وكالة شينخوا الصينية - (وسائط متعددة) يونيسف: مقتل 247 طفلا في لبنان منذ تصاعد المواجهات العسكرية في مارس الماضي الجزيرة نت - باب المندب بعد الاتفاق.. هدوء مؤقت أم جولة جديدة من الصراع؟ وكالة سبوتنيك - بيلاروسيا: نطالب كييف بتقديم تفسير شامل حول الهجوم على أطفال من مواطنينا في بريانسك القدس العربي - مونديال 2026: آلاف المشجعين الأردنيين ملأوا المدرج الروماني لمتابعة “النشامى”-(فيديو) العربية نت - قفزة قياسية لتدفقات الأموال الساخنة في مصر.. نحو 3 مليارات دولار اليوم وكالة شينخوا الصينية - حماس: نأمل أن تمهد مرونتنا في مفاوضات القاهرة لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وكالة الأناضول - إسرائيل تقر بناء مدرسة بالخليل في أول تطبيق لسلب صلاحيات من بلديتها يني شفق العربية - الطاقة الدولية: انخفاض طلب النفط 1.1 مليون برميل 2026 Euronews عــربي - مستوطنون يلحقون أضراراً بمسجدين في الضفة الغربية.. وعبارات "انتقام" على الجدران سكاي نيوز عربية - "أوكسفام" تحذر من اتساع تفشي إيبولا دون رصد
عامة

جنرالات بياقات بيضاء.. كيف خدع وادي السيليكون العالم؟

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

في يناير/كانون الثاني 2020، وقف وزير الخارجية الأمريكي حينها، مايك بومبيو، أمام جمع من مديري شركات وادي السيليكون، محذرا إياهم من خطر يأتي من الصين، وشارحا لهم إستراتيجية صينية أُطلق عليها" الاندماج ا...

في يناير/كانون الثاني 2020، وقف وزير الخارجية الأمريكي حينها، مايك بومبيو، أمام جمع من مديري شركات وادي السيليكون، محذرا إياهم من خطر يأتي من الصين، وشارحا لهم إستراتيجية صينية أُطلق عليها" الاندماج العسكري-المدني"، وقال بنص كلماته: " بموجب القانون الصيني، يتعيَّن على الشركات والباحثين الصينيين، تحت طائلة العقوبة القانونية، أن يشاركوا تقنياتهم مع الجيش الصيني".

وصفت وثائق وزارة الخارجية الأمريكية، المنشورة في الأشهر التالية، الإستراتيجية الصينية بأنها" محاولة متعمدة لمحو الحدود بين القطاعين العسكري والمدني في الصين"، وبأنها" تهدد الثقة والشفافية والتبادل والقيم المشتركة" التي تقوم عليها التجارة الدولية.

واستندت إدارة ترمب وقتها إلى هذا التوصيف لإصدار قرارات تنفيذية، وفرض عقوبات على شركات صينية مثل هواوي، وإطلاق ما عُرف بحرب أشباه الموصلات.

list 1 of 2سر قميص هايتي الذي حجبه الفيفا عن العالمlist 2 of 2جنرالات الشاشة: في نقد العبقرية الاستراتيجية بعد المعركة!في 30 يناير/كانون الثاني 2025، وبعد 5 أعوام بالضبط من ذلك الخطاب، نشر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن تقريرا بعنوان: " ثورة التكنولوجيا والحرب غير النظامية"، لكاتبه سيث جونز، رئيس قسم الدفاع والأمن في المركز.

ويدعو التقرير، بصياغته الصريحة، إلى أن" تعيد المؤسستان العسكرية والاستخبارية في واشنطن النظر بشكل جذري في طريقة عملهما مع القطاع التجاري"، وأن" تعامل الكيانات التجارية بوصفهم شركاء يخدمون هدفا مشتركا".

ما تصفه واشنطن بأنه" محاولة لمحو الحدود بين القطاعين العسكري والمدني" حين تفعله بكين، تصفه بأنه" إعادة نظر في طريقة العمل مع القطاع التجاري" حين تطلبه من نفسها.

وما تعده" تهديدا للقيم المشتركة" في يد صينية، تعده" ابتكارا تجاريا" في يد أمريكية.

تختلف الكلمات والمصطلحات، ولكن الأفعال حين تقاس على أرض الواقع، تبدو متقاربة إلى حد يدعو للريبة، بل تبدو في الجانب الأمريكي أكثر وضوحا كما شهدنا خلال أحداث الحرب على إيران.

" استخدمت واشنطن نموذج الذكاء الاصطناعي كلود الذي تطوره شركة أنثروبيك في ترشيح الأهداف أثناء حرب إيران"على مدار الحرب الأخيرة، نقلت الولايات المتحدة هذا التقارب مع القطاع الخاص من النص إلى أرض الميدان.

وبحسب تقارير رصدت دور شركات التكنولوجيا الأمريكية في تلك الحرب، عمل جزء من خطوط ترشيح الأهداف عبر نموذج الذكاء الاصطناعي الشهير" كلود" الذي تطوره شركة" أنثروبيك" الأمريكية.

وساهمت في هذا الترتيب شركات تقنية مدنية أخرى، نتعامل مع منتجاتها يوميا، مثل أمازون ومايكروسوفت وغوغل وأوراكل، وهي الشركات نفسها التي تحمل بعض خدماتها على هاتفك، وتطلب من بعضها الآخر سلعة تصلك إلى باب منزلك.

ببساطة، عملت البنية الرقمية المدنية ذاتها، وفقا لما هو موثق، في رسم خطوط الاستهداف خلال الحرب على إيران، ليتركنا هذا أمام سؤال محبط: كيف أصبح وادي السيليكون ذراعا عسكريا للبنتاغون؟لم يبدأ هذا التحول من الفراغ، بل سبقه عقد كامل صنعت فيه شركات وادي السيليكون لنفسها صورة علنية مغايرة؛ صورة تضع فيها نفسها على مسافة كافية من الجيش الأمريكي، وتقف في وجه الحكومة حين تتعدى على بيانات المستخدمين، وتتعهد بألا تستخدم تقنياتها في صناعة الأسلحة.

بدأ ذلك المسار العلني في يونيو/حزيران 2013، حين كشف إدوارد سنودن وثائق وكالة الأمن القومي الأمريكية التي أظهرت تورط الشركات الأمريكية الكبرى في برامج المراقبة الجماعية.

حينها جاء الرد سريعا، ففي ديسمبر/كانون الأول 2013، تأسس تحالف" إصلاح المراقبة الحكومية" الذي ضم شركات آبل وغوغل ومايكروسوفت وفيسبوك ولينكدإن وتويتر وياهو وأمريكا أون لاين.

وطالب ذلك التحالف الكونغرس بإصلاح قوانين المراقبة، وأصدرت الشركات بيانات متكررة تطلب فيها وضع حدود صارمة على ما يمكن للأجهزة الحكومية الوصول إليه.

" شركات الخدمات السحابية الأمريكية خسرت بين 35 و180 مليار دولار من العملاء الدوليين بسبب القلق من اختراق وكالة الأمن القومي لبياناتهم"وفي عام 2014، بدأت الشركات تترجم الخطاب إلى منتجات؛ أطلقت آبل نسخة نظام التشغيل" آي أو إس 8" التي شفرت بيانات الجهاز افتراضيا، وذكرت في وثيقة المنتج أن خصوصية المستخدم هي السبب.

وشفرت غوغل وياهو حركة البريد بين خوادمهما بعد أن تبين أن وكالة الأمن القومي كانت تعترضها.

وقدرت دراسة صناعية أن شركات الخدمات السحابية الأمريكية خسرت بين 35 و180 مليار دولار من العملاء الدوليين بسبب القلق من اختراق الوكالة لبياناتهم.

لقد أصبحت الخصوصية ميزة تجارية تسوق بها الشركات منتجاتها.

جاءت اللحظة الأبرز في هذا الأداء في فبراير/شباط 2016، حين طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) من شركة آبل أن تطور أداة لفك تشفير هاتف آيفون يعود لأحد منفذي هجوم سان برناردينو، وهو هجوم مسلح حدث في ديسمبر/كانون الأول 2015 في مدينة سان برناردينو بولاية كاليفورنيا، وأودى بحياة 14 شخصا وأصاب 22 آخرين.

رد حينها تيم كوك، الرئيس التنفيذي للشركة، برسالة مفتوحة إلى عملاء الشركة، نشرها على الموقع الرسمي، عنوانها" رسالة إلى عملائنا"، وذكر فيها: " طلبت منا الحكومة الأمريكية أمرا غير مسبوق، يهدد أمن عملائنا.

ونحن نعارض هذا الأمر، الذي تتجاوز تبعاته القضية المنظورة أمام المحكمة".

ووصف ما طلبه المكتب بأنه" باب خلفي في الآيفون"، مذكرا بأن" الحكومة قد تستند إلى قانون الأوامر الكلية الصادر عام 1789 لإجبار آبل على إنشاء برمجيات مراقبة، وقراءة الرسائل، والوصول إلى السجلات الصحية والمالية، وتتبع المواقع، أو تشغيل كاميرا الهاتف وميكروفونه دون علم المستخدم".

انتهت القضية بانسحاب مكتب التحقيقات الفيدرالي بعد أن وجد جهة ثالثة تخترق الجهاز نيابة عنه، لكن الصورة التي بقيت في الأذهان كانت صورة شركة تجارية أمريكية تقف في وجه أكبر جهاز أمني في بلدها، دفاعا عن خصوصية المستخدم.

بحلول عام 2018، انتقل الاحتجاج إلى داخل الشركات نفسها، حين خرج الآلاف من موظفي شركة غوغل ضد مشروع" ميفن"، وهو عقد سري بين الشركة والبنتاغون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل لقطات من طائرات مسيرة.

وقع نحو 4 آلاف موظف حينها عريضة داخلية، واستقال 12 منهم على الأقل احتجاجا.

وقد تراجعت الشركة بعدئذ، وأعلنت عدم تجديد العقد عند انتهائه في مارس/آذار 2019، ونشرت ما عُرف بـ" مبادئ الذكاء الاصطناعي"، التي تتعهد فيها بألا تطور تقنيات تخدم الأسلحة أو منظومات المراقبة التي تخالف المعايير الدولية.

لاحقا، في العام نفسه، انسحبت غوغل من المنافسة على عقد" جيداي" (JEDI) السحابي للبنتاغون، وقيمته 10 مليارات دولار، بحجة أنه قد لا يتوافق مع هذه المبادئ.

بالتزامن، في أكتوبر/تشرين الأول 2018، نشر موظفون في مايكروسوفت رسالة مفتوحة على منصة" ميديوم"، وقع عليها أكثر من 200 موظف، طالبوا فيها الشركة بالانسحاب من مزايدة عقد جيداي، وكتبوا: " حين قررنا العمل في مايكروسوفت، فعلنا ذلك أملا في تمكين كل شخص على هذا الكوكب من تحقيق المزيد، لا بنية إزهاق الأرواح، وتعزيز القوة التدميرية".

وأشاروا تحديدا إلى تصريح مسؤول كبير في وزارة الدفاع الأمريكية حينها، جون غيبسون، الذي قال خلال فعالية تعريفية بمشروع جيداي إن هذا البرنامج" يتعلق بزيادة القوة التدميرية في وزارتنا".

شكلت تلك المواقف الصورة العلنية لشركات وادي السيليكون على مدار تلك السنوات الفاصلة بعد عام 2013، والتي شهدت شركات تتعهد علنا بحدود أخلاقية، وموظفين يحتجون على تصرفات الشركات، ومديرين يعلنون مبادئ الذكاء الاصطناعي، وصحافة أمريكية تحتفي بتلك التصرفات.

لكن ما كان يحدث على الجانب الآخر من المشهد، بعيدا عن المؤتمرات الصحفية وبيانات الشركات، كشف صورة مغايرة مع مرور الوقت.

في الكواليس، كانت معظم تلك الشركات السابقة تنتقل في الاتجاه المعاكس، وما عُرض على الجمهور في صورة احتجاجات ومبادئ وانسحابات من مشاريع عسكرية، كان يجري نقضه في الخفاء، خلال السنوات ذاتها التي بدت فيها الواجهة العلنية أكثر صلابة.

ففي عام 2013، أي العام نفسه الذي كشفت فيه وثائق سنودن عن دور وادي السيليكون في برامج المراقبة الجماعية، وقعت أمازون، عبر ذراعها للخدمات السحابية" أمازون ويب سيرفيسز" (AWS) عقدا بنحو 600 مليون دولار مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) لبناء سحابة خاصة تخدم جميع أجهزة الاستخبارات الأمريكية.

وبحلول أغسطس/آب 2021، فازت أمازون أيضا بعقد سري مع وكالة الأمن القومي بقيمة 10 مليارات دولار، عُرف داخليا باسم" وايلد آند ستورمي"، ينقل بنية بيانات الوكالة، بما فيها استخبارات الإشارة والمراقبة الخارجية، إلى السحابة التجارية لأمازون.

" ما عُرض على الجمهور في صورة احتجاجات ومبادئ وانسحابات من مشاريع عسكرية، كان يجري نقضه في الخفاء"وفي عام 2020، أعلنت وكالة الاستخبارات المركزية عن عقد جديد باسم" سي تو إي" (C2E)، أو" المؤسسة السحابية التجارية"، فازت به 5 شركات معا هي أمازون ومايكروسوفت وغوغل وأوراكل و" آي بي إم".

وقدرت وثائق المشتريات ما قيمته عشرات المليارات على مدى 15 عاما.

ونلاحظ هنا أن غوغل، الشركة التي انسحبت من جيداي عام 2018 احتراما لمبادئها العلنية، كانت من بين الفائزين بهذا العقد بعدها بعامين فقط، وأن مهمة العقد كانت خدمة أجهزة استخبارات الدولة الأمريكية.

وسلكت مايكروسوفت المسار نفسه بسرعة أكبر، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2018، أي بعد أيام قليلة من رسالة الموظفين العلنية التي ذكرناها، نشر براد سميث، نائب رئيس الشركة، مدونة رسمية بعنوان" التكنولوجيا والجيش الأمريكي"، وذكر فيها صراحة: " نؤمن بدفاع قوي عن الولايات المتحدة، ونريد لمن يدافعون عنها الوصول إلى أفضل تقنيات الأمة، بما فيها تقنيات مايكروسوفت"، وأضاف أن الشركة تخدم وزارة الدفاع الأمريكية منذ 4 عقود، ولا تنوي التوقف الآن.

وفي عام 2019، فازت الشركة بعقد جيداي السحابي الذي انسحبت منه غوغل، بقيمة 10 مليارات دولار.

وحين أُلغي عقد جيداي عام 2022 وحل محله عقد" عقد القدرة السحابية المشتركة للقتال" (JWCC) متعدد الموردين، كانت بين الفائزين الأربعة، إلى جانب شركات أمازون وأوراكل وغوغل.

و" عقد القدرة السحابية المشتركة للقتال" هو اتفاق تعاقدي أبرمته وزارة الدفاع الأمريكية لتوفير بنية حوسبة سحابية متعددة الموردين، تتيح للجيش تخزين البيانات ومعالجتها ومشاركتها بسرعة وأمان عبر مختلف الفروع والعمليات، بما يدعم اتخاذ القرار ودعم العمليات القتالية.

" أنشأت غوغل قسما جديدا داخل غوغل كلاود، مخصصا للسعي وراء عقود وزارة الدفاع تحديدا"غوغل تحديدا، الشركة التي بنت سرديتها على الانسحاب من عقد جيداي، فازت بحصتها من" عقد القدرة السحابية المشتركة للقتال" في ديسمبر/كانون الأول 2022.

وكانت قد بدأت قبل ذلك بأشهر، تحديدا في يونيو/حزيران من العام نفسه، بإنشاء قسم جديد داخل" غوغل كلاود"، مخصص للسعي وراء عقود" شبكات المعارك" التابعة لوزارة الدفاع تحديدا.

ثم، في 4 فبراير/شباط 2025، حذفت غوغل من مبادئ الذكاء الاصطناعي الفقرات التي كانت تحظر صراحة تطوير الأسلحة وأنظمة المراقبة.

إذ تذكر الصياغة الجديدة أن الشركة ستعمل مع" الشركات والحكومات والمنظمات التي تشارك هذه القيم"، لتطوير ذكاء اصطناعي" يدعم الأمن القومي".

الفاصل بين الصياغة الجديدة، وبين تقرير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، الذي يطلب دمج القطاع التجاري في الجهد العسكري، كان 5 أيام فقط.

يقدم مشروع" نيمبوس"، العقد المشترك بين غوغل وأمازون مع حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 2021 بقيمة 1.

2 مليار دولار، يقدم نموذجا أكثر إحكاما.

وتكشف الوثائق المسربة بنودا تحظر على الشركتين تقييد الاستخدام الإسرائيلي للخدمة، حتى لو خالف هذا الاستخدام شروط الخدمة المعلنة لديهما.

ووفقا لوثائق داخلية، كشفها موقع" ذا إنترسبت" فإن المستشارين القانونيين في غوغل أنفسهم حذروا قبل التوقيع من أن بنود العقد تجعل الشركة شريكة، بحكم النص، في انتهاكات محتملة لحقوق الإنسان.

وحتى لو قررت غوغل غدا الانسحاب، فإن العقوبات التعاقدية قد تفوق كلفة انسحابها من عقد جيداي عام 2018.

وفي الخلفية، كانت الأرقام تتحرك بمعدل يصعب على أي احتجاج أن يواكبه، إذ تتوقع التقديرات أن يتجاوز إنفاق الشركات السحابية الكبرى 600 مليار دولار في عام 2026 وحده، ستذهب نحو 75% منها إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

يعني ذلك أن الشركات نفسها التي انتقدت تجاوزات وكالة الأمن القومي بشأن الخصوصية عام 2013، تؤسس اليوم البنية التحتية التي تُشغل منظومة المراقبة الأمريكية حول العالم.

" الشركات التي انتقدت تجاوزات وكالة الأمن القومي عام 2013، تؤسس اليوم البنية التحتية التي تُشغل منظومة المراقبة الأمريكية حول العالم"غير أن السردية التي بُنيت على احتجاجات الموظفين، وعلى مبادئ الذكاء الاصطناعي، وعلى الانسحاب من العقود، لم تكن خاطئة بالكامل.

كانت الاحتجاجات حقيقية، والانسحابات معلنة، والمبادئ منشورة.

ما لم يكن صحيحا هو أنها كانت تعكس ما يحدث فعلا على أرض الواقع، فخلف الواجهة كان الاندماج يتسارع بأرقام أكبر وعقود أطول، وبتشابك يصعب تفكيكه مع المؤسسة العسكرية.

وحين انفجرت الحرب على إيران في فبراير/شباط الماضي، لم يكن ما يحدث جديدا، بل ظهر للعلن بهذا الوضوح لأول مرة ليس إلا.

البنية الرقمية التي لم تنفصلتقوم السردية التي قرأناها حتى هذه اللحظة على فكرة ضمنية مفادها أن خطا فاصلا بين القطاع التجاري والجيش الأمريكي وُجد في وقت ما، ثم جرى تجاوزه.

ولكن النظر إلى البنية التشغيلية للحرب الحديثة يكشف صورة أعقد، فعلى الأرجح أن هذا الخط لم يُكسر، لأنه لم يكن موجودا من الأساس بالشكل الذي افترضناه.

لا تعتمد عمليات الاستهداف الحديثة على عتاد عسكري مستقل، بل تُبنى على طبقات متراكمة من البنية التحتية التجارية؛ الطبقة الأدنى هي الحوسبة السحابية، التي توفرها عقود مثل" عقد القدرة السحابية المشتركة للقتال".

وتعمل فوقها طبقة الذكاء الاصطناعي التي تُعالج البيانات، وفوق تلك الطبقة تقع أنظمة دعم القرار التي تربط النتائج بشاشة المحلل العسكري.

وكلها، من الأسفل إلى الأعلى، يقدمها قطاع تجاري، تُسوق منتجاته في السوق المدنية بأسماء مألوفة.

المثال الأوضح هو" نظام ميفن الذكي" وهو الامتداد الفعلي للمشروع الذي احتج موظفو غوغل عليه عام 2018، وافترض الجمهور آنذاك أنه أُغلق بانسحابها.

لم يُغلق المشروع، وأكمله البنتاغون مع شركات أخرى، إذ تطوره اليوم شركة" بالانتير" بالشراكة مع البنتاغون.

وهذا النظام، بحسب التقارير الميدانية الصادرة أثناء الحرب على إيران، يُعد الركيزة المحورية لمنظومة الاستهداف الأمريكية.

" يعد نظام ميفن الركيزة الأساسية لمنظومة الاستهداف الأمريكية وتطوره بشكل أساسي شركة بالانتير"يعمل النظام عبر دمج صور الأقمار الصناعية ولقطات الطائرات المسيرة وبيانات الرادار والإشارات اللاسلكية في منصّة موحدة تُصنف الأهداف، وتقترح الأسلحة المناسبة، وتولد حزم الضربات في الزمن الحقيقي تقريبا.

وضمن هذا النظام، يعمل نموذج" كلود" التابع لشركة أنثروبيك، ووظيفته تلخيص المعلومات الاستخبارية وتحليل البيانات ومحاكاة السيناريوهات، فما كان يستغرق ساعات أو أياما، يحدث الآن في دقائق.

وقد وصف الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، هذا الترتيب علنا، إذ قال في تحديث مصور في مارس/آذار الماضي: " إن مقاتلينا يستفيدون من مجموعة متنوعة من أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

وتساعد هذه الأنظمة على غربلة كميات هائلة من البيانات في ثوان، حتى يستطيع القادة قطع الضوضاء، واتخاذ قرارات أذكى وأسرع مما يستطيع العدو الرد به".

وهو تصريح علني، يصدر عن أعلى مستوى في القيادة العسكرية الأمريكية في المنطقة، والشركات التي يصفها هي بالضبط الشركات التي قرأنا أسماءها حتى الآن.

الإيقاع التشغيلي الذي تنتجه هذه البنية يُعطي قياسا ملموسا لما يعنيه ذلك الاندماج، فعلى مدار الـ 24 ساعة الأولى من الحرب، ضربت القيادة المركزية أكثر من ألف هدف داخل إيران.

وعلى مدار العملية، كان المحللون يعالجون نحو ألف هدف يوميا، باستخدام نحو 10% فقط من الموارد البشرية التي كانت مطلوبة سابقا لإنجاز المهمة ذاتها.

ذلك الإيقاع، بهذه الكثافة، لا يمكن لمنظومة بشرية خالصة أن تنتجه، لذا فهو عمليا إيقاع تفرضه الآلة على الإنسان، وليس العكس.

" هذا الإيقاع، بهذه الكثافة للضربات، لا يمكن لمنظومة بشرية خالصة أن تنتجه، لذا فهو عمليا إيقاع تفرضه الآلة على الإنسان، وليس العكس"الجانب الإسرائيلي يضيف طبقة موازية، إذ أكد جيش الاحتلال في مارس/آذار الماضي أن البنية الذكية التي طورها خلال الحرب على غزة باتت" تعمل بكامل طاقتها"، وأنها تُستخدم في القتال في لبنان وإيران.

النظام، الذي وصفه مصدر عسكري بأنه" مصنع البيانات"، يُنتج صورة عملياتية موحدة من تدفقات مختلفة، ويعالج خطط الضربات والأهداف.

ويعد عقد" نيمبوس" أحد البنى التحتية التي تمكن هذا النظام من العمل، حيث تعمل الذراع الإسرائيلية والقيادة الأمريكية على البنية ذاتها، وتُنتجان صورة استهداف متوافقة، عبر شركات تجارية مشتركة.

ما يكشفه هذا الترتيب، حين يُقرأ ميدانيا، أن الفصل المُتخيَّل بين القطاع التجاري والعمليات العسكرية لم يكن قائما في البنية التشغيلية، ما يجعل سؤال مثل: " هل تختار الشركة الانخراط في العمليات العسكرية أم لا؟ " سؤالا بلا معنى تقريبا.

فحتى لو امتنعت الشركة عن العقود المعلنة، يبقى منتجها التجاري متاحا عبر سلاسل التوريد ذاتها التي يستخدمها الجيش.

نموذج كلود مثلا، الذي طلبت أنثروبيك صراحة ألا يُستخدم في عمليات المراقبة الحكومية الأمريكية، استُخدم في الحرب على إيران عبر دمجه في منصة" غوثام" الخاصة بشركة بالانتير.

لم يمنع القيد الذي وضعته أنثروبيك على خوادمها من أن يتحول منتجها إلى طبقة في سلسلة الاستهداف الأمريكية، لأن التحكم في" كيف يُستخدم منتجك"، حين يكون منتجك نموذج لغوي يمكن دمجه في أي منصة، يصبح تحكما نظريا.

" لم يمنع القيد الذي وضعته أنثروبيك على خوادمها من أن يتحول منتجها إلى طبقة في سلسلة الاستهداف الأمريكية"الخلاصة النهائية هنا أشد وطأة مما يبدو لأول وهلة، فالفكرة المتداولة عن" وادي سيليكون اختار أن يكون عسكريا"، أو" شركات مدنية تحولت إلى شركات دفاعية"، تفترض وجود نقطة بداية مدنية يمكن العودة إليها.

بينما ما تكشفه البنية التشغيلية للحرب الحديثة هو أن نقطة البداية تلك، على الأرجح، لم تكن موجودة بالشكل الذي افترضته السردية العلنية، لأن الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وأنظمة معالجة البيانات الضخمة، صُممت منذ البداية في بنية مزدوجة الاستخدام، ومُولت بأموال مدنية وحكومية في الوقت نفسه، ووُزعت في أسواق مدنية وحكومية معا.

أما ما حدث من تحولات علنية فقد كان إعادة هيكلة لخطاب الشركات حول بنية رقمية كانت موجودة فعلا.

ولذا لعل الخط الفاصل المتخيَّل بين المدني والعسكري، في القطاع التكنولوجي الأمريكي، لم يُكسر عام 2025 ولا عام 2026، لأنه لم يكن قائما في الواقع إلا على الورق.

وما كشفته الحرب على إيران ليس بداية الاندماج بينهما، بل يمكن اعتباره لحظة ظهور ذلك الاندماج بما لا يدع مجالا لسرديات أخرى.

السؤال الذي تطرحه هذه الخلاصة هو: لم صمدت السردية المدنية لشركات التقنية لعقد كامل، رغم أن البنية التحتية كانت تنقضها في كل مرحلة؟ السبب الأبرز، على الأرجح، أن الشركات كانت تستفيد من تلك السردية ونقيضها في الوقت ذاته، أي أنها كانت تربح من الهويتين معا.

من الجهة الحكومية، ضمنت لها العقود الفيدرالية تدفقا ماليا مستقرا، كما شهدنا من أرقام التعاقدات الحكومية.

ومن الجهة التجارية، ضمنت السردية المدنية ثقة المستهلكين، وعلاقات الشركاء الدوليين، والقدرة على بيع المنتجات في أسواق يهتم زبائنها بحقوق الإنسان وحرية التعبير وخصوصية البيانات.

كانت سردية" مايكروسوفت تدافع عن خصوصيتك"، و" غوغل لا تُطوِّر الأسلحة"، و" آبل تقف في وجه مكتب التحقيقات الفيدرالي" منتجات تسويقية لا تقل أهميةً عن المنتجات الفعلية.

وكل تعهد علني، وكل احتجاج لموظفين، وكل مدونة لمسؤول تنفيذي رفيع، كانت تُسهم في طمأنة العميل التجاري بأن خوادمه ليست متورطة فيما يعارضه.

" كل تعهد علني، وكل احتجاج لموظفين، وكل مدونة لمسؤول تنفيذي رفيع، كانت تُسهم في طمأنة العميل التجاري بأن خوادمه ليست متورطة فيما يعارضه"ولأن السرديتين كانتا تربحان معا، صار التخلي عن أيٍّ منهما خسارة؛ التخلي عن الشراكات الحكومية يعني خسارة عقود بمليارات الدولارات، والتخلي عن السردية المدنية يعني خسارة المستهلك الذي يُموِّل النصف الآخر من الميزانية.

الحل التشغيلي كان الإبقاء على الاثنتين في الوقت ذاته؛ تصدر الشركة بيانا علنيًّا عن مبادئها، وتوقع في الأسبوع نفسه عقدا مع الاستخبارات.

تنشر مدونة عن خصوصية المستخدم، وتستضيف على خوادمها بيئة مراقبة للوحدة 8200 الإسرائيلية.

ينسحب موظفوها من مشروع، وتفتح الشركة قسما جديدا للبحث عن عقود المعارك التابعة للبنتاغون.

لخص تعليق جيمس هندرسون، المسؤول التنفيذي لشركة" هيليكس" للاستشارات الأمنية، ما يحدث، حين صرح قائلا: " تُعامل الأصول التكنولوجية اليوم باعتبارها جزءا من الصراع، وليس على هامشه".

هذا ما شهدته طهران، ورأته أسواق الأموال، وشعر به المستهلك الذي تصله سلعة من خادم أمازون؛ ما أُخفي عن الأعين طيلة عقد، صار قابلا للقياس بسعر السهم.

ولذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو كيف أصبح وادي السيليكون ذراعا عسكريا للبنتاغون؟ ، بقدر ما يصبح: كيف اكتشفنا متأخرا زيف تلك المنظومة التقنية، التي ظلت تدَّعي المدنية، وتدعم العمليات العسكرية ضد مستهلكيها في الخفاء؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك