في المسألة الإيرانية وفي الساحة اللبنانية على حد سواء، يؤدي انعدام التفكير الاستراتيجي وعملية اتخاذ قرارات مرتبة إلى تبني قرارات دون فحص معمق لتداعياتها.
بدلاً من دراسة مرتبة وفهم قيود القوة الإسرائيلية، تتخذ مرة تلو أخرى قرارات تعتمد على الحدس والارتجال والثقة المبالغ فيها في قدرة القوة العسكرية على حل مشاكل سياسية مركبة.
القصة اللبنانية تجسد هذا أكثر من أي شيء آخر.
فقد كان واضحاً منذ المرحلة المبكرة بأن وجهة الولايات المتحدة نحو اتفاق مع إيران، وأن مثل هذا الاتفاق سيتضمن الساحة اللبنانية أيضاً.
في مثل هذا الواقع، كان ممكناً التوقع أن تعمل إسرائيل مسبقاً على استخدام التطورات في صالح الجهات المعتدلة في لبنان، وعلى رأسها حكومة لبنان التي تسعى إلى إضعاف حزب الله.
أما عملياً فحصل العكس؛ فبدلاً من منح حكومة لبنان إنجازات تعزز مكانتها وتسمح لها بعرض نفسها بديلاً لحزب الله، أدارت إسرائيل الأحداث بشكل عزز الادعاء بأن إيران وحزب الله هما القادران فقط على فرض وقف النار.
وبدلاً من استغلال شر القضاء في السياق الإيراني لمساعدة الجهات المعتدلة، فقد ساهم سلوكها بالذات في تعزيز مكانة إيران وحزب الله.
في السياق الإيراني أيضاً، يصعب تجاهل سلسلة فرضيات أساس تبينت منقطعة عن الواقع.
فالفرضية بشأن ضعف الساحة الإيرانية والقدرة على إحداث تغيير للنظام من خلال استخدام القوة العسكرية، ظهرت لدى جماعات من المعارضة وقوات من الأقليات مثل أمنية أكثر منها تقديراًمسنوداً.
فهي تستند بقدر كبير إلى الغرور والأمل وليس إلى دراسة جذرية.
ربما ليس في ذلك مفاجأة؛ ففي إسرائيل اليوم، يكاد ينعدم وجود جسم مهمته طرح علامات استفهام أمام المستوى السياسي، أما الكابنيت فتحول إلى ختم في حالات عديدة، وهيئة الأمن القومي تجد صعوبة في تأدية واجبها، وجهاز الأمن يحذر من أنه بات يظهر كجسم يعيق المستوى السياسي، ووزارة الخارجية أضعف من أن تؤثر على البحث.
فلئن كان يئير دغان وغابي أشكنازي هما اللذان وضعا قبل الحواجز نحو 15 سنة في وجه خطوات بدت لهما خطيرة أكثر مما ينبغي، فقد انقلبت الأمور اليوم رأساًعلى عقب.
إن ضعف المنظومات الاستشارية، وسيطرة رئيس الوزراء المتزايدة خلقا فجوة خطيرة.
يضاف إلى ذلك الخوف المتزايد في المستويات المختلفة من الإعراب عن موقف يتعارض ومفاهيم القادة العسكريين أو المستوى السياسي الرفيع.
أما النتيجة فهي منظومة يتآكل فيها النقد الداخلي وتتقلص فيها القدرة على إجراء بحث حقيقي.
ورغم أنه كان واضحاً بأن حملة “الأسد الصاعد” بعيدة عن الأهداف التي عرضت على الجمهور، فلا نكاد اليوم نسمع أصواتاً ناقدة داخل المنظومة.
حتى عندما كان واضحاً بأن الفرضيات الأساس إشكالية وأن جزءاً من الاستراتيجية تقوم على أساس فهم جزئي للعدو الإيراني، فمشكوك أن تكون هناك جهة ذات مكانة كافية يمكنها أن توقف أو تحذر أو تفرض بحثاًاستراتيجياً حقيقياً.
دون مثل هذه الجهة، وحين يكون صاحب القرار المركزي محوطاً بأناس مدينين له أو من تعيينه، فمن الصعب توقف بحث نقدي حقيقي.
إنجازات عملياتية، ضرر استراتيجيلقد تآكل الردع الإسرائيلي بقدر كبير عندما نجت إيران من المعركة، وأعادت بناء مكانتها بل ونيل تسهيلات اقتصادية.
بالتوازي، تضررت شرعية إسرائيل في واشنطن، ونشأت توترات زائدة مع إدارة كانت شريكاً مركزياًعلى مدى الطريق.
هذه أضرار استراتيجية بعيدة المدى كان ممكناً على الأقل البحث فيها قبل بدء المعركة، وبالتأكيد في أثنائها.
إن المحاولة الإسرائيلية والتشكيك بالاتفاق المتبلور والتسبب بالمواجهة الجبهوية مع البيت الأبيض تبدو عديمة الجدوى الاستراتيجية.
من الصعب ألا يأخذ المرء انطباعاً بأن الحديث يدور عن سياسة ولدت في دائرة ضيقة جداً من أصحاب القرار دون إجراء بحث حقيقي في البدائل وفي الأثمان التي تنطوي عليها.
في السطر الأخير، تحولت دولة إسرائيل إلى دولة تتخذ فيها أحياناً قرارات استراتيجية ثقيلة الوزن دون مسيرة مرتبة، دون دراسة كافية ودون نقد داخلي حقيقي.
من الصعب أن نشرح بشكل مختلف الفجوة الهائلة التي نشأت بين الإنجازات العملياتية المبهرة وبين نتائجها الاستراتيجية مخيبة الآمال.
هذه الفجوة تستوجب استخلاصاً عميقاً للدروس، وأساساً إعادة بناء آليات اتخاذ القرار.
على الأقل من ناحية الحكومة القادمة، ينبغي لهذه أن تكون إحدى المهام الأكثر أهمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك