يستبدل الفنان التشكيلي سعد حاجو المثل الشعبي القديم" الضحك من دون سبب قلة أدب" بـ" رئيس من دون سبب قلة أدب"، جاعلاً من هذه العبارة التهكمية عنواناً لمعرضه الأول في المتحف الوطني في دمشق بعد سقوط نظام الأسد في سورية.
وحين اختار حاجو أن يكون في العنوان استعاضة عن الضحك بالرئيس أو عن الرئيس بالضحك، فالمقصود هو الضحك على الرئيس والسخرية منه، تحديداً حين أمسى جزءاً من ماضٍ دامٍ وقمعي عاش في ظله السوريون لعقود.
تلازمت صورة الأسد الابن وكذلك الأسد الأب مع التراجيديا السورية، وسقط ذلك الاستبداد الشرس مخلفاً وراءه مشاهد من الأسى والسخرية، وانفجرت خزانات اللغة المكبوتة، من شتائم ونكات وتهكّم، بعدما ظلّت لعقود مخنوقة تحت رقابة الأجهزة القمعية للسلطة.
سقطت القيود ومفردات الخلود التي ألصقها النظام بشخص الأسد الأب والابن، ولم يبق سوى مدن تهاوى عمرانها، وجرّدت هيئته من مظاهر الجبروت فبات صورة كاريكاتيرية لرجل أحمق يرتدي بذلة، وتنبثق من ياقتها عنق طويلة.
ثمة شعرة رفيعة تفصل بين الحماقة والاستبداد.
الكاريكاتير الذي يصور حماقة الأسد الهارب ما هو إلا انتصار لويلات السوريين وألم يضاف فوق ألم، كانت الوجوه التي تتأمل هيئة" قائد الوطن" كما كان يحلو لمحبيه أن يسموه تتساءل: " كيف لتلك الرثاثة أن تشد الخناق على رقابنا؟ كيف جعلنا نتألم كل هذا الألم؟ كيف دمر بيوتنا وقرانا وأفقرنا ووضعنا في خنادق متواجهة؟ كيف استثنى ملايين السوريين من المواطنة وهجرهم إلى أصقاع الأرض وتركهم ينشدون هنا وهناك الوطن؟ ".
يعيدنا معرض سعد حاجو إلى اللحظات الأولى لما بعد سقوط نظام الأسد، ويطرح الأسئلة الأولى التي ترافقت مع كشف ألبومات صوره التي كانت بمثابة رسوم كاريكاتيرية جاهزة إذا قررت أن تنقل ملامحه في بورتريه، وتثير هيئته الضحك مثلما تثير أيضاً الكثير من الأسى على عقود مضت والسوريون يرزحون تحت حكمه.
افتتح سعد حاجو حديثه أمام الحاضرين في الندوة التي أقامها مشروع الذاكرة الإبداعية للثورة السورية بمناسبة توقيع كتابه الذي يحمل عنوان المعرض نفسه: " 53 عاماً لا تشكل شيئاً في عمر التاريخ لكنها كانت عمري".
وشدّه الحنين إلى مقهى الكمال الشعبي الذي افتُتح عام 1950 في شارع المتنبي وسط دمشق، عند نقطة تتقاطع فيها ذاكرة المدينة الثقافية مع ذاكرتها السياسية.
فالمقهى يتوسط الموقع التاريخي لسينمات دمشق التي أُغلقت تباعاً مع الزمن، ويطلّ الشارع على كل من شارعَي البرازيل وشيكاغو، فيما يقع" الكمال" على بعد خطوات من مقهى الهافانا الذي شهد ولادة حزب البعث العربي الاشتراكي.
كان والد حاجو يقضي نهاره في" الكمال".
وبينما كان الفنان يتحدث أمام الحضور عن حكايات الكاريكاتير والثورة وماضي المدينة، همس أبو علاء، أحد أقدم نادلي المقهى، في أذني: " تذكرت أبوه.
كان يقعد هنيك"، مشيراً إلى طاولة في زاوية المكان.
بدا المشهد كأن ذاكرة الأب سبقت الابن إلى المقهى.
فـ" الكمال" ليس مجرد مقهى شعبي، بل خزان لقصص دمشق وملتقى ظرفائها، وفقاً لما يقوله حاجو، وبين هؤلاء الظرفاء تشكّلت الملامح الأولى لـ" خفة الدم" التي ستصبح لاحقاً مادة أساسية في تجربة حاجو الفنية.
في لقاء سعد حاجو مع الجمهور يوم 13 يونيو/ حزيران، بدا المعرض والكتاب معاً تمريناً على استعادة ذاكرة السوريين عبر السخرية.
ففي لوحة" طير وفرقع يا بشار"، يحوّل الفنان شعاراً ثورياً ردّده السوريون عام 2011 إلى مادة بصرية، مستعيداً بتصرّف أغنية" طير وفرقع يا بوشار"، المرتبطة في الوعي الجمعي السوري ببائعي البوشار الجوالين، وبالشبهة الشعبية القديمة التي أحاطت بهم بوصفهم مخبرين متخفين خلف عرباتهم في الشوارع.
أما" فلاشة الشعيبي"، فتأتي بوصفها استدعاءً لأحد أشهر فصول الكوميديا السورية.
واستحضرها حاجو ضمن عمل تركيبي جمع أربعة عناصر متجاورة: بطة بلاستيكية، وفلاشة، وأكياس ملوخية، وحبوب كبتاغون.
تبدو هذه العناصر للوهلة الأولى متنافرة، لكنها تختزل، في نظر الفنان، محطات متعاقبة من تاريخ سورية بين مارس/ آذار 2011 وديسمبر/ كانون الأول 2024.
وهي لا تستدعي الذاكرة السورية فحسب، بل تدفعها أيضاً إلى حيز السخرية، حيث يتحول الألم والعبث والوقائع السياسية إلى مادة للتأمل والتهكم في آن واحد.
يأخذك الكتاب في جولة موازية لجولة المعرض؛ يبدأ بمقالتين لسيد محمود ورنا قاروط، أشبه بافتتاحية تمهّد للدخول إلى عالم حاجو، ثم يفسح المجال لنص كتبه الفنان نفسه عنوانه" ما قبل البداية"، يسرد فيه خلفية الحكاية التي انتهت بسقوط الأسد.
تبدأ القصة في 22 فبراير/شباط 1971، يوم تولّى حافظ الأسد رئاسة سورية.
ثمّ تتوالى صور الديكتاتور الابن وهو يحاول أن يتمثّل صورة الأب، قبل أن يبدو وقد تجرّد من جبروته، رجلا عاديا بمظهر هزيل.
يعيد حاجو رسم صورة شهيرة لآل الأسد يعرفها معظم السوريين، صورة طالما حدّقت فيها أعين الجمهور وراقبت تفاصيلها.
تقول إحدى الزائرات: " هذا الكاريكاتير يعلن نهاية الطغاة، ويقول إن للاستبداد وجهاً مثيراً للضحك أيضاً.
فالسلطة التي بدت لعقود عصية على النقد والخوف، تتحول بعد سقوطها إلى مادة للسخرية، ويغدو صاحبها شخصية كاريكاتيرية بعدما كان يُقدَّم بوصفه فوق البشر".
وقال حاجو، في حديث مع" العربي الجديد"، إن فكرة الكتاب بدأت قبل سنوات، حين شرع في أرشفة رسومه، فاكتشف أنه أنجز آلاف الرسوم عن الموضوع نفسه، وأن كثيراً منها ارتبط مباشرة بأحداث سياسية عاشتها سورية في السنوات الأخيرة.
ومن محاسن الصدف، حسب تعبيره، أنه كثّف العمل على الكتاب مطلع عام 2024، قبل أشهر من سقوط نظام بشار الأسد، من دون أن يتوقع أن النهاية باتت وشيكة.
وأشار إلى أن أولى رسومه لبشار الأسد كانت تحدياً حقيقياً في حينها، رغم أنها تبدو اليوم عادية.
كان يقيم في لبنان، ويريد أن يرسم الأسد من الخلف بكامل جسده، وأن يقنع الصحيفة بنشر الرسم، مع ما كان يمكن أن يثيره ذلك من مشكلات.
قال: " كنت أحاول رسم الجسد كاملاً، وكان هناك شيء من الصعوبة.
ثم شعرت فجأة أنني امتلكت مفاتيح الشخصية، فرسمتها بضربة واحدة".
بالنسبة إلى حاجو، لم تكن ملاحظة الكوميديا في قلب العنف أمراً سهلاً.
فهو يدرك أن وجوده خارج دائرة العنف المباشر منحه رفاهية التقاط المفارقات الساخرة في المشهد السوري، من دون أن يعني ذلك انفصالاً عن الألم.
لذلك ظل يتردّد أمام السخرية من الشكل أو طريقة اللفظ، رغم أنها من أدوات الكاريكاتير الأساسية، قبل أن يقرر استحضار صورة بشار الأسد باللباس الداخلي، في إحالة ساخرة إلى العبارة الشهيرة: " إني أرى في الرياضة حياة" التي يضعها على لسان الأب، هو الآخر باللباس الداخلي.
سبق لحاجو أن قدّم المعرض نفسه في إسطنبول عام 2015، كما حصد جوائز عدة في فن الكاريكاتور.
لكن النسخة الدمشقية تبدو مختلفة، فالأعمال التي كانت تُعرض في المنفى عادت اليوم إلى المدينة التي بدأت فيها الحكاية.
وكان سعد حاجو يذيل رسومه بعبارة" مع فائق الكاريكاتور"، لما تنطوي عليه لوحاته من مودة واحترام عميقين لهذا الفن الساخر الذي تتقاطع فيه الصحافة بالسخرية والفن.
وأشار إلى أن الكتابة عن الكاريكاتير ليست مهمة سهلة؛ فاللوحة" إما أن تصل بكل فجاجتها وسخريتها ومرارتها وتكثيفها، أو لا تصل أبداً".
وفي نهاية الندوة، عاد حاجو إلى عبارة يراها مفتاحاً لفهم ما جرى لاحقاً: " إذا أردنا أن نفهم ما جرى في سورية، فعلينا أولاً فهم ما جرى في درعا".
يستعير العبارة بتصرّف من شخصية حسني البورظان، التي ابتكرها وأداها نهاد قلعي، بما تحمله من ذاكرة كوميدية سورية واسعة.
فاستدعاء البورظان هو مدخل ساخر لفهم الطريقة التي تتصل بها الأحداث بعضها ببعض، وكيف يمكن للكوميديا أن تلتقط، أحياناً، ما تعجز اللغة السياسية المباشرة عن قوله.
يقف زوار المعرض أمام الرسوم بوجوه ضاحكة ومبتسمة ومتأملة وحزينة.
بعضهم يتوقف طويلاً أمام لوحة بعينها، وبعضهم يلتقط صورة أو يروي حكاية استعادتها الذاكرة فجأة.
وبين الضحك والمرارة، تبدو أعمال سعد حاجو أشبه بأرشيف بصري لسنوات الأسدية لا يوثق القمع والعنف فحسب، بل أيضاً اللغة الساخرة التي ابتكرها السوريون لمقاومتهما.
فبعد أكثر من نصف قرن على حكم عائلة الأسد، لم يبقَ من صورة" القائد الخالد" سوى كاريكاتير يثير الضحك، ويستدعي في الوقت نفسه أسى جيل كامل ضاع عمره في انتظار هذه النهاية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك