رغم أن أحداث المسلسل الكوري" جيريغو: أمنيات قاتلة" (If Wishes Could Kill) تدور في مدرسة إعدادية حيث ينتمي الأبطال إلى مرحلة عمرية ترتبط عادة بعالم المراهقين، فإن العمل لا يبدو موجها إلى هذه الفئة بالضرورة.
فالمسلسل يتضمن مشاهد انتحار وأفكارا مرتبطة بالموت والذنب والعنف، ويتناول قضايا حساسة تتجاوز بكثير حدود الدراما المدرسية التقليدية.
وتبدو المفارقة لافتة بين الشكل والمضمون؛ فالمدرسة والزي الموحد والصداقات والأحلام الصغيرة المرتبطة بالدراسة والسعي إلى القبول الاجتماعي توحي في البداية بعمل شبابي مألوف.
غير أن المسلسل يكشف منذ حلقاته الأولى أنه يستخدم هذه البيئة بوصفها مسرحا لاختبار الرغبات البشرية حين تتحول إلى قوة يصعب السيطرة عليها.
هنا لا تبدو الأمنيات طريقا للخلاص، بقدر ما تصبح بوابة لخسارات متتالية ومصائر أكثر قتامة مما يتوقع أصحابها.
ولا يعتمد العمل على الغموض أو المفاجآت وحدها، بل يبني توتره على سؤال بسيط: ماذا يحدث عندما يحصل الإنسان فعلا على ما يتمناه؟ ومن خلاله ينسج عالما تتداخل فيه الأحلام مع القلق، وتتحول فيه الرغبات إلى عبء لا يقل ثقلا عن الحرمان، ما يجعله أقرب إلى عمل يخاطب مشاهدا ناضجا قادرا على التعامل مع أفكار وأجواء كئيبة داخل إطار درامي محسوب.
بين الرعب النفسي والفانتازيا" جيريغو: أمنيات قاتلة" مسلسل قصير من 8 حلقات، عُرض عبر منصة نتفليكس، وقد نال اهتماما بين متابعي الدراما الكورية، خصوصا جمهور الأعمال التي تمزج بين الرعب النفسي والدراما المدرسية والفانتازيا السوداوية.
ورغم أنه لم يتحول إلى ظاهرة جماهيرية ضخمة، فإنه نجح في تكوين قاعدة متابعين متحمسة، وحجز لنفسه مكانا وسط إنتاجات العام، متفوقا على أعمال معاصرة مثل الموسم الثاني من مسلسل" صيد خارج الحلبة" (Bloodhounds).
وبمقارنته بأعمال مشابهة، يبدو أقل تشويقا وتوترا من" كلنا موتى" (All of Us Are Dead)، لكنه أكثر اشتغالا على العمق النفسي وبناء الشخصيات من" الطريق إلى الجحيم" (Hellbound).
كما تتقاطع فكرته مع أعمال مثل المسلسل البريطاني" ريد روز" (Red Rose)، غير أن ما يمنحه خصوصيته" جيريغو" هو توظيفه الشامانية الكورية كخلفية روحية تمنح الرعب طابعا محليا يصعب نسخه.
قصة تبدأ كحلم وتنتهي كاختبار قاستدور أحداث المسلسل في مدرسة سيورين الإعدادية حول مجموعة طلاب يكتشفون أن بعض الأمنيات التي يطلقونها تتحقق عبر تطبيق غامض.
في البداية يبدو الأمر أشبه بمعجزة صغيرة تمنح كل واحد منهم فرصة للهروب من مشكلاته اليومية أو تعويض ما عجز عنه.
لكن هذا الامتياز يتحول تدريجيا إلى عبء ثقيل، فكل أمنية تحمل ثمنها الخاص الذي قد يصل إلى الموت.
ومع تصاعد الأحداث تتفكك العلاقات، وتنكشف أسرار قديمة، ويجد الأبطال أنفسهم أمام نتائج تتجاوز قدرتهم على السيطرة.
وتكمن قوة الحبكة في أنها لا تجعل الشر يأتي من الخارج، بل من الداخل، الرغبات الشخصية الدفينة، والطمع، والغيرة، والشعور بالوحدة تتحول جميعها إلى محرك مباشر للمأساة، ما يمنح الشخصيات بعدا إنسانيا ويجعل انهيارها أكثر إقناعا وتأثيرا.
ورغم حل اللغز وإغلاق معظم الخطوط الدرامية، يُنهي المسلسل الموسم الأول بنهاية مفتوحة، وكأن الحكاية لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، مما يجعل الرعب يبدو أكثر واقعية، وفي الوقت نفسه يفتح الباب لاحتمالات موسم ثانٍ.
وقد صرّح المخرج بارك يون سيو بأن فريق العمل لا يزال يفكر إذا كان الموسم الثاني -إن وجد- سيواصل الخط الدرامي ذاته، أم سيتخذ شكل أنثولوجيا (Anthology) بعوالم وشخصيات مختلفة.
وبالحديث عن الإخراج، ينجح بارك يون سيو في تحويل الألوان إلى لغة سردية، لا مجرد عنصر جمالي.
فالحُمرة الكثيفة التي تتدفق كلما اقتربت اللعنة من ضحيتها تصبح إشارة إنذار بصري، وتنقل التوتر دون حاجة إلى شرح.
في المقابل، يستخدم الأبيض في الطقوس الشامانية لبناء ثنائية بين الضوء والظلام، لكنها ثنائية هادئة تتسلل إلى اللاوعي البصري أكثر مما تفرض نفسها.
ولا يقتصر الرعب على العتمة، بل يظهر أحيانا تحت الضوء الكامل، في كسر واضح لقواعد الرعب التقليدية.
وقد اعتمد الإخراج على خلق شعور دائم بعدم الارتياح، إذ لم يكن الهدف إخافة المشاهد عبر المفاجآت السريعة فقط، بل دفعه إلى الترقب المستمر لما قد يحدث لاحقا.
فالممرات الضيقة والفصول الفارغة والمساحات المدرسية الواسعة تتحول إلى أدوات لتعزيز العزلة، حتى داخل مشاهد مزدحمة بالشخصيات.
ومن الناحية البصرية، تأتي الصورة بإضاءة باردة وألوان تميل إلى الكآبة، ما يمنح العمل هوية مستقرة منذ بدايته.
أما المؤثرات البصرية فتخدم الفكرة دون أن تطغى عليها، خصوصا في ما يتعلق بتحقق الأمنيات.
لكن أكثر اللحظات رسوخا تبقى تلك التي تعتمد على الأداء الجسدي قبل الغرافيكس، حيث تتحول الأجساد والملامح إلى مساحة للرعب المباشر، كما في مشاهد التحول أو في لحظة انهيار غيون وو – قام بدوره بايك سون هو – تحت تأثير الروح الشريرة.
ورغم حضور العنف، من الإيذاء الجسدي إلى القتل المباشر، فإن الرعب الحقيقي لا يقوم عليه وحده، بل يظل نفسيا في جوهره، مع ملاحظة أن بعض المشاهد الدموية كان يمكن تقليصها دون الإضرار بالبناء الدرامي.
أداءات تمثيلية تقود التجربةوإن كانت المفاجأة الأبرز في المسلسل ليست الحبكة بقدر ما هي الأداءات.
فقد اختار المخرج بارك يون سيو وجوها جديدة نسبيا في الأدوار الرئيسية، مراهنا على واقعية الإحساس بالرعب أكثر من نجومية الأسماء.
وقد سمح توزيع المساحة الدرامية بظهور أداءات متفاوتة لكنها في مجملها مقنعة، خصوصا لدى من ركزوا على الصراع الداخلي بدل الانفعال الخارجي.
فالشخصيات هنا تعيش الخوف والارتباك أكثر مما تعبر عنه، وهي حالات تحتاج إلى أداء هادئ ودقيق أكثر من حاجتها إلى المبالغة.
وتبرز كانغ مي نا في دور" نا ري" بوصفها مفاجأة العمل، بشخصية انتهازية تخفي الحسد خلف قناع الصداقة، في أداء متوازن بين الجذب والنفور.
بينما جاءت جيون سو يونغ في دور" سيه آه" أقل تأثيرا بسبب محدودية الكتابة أكثر من الأداء.
أما لي هيو جي في دور" هيونغ ووك" فقدم تحولا لافتا بين الخفة والرعب، في حين أضاف روه جاي وون لمسة كوميدية في دور الشامان دون كسر الإيقاع العام للعمل.
لا يترك" جيريغو: أمنيات قاتلة" أثره عبر الصدمة أو المفاجأة، بل عبر فكرة أكثر هدوءا وعمقا: أن ما نتمناه قد لا يكون دائما ما ينقذنا، بل ما يختبر حدودنا النفسية حتى النهاية.
ومع انقضاء الحكاية، لا يبدو السؤال متعلقا بالأحداث بقدر ما يتعلق بطبيعة الرغبات التي نخجل أن نعلنها، وكيف يمكن لأمنية تبدو بسيطة أن تتحول إلى مصدر تهديد حقيقي حين تُمنح فرصة التحقق.
ولا ينصح بمشاهدة هذا المسلسل للأطفال، وتم تصنيفه رسميا للفئة العمرية +18 (للبالغين فقط) على منصة نتفليكس بسبب احتوائه على عناصر لا تناسب الصغار، تشمل أجواء رعب شديدة ولقطات مخيفة ومرعبة تعتمد على الإثارة النفسية والخوف.
كما يتضمن مشاهد عنف وجريمة مثل مشاهد القتل والدماء، إلى جانب أنه يتضمن مواضيع مظلمة وأفكارا سوداوية تتعلق بالانتقام والتهديدات النفسية للمراهقين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك