لسنوات مقبلة.
وبصرف النظر عن اختلاف الروايات فإن الاتفاقات التى تم الإعلان عنها، سوف تظهر للعلن كاملة، وتكون مطروحة أمام البرلمانات والسياسيين والمعارضة فى كل من أمريكا وإسرائيل، وقد بدأت بالفعل، وفى إيران ربما تستمر الخطابات الحماسية لكنها سوف تصل إلى محطة الواقع بعد عقود من الحصار الذى اعتادت عليه إيران، وربما يستعد الإيرانيون لجولات مختلفة، خارج نطاقات العقود الأخيرة، حيث يفترض أن تلعب السياسة دورها مع الحروب والمواجهات.
وبعيدا عن الاختلافات حول الاتفاق فسوف تعلن كلها خلال أيام، حيث يتم فتح مضيق هرمز وفى حالة فرض رسوم سوف يعرف العالم كله، وإن لم يحدث فسيكون معلوما، ونفس الحال بالنسبة لجبهات الوكلاء، وما إذا كانت المفاوضات فى لبنان بين الدولة والاحتلال وأمريكا وفرنسا كأطراف أم أنها مفاوضات بين حزب الله وإسرائيل، وفى كل الأحوال سوف يختلف مصير وكلاء إيران مثلما يختلف مصير وكلاء إسرائيل.
وبالطبع فإن الحديث عن ترتيبات ما بعد الحرب سيكون أحد شواغل قمة السبع الكبار، التى تأتى وسط أول ساعات فى الخطوات الأولى من الاتفاق لوقف الحرب.
ورغم أن القمة اقتصادية فإن الاقتصاد يقوم على السياسة بأكثر مما يمكن تصوره، حيث انعكست الحرب بين أمريكا وإيران على مسارات النقل وأسعار الطاقة والتضخم العالمى، واكتشفت أوروبا خطورة ترك الصراع فى الشرق الأوسط، وأن انعكاساته أو أى صراع فى العالم تؤثر على الاقتصاد والسلام بكل أركان العالم، وقد انعكست الحرب سلبا على الاقتصاد والطاقة وسلاسل النقل، واتضح أنه حتى الانكفاء على الذات لا يعصم الدول من التأثيرات، وهى نقاط ظهرت فى قمة قبرص خلال أبريل الماضى، والتى ناقشت مخاوف أوروبية من استمرار تعقد الأوضاع فى الإقليم حتى لو كانت بعيدة عن أوروبا، لأن مضيق هرمز أو أيا من الممرات فى المنطقة تفرض نفسها على اقتصادات الطاقة بالعالم وخاصة أوروبا، مثلما كانت الحرب «الروسية - الأوكرانية» هى الأخرى كاشفة عن هذه الثغرات، وبعدها الحرب فى غزة.
وبالتالى فإن دعوة مصر كشريك فى قمة السبع، لرؤية مستمرة تطرحها مصر تدعو إلى إنهاء الصراعات والدفع نحو مسارات سلام وسياسة بديلا لصدامات لا تنتج سوى انعكاسات سلبية.
ومصر تطرح أهمية وجود نظام أمن إقليمى يقوم على التوازن ويعيد الثقة بين دول المنطقة بعيدا عن التدخلات أو الوكلاء أو أى من المسارات التى سادت ولا يمكن أن تستمر، وتصالب مصر أيضا بضرورة إصلاح النظام الدولى ليصبح أكثر فاعلية وعدالة، وهى ليست وجهة نظر مصر فقط بل أغلب دول العالم بالجنوب، بل ربما تكتشف الدول الكبيرة خطورة استمرار نظام يعجز عن التدخل فى أى من المواجهات أو الأزمات.
ولم تعد السياسة الأوروبية تواصل العزوف عن التدخل فى الأزمات الإقليمية ويفترض أنها تندفع إلى المشاركة بعد اكتشاف التأثيرات الواضحة لمضيق هرمز فقط.
ولا يمكن تجاهل القضية الفلسطينية باعتبارها قضية القضايا والتى لا يمكن أن يشهد العالم سلاما أو استقرارا من دون حلها وهى رؤية مصرية تؤكدها الوقائع، حيث إن ما تشهده المنطقة منذ 7 أكتوبر 2023 هو جولات لحرب واحدة لوكلاء وميليشيات وقوى، شهدت اغتيالات وتجسسا وعمليات وحروبا مباشرة وغير مباشرة، ما يجعل القضية الفلسطينية بالفعل قضية القضايا.
وبعيدا عن الاختلاف فى الروايات بين الجانبين الأمريكى والإيرانى، فإن التوقيع على الاتفاقات يؤكد ما سبق إعلانه حول الدور الذى لعبته القنوات الخلفية بأكثر من المفاوضات المباشرة، والبيانات التى أعلنها كل طرف باعتبارها شروطا، تخفى الحقيقة، لكن أهم ما ينتظر الإقليم هو نظام إقليمى مختلف عما سبق يمكنه الصمود وبناء ثقة أطاحت بها الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك