أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي اقترح فيها إمكانية أن تتولى سوريا التعامل مع ملف حزب الله في لبنان في حال عجزت إسرائيل عن ذلك، جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً.
وجاءت هذه التصريحات خلال مشاركته في قمة قادة دول مجموعة السبع في فرنسا، حيث تناول عدداً من الملفات الإقليمية الحساسة، من بينها التوتر المستمر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
وقال ترمب إن واشنطن تبحث عن مقاربات جديدة للتعامل مع التحديات الأمنية في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن بعض الدول الإقليمية يمكن أن تلعب أدواراً مختلفة في إدارة الملفات المعقدة.
هذا الطرح غير التقليدي فتح باباً واسعاً أمام التأويلات حول خلفياته السياسية، خصوصاً في ظل استمرار التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، والتعقيد المتزايد في المشهد اللبناني.
وفي حديثه لتلفزيون سوريا رأى الخبير في الأمن القومي الأميركي من واشنطن زياد صافي أن تصريحات ترامب" لا يمكن فصلها عن مزاج السياسة الأميركية في لحظات الأزمات"، مشيراً إلى أن" الرئيس الأميركي يستخدم أحياناً مقاربات صادمة لدفع الأطراف الإقليمية إلى التفكير خارج الصندوق".
وأضاف أن طرح اسم سوريا في هذا السياق" لا يعني بالضرورة وجود خطة تنفيذية، بل رسالة ضغط وتوجيه سياسي متعددة الاتجاهات".
في المقابل، جاء الموقف السوري الرسمي واضحاً وحاسماً، حيث أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن دمشق لا تنوي التدخل عسكرياً أو أمنياً في لبنان تحت أي ظرف، مشدداً على أن ما يتم تداوله في هذا السياق لا يتجاوز كونه" شائعات أو قراءات إعلامية غير دقيقة".
ووفق الموقف الرسمي، فإن الأولويات السورية الحالية تتركز على الملفات الداخلية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ومعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
من ناحيته أكد الباحث في الشأن السياسي محمد زكوان كوكة في حديثه لتلفزيون سوريا أن" سوريا اليوم مختلفة جذرياً عن أي مرحلة سابقة في تعاملها مع الجوار"، موضحاً أن التحولات الإقليمية منذ 7 من تشرين الأول أكتوبر، وما تبعها من تغيرات سياسية وأمنية، جعلت دمشق تعيد تعريف دورها الإقليمي بشكل كامل.
وأضاف أن" سوريا لا تنظر إلى لبنان كامتداد جغرافي أو سياسي كما في السابق، بل كدولة مستقلة ذات سيادة، والتعامل يتم على هذا الأساس".
وأشار كوكة إلى أن الأولويات الداخلية في سوريا، بما فيها إعادة هيكلة القطاعات الحكومية وملفات الاقتصاد والبنية التحتية، تجعل أي انخراط خارجي في الوقت الحالي" خارج الحسابات الواقعية للدولة السورية".
ما أهداف التصريحات الأميركية؟اعتبر رئيس تحرير موقع" الجنوبية" من بيروت علي الأمين أن التصريحات لا ينبغي التعامل معها كخطة عملية، بل كمؤشر على" محاولة أميركية لإعادة الضغط على الحكومة اللبنانية وحزب الله في آن واحد".
وأوضح الأمين في حديثه لتلفزيون سوريا أن" لبنان يعيش حالة من الانقسام السياسي الحاد، والدولة اللبنانية في وضع هشّ يجعلها غير قادرة على فرض سيطرتها الكاملة"، مشيراً إلى أن طرح فكرة تدخل سوريا" يعكس أكثر رغبة في الضغط النفسي والسياسي، وليس مشروعاً تنفيذياً واقعياً".
وأضاف أن أي حديث عن دور سوري في لبنان" يصطدم بذاكرة تاريخية سلبية لدى اللبنانيين، مرتبطة بمرحلة طويلة من التدخلات السابقة".
من جانبه، رأى الخبير في العلوم السياسية من القدس المحتلة أيمن يوسف أن تصريحات ترامب" تحمل بعداً تكتيكياً في إطار إدارة التوازنات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران".
وقال إن الرئيس الأميركي" يستخدم أدوات سياسية متعددة لإرسال رسائل إلى نتنياهو تحديداً، بهدف ضبط إيقاع التحركات الإسرائيلية في أكثر من ساحة، بينها لبنان".
وأضاف يوسف في حديثه لتلفزيون سوريا أن الطرح الأميركي قد يكون" جزءاً من محاولة طمأنة إسرائيل من جهة، وإبقاء قنوات الضغط مفتوحة على إيران وحلفائها من جهة أخرى"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن" الواقع الميداني والسياسي يجعل من المستبعد جداً تحويل هذا الطرح إلى سياسة فعلية".
بالنظر إلى المشهد اللبناني الحالي يمكن القول إن أي سيناريو يتعلق بتدخل سوري في لبنان يبقى شديد التعقيد، إن لم يكن مستبعداً عملياً في المرحلة الحالية.
فلبنان، بحسب وصفهم، يعيش حالة من الانقسام السياسي العميق، إلى جانب أزمة اقتصادية خانقة وتوازنات أمنية حساسة تجعل أي تدخل خارجي عامل تفجير إضافي.
وفي هذا السياق يشير علي الأمين إلى أن" الأجواء السياسية بين لبنان وسوريا تشهد تحسناً نسبياً في بعض الملفات التقنية مثل الحدود واللاجئين والمعتقلين"، لكنه شدد على أن هذا التعاون" لا يمكن أن يُترجم إلى تدخل سياسي أو عسكري مباشر".
ولفت إلى أن هناك" رعاية إقليمية، خصوصاً من بعض الأطراف العربية، تسهم في ضبط الإيقاع العام للعلاقة بين البلدين ضمن حدود التعاون لا التدخل".
في المقابل، رأى محمد زكوان كوكة أن أي نقاش حول تدخل سوري محتمل يجب أن يُقرأ ضمن سياق" سيناريوهات انهيار شامل غير مرجحة حالياً"، موضحاً أنه" حتى في حال تدهور الأوضاع في لبنان، فإن أي تدخل سوري سيظل مرتبطاً بغطاء دولي وإقليمي معقد للغاية وغير متوفر في الظروف الراهنة".
أما أيمن يوسف فذهب إلى أن تصريحات ترامب" تعكس إدارة سياسية للرسائل أكثر من كونها طرحاً عملياً"، مؤكداً أن" أميركا لا تتحرك في الشرق الأوسط بمعزل عن أولوية إسرائيل، لكن ذلك لا يعني أن كل ما يُقال يتحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ".
وأضاف أن" السيناريو المطروح حول دور سوري في لبنان يظل أقرب إلى النقاش النظري منه إلى الواقع السياسي".
وبالنهاية يبدو أن تصريحات ترامب، رغم تأثيرها الإعلامي والسياسي، لا ترقى إلى مستوى خطة تنفيذية، بل تعكس حالة من إعادة توزيع الرسائل بين الأطراف الإقليمية والدولية، فسوريا، وفق معطياتها الداخلية والخارجية، ليست في وارد الدخول إلى الساحة اللبنانية، وأن لبنان نفسه غير مهيأ لاستقبال أي تدخل جديد في ظل تعقيداته السياسية والأمنية الراهنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك