سكاي نيوز عربية - ترامب: توقيع الاتفاق مع إيران قريب سكاي نيوز عربية - حياة سرية مليئة بالعنف.. السجن المؤبد للأميركي "قاتل النساء" القدس العربي - لاعبو البرازيل يحتفلون بالتمرين الأول لنيمار التلفزيون العربي - زيارة عائلية.. هاري وميغان إلى بريطانيا في يوليو رفقة طفليهما الجزيرة نت - عشرات السوريين اعتقلتهم إسرائيل خلال تصعيد توغلاتها جنوب سوريا الجزيرة نت - ماذا حدث في جمامي؟.. تحقيق لغارديان يفتح ملف ضحايا غارات أمريكية بالصومال وكالة الأناضول - بن غفير: لا يمكننا وقف تدمير المنازل في لبنان والسماح للسكان بالعودة قناة التليفزيون العربي - الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم: موازين القوى تتغير لمصلحة شعوب المنطقة قناة التليفزيون العربي - تشمل جبهة لبنان.. مسؤول بالبيت الأبيض يكشف تفاصيل بنود مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية قناة الجزيرة مباشر - السفير الأمريكي في إسرائيل: لولا إسرائيل لما وجدت الولايات المتحدة
عامة

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (18

سودانايل الإلكترونية
1

تعرّضنا في المقال السابق من هذه السلسلة من المقالات إلى طلب حكومة الإنقاذ لمنظمة إيقاد لإحياء المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان الأم في بداية عام 2002.وكما أوضحنا في ذلك المقال فق...

تعرّضنا في المقال السابق من هذه السلسلة من المقالات إلى طلب حكومة الإنقاذ لمنظمة إيقاد لإحياء المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان الأم في بداية عام 2002.

وكما أوضحنا في ذلك المقال فقد تمّ تقديم ذلك الطلب بعد أن تأكّد لحكومة الإنقاذ فشل استراتيجية السلام من الداخل التي استثمرت فيها الكثير من الوقت والجهد والمال، وأيضاً بعد حدوث عددٍ من التطورات الهامة في المسرح السياسي السوداني.

كان من أبرز تلك التطورات الانشقاق داخل حركة الإنقاذ الإسلامية الحاكمة وبروز حزب المؤتمر الشعبي كحزبٍ معارضٍ.

ناقشنا تردّد منظمة الإيقاد في فتح ملف حلقةٍ ثالثةٍ للتفاوض بعد رفض حكومة الإنقاذ لمبادئ الإيقاد التي صدرت في الجولة الرابعة من الحلقة الأولى في يوليو عام 1994.

وقد تلى ذلك رفض حكومة الإنقاذ مواصلة التفاوض بعد فشل الجولة الثامنة في الحلقة الثانية من المفاوضات في يوليو عام 1999.

غير أن حكومة الإنقاذ وافقت هذه المرة على شروط الإيقاد بعدم الانسحاب من هذه الحلقة من التفاوض مهما طالت، وأكدت الحكومة قبولها مبادئ الإيقاد.

وقد نتج عن ذلك موافقة الإيقاد بدء الحلقة الثالثة من التفاوض بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان.

وكما ناقشنا في المقال السابق فقد بدأت جولة المفاوضات الثالثة في منتجع مشاكوس في دولة كينيا في 17 يونيو عام 2002، التي انتقلت إليها المفاوضات من نيروبي وناكورو بعيداً من مطاردة الإعلام والإعلاميين والدبلوماسيين.

كانت خطّة سكرتارية إيقاد للتفاوض أن تستمر المفاوضات هذه المرّة لأطول فترةٍ ممكنة حتى تضمن الوصول لاتفاق، وأن لا تتقيّد السكرتارية بفترةٍ زمنيةٍ محدّدة للتفاوض كما حدث في جولات المفاوضات السابقة، وأن تبتعد بالمفاوضات من نيروبي حيث السفارات ووسائل الإعلام المتلهّفة لأخبار التفاوض.

وقد نجحت السكرتارية في حشد الدعم المالي اللازم لذلك من أصدقاء الإيقاد.

كما استطاعت أيضاً حشد الدعم السياسي بمشاركة السفير البريطاني ألان قولتي الذي عيّنته المملكة المتحدة مبعوثاً خاصاً للسودان.

وقام الرئيس جورج بوش الذي تمّ انتخابه في نوفمبر عام 2000، بتعيين السيد جون دانفورث مبعوثاً خاصاً للولايات المتحدة الأمريكية للسودان.

وقد ساهم تدخّل السيد كولين باول وزير الخارجية الامريكي في إدارة الرئيس جورج بوش، من وقتٍ لآخر، في دفع عماية التفاوض، كما فعلت مكالمات الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر الهاتفية مع وفد الحركة الشعبية.

بعد خمسة أسابيعٍ من التفاوض تم التوقيع في 20 يوليو عام 2002 على بروتوكول مشاكوس بواسطة الدكتور غازي العتباني ممثل حكومة الإنقاذ، والسيد سلفا كير ممثل الحركة الشعبية لتحرير السودان.

وقد تم التوقيع بالقصر الرئاسي في نيروبي بحضور الرئيس الكيني السيد دانيال أراب موي، وعددٍ من أعضاء السلك الدبلوماسي والوسطاء.

وأصدر مجلس الأمن بياناً رحّب فيه بالاتفاق، وفعلت ذات الشيء مجموعةٌ من الحكومات، من بينها الأمريكية والبريطانية والنرويجية والإيطالية التي شاركت في المفاوضات تحت مظلة شركاء الإيقاد.

سوف نقوم في هذا المقال بنقاش بنود ومواد بروتوكول مشاكوس.

غير أنه لا بد من التذكير قبل بدء هذا النقاش أن بروتوكول مشاكوس الذي وافقت فيه حكومة الإنقاذ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان مع الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم في 20 يوليو عام 2002 قد انبنى على عدة اتفاقياتٍ سابقةٍ تمت فيها موافقة حكومة الإنقاذ واحزاب المعارضة الشمالية جمعاء على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

وقد تعرضنا لهذه الاتفاقيات عدة مرات في المقالات السابقة.

غير انه سيكون مفيداً انعاش الذاكرة بهذه الاتفاقيات قبل بدء النقاش لبنود بروتوكول مشاكوس.

فقد استطاعت الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية (فصيل الناصر ثم الفصيل المتحد، والفصائل الأخرى) في فترة ستِّ سنوات (1992 – 1998)، انتزاع حق تقرير المصير من حكومة الإنقاذ كما يلي:في علان فرانكفورت في 25 يناير 1992.

في ميثاق السلام في 10 أبريل عام 1996.

في اتفاقية الخرطوم للسلام في 21 أبريل عام 1997.

في اتفاقية فشودة في 20 سبتمبر عام 1997.

في دستور السودان لعام 1998كما استطاعت الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم خلال سبعة أعوامٍ (1994 – 2001) انتزاع حق تقرير المصير من كل أحزاب المعارضة الشمالية، كالآتي:من الحزب الاتحادي الديمقراطي في إعلان القاهرة في 13 يوليو 1994.

من حزب الأمة في اتفاق شقدوم في 12 ديسمبر عام 1994.

من الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة وقوات التحالف السودانية في الاتفاق الرباعي في 27 ديسمبر عام 1994.

من كل أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي (الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الامة والحزب الشيوعي) في إعلان أسمرا في 23 يونيو عام 1995.

من حزب المؤتمر الشعبي في اتفاق جنيف في 19 فبراير عام 2001.

عليه فقد انبنى بروتوكول مشاكوس بصورةٍ أو أخرى على بعض بنود هذه الاتفاقيات، كما سنناقش أدناه.

تكوّن بروتوكول مشاكوس من ديباجة وخمسة أجزاء تناولت: المبادئ المتّفق عليها، عملية الانتقال، هياكل الحكم، الدين والدولة، وحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

افتتحت الديباجة بتأكيد رغبة الطرفين في تسوية النزاع في السودان بأسلوبٍ عادلٍ ومستدام عن طريق معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، وعن طريق وضع إطارٍ للحكم يتمّ من خلاله اقتسام السلطة والثروة بصورةٍ عادلة، وضمان حقوق الإنسان.

وأقرت الديباجة أن النزاع في السودان هو أطول نزاعٍ مستمرٍ في أفريقيا، وأنه قد سبّب خسائر مريعة في الأرواح ودمّر البنى التحتية للبلاد، وأهدر الموارد الاقتصادية، وتسبّب في معاناةٍ لم يسبق لها مثيل، ولا سيما فيما يتعلق بشعب جنوب السودان.

وأكدت الديباجة أيضاً أوجه الظلم والتباين التاريخية في التنمية بين مختلف المناطق في السودان التي تحتاج إلى الإصلاح، وأن اللحظة الحالية تُهيئ فرصةً سانحةً للتوصّل إلى اتفاقية سلامٍ شاملٍ لإنهاء الحرب.

كما أقرت الديباجة بأن عملية السلام التي تقوم بها الهيئة الحكومية المشتركة للتنمية “إيقاد” والتي أُعِيدتْ لها الحيوية تحت رعاية الرئيس الكينى دانيال أراب موي، تتيح السبل لتسوية النزاع والتوصّل إلى سلامٍ عادلٍ ومستدام، وتسويةٍ متفاوضٍ عليها، وسلميةٍ وشاملةٍ للنزاع، تقوم على أساس إعلان مبادئ لصالح جميع شعب السودان.

تناول الجزء الأول من البروتوكول مبادئ عامة تؤكّد أن وحدة السودان يجب أن تقوم على أساس الإرادة الحرة لشعبه، والحكم الديمقراطي، والمساءلة، والمساواة، والاحترام، والعدالة لجميع مواطنى السودان.

وأوضح هذا الجزء أن هذه المبادئ ستظل هي الأولوية بالنسبة للطرفين، وأنه من الممكن ردّ مظالم شعب جنوب السودان وتلبية طموحاته ضمن هذا الإطار.

وأقرّ هذا الجزء مبدأين هامين:أولهما أن شعب جنوب السودان له الحق في رقابة وحكم شئون إقليمه والمشاركة بصورة عادلـة في الحكومة القومية،وثانيهما، وهو الأهم، أن شعب جنوب السودان له الحق في تقرير المصير وذلك، ضمن أمورٍ أخرى، عن طريق استفتاء لتحديد وضعهم مستقبلاً.

أكّد هذا الجزء أيضاً أن الدين، والعادات، والتقاليد هى مصدر القوة المعنوية والإلهام بالنسبة للشعب السوداني، وأن شعب السودان له تراثٌ وطموحاتٌ مشتركة.

وعلى ذلك يوافق الطرفان على العمل سويّاً من أجل مجموعة من الأهداف تشمل إقامة نظامٍ ديمقراطى للحكم يأخذ في الحسبان التنوّع الثقافي والعرقي والديني والجنس واللغة، والمساواة بين الجنسين لدى شعب السودان.

وتشمل الأهداف إيجاد حلٍ شامل يعالج التدهور الاقتصادي والاجتماعي في السودان ويستبدل الحرب ليس بمجرد السلام، بل أيضاً بالعدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحترم الحقوق الإنسانية والسياسية الأساسية لجميع الشعب السوداني.

كما تشمل هذه الأهداف التفاوض حول وقفٍ شاملٍ لإطلاق النار وتنفيذه لإنهاء المعاناة والاقتتال الذي يعاني منه الشعب السوداني، وصياغة خطة لعودة اللاجئين، وإعادة التوطين، وإعادة التأهيل، وإعادة البناء والتنمية لمعالجة احتياجات تلك المناطق المتأثّرة بالحرب، وتقويم أوجه الخلل التاريخية في التنمية وتخصيص الموارد.

شملت الأهداف أيضاً تخطيط وتنفيذ اتفاقية السلام بغية جعل وحدة السودان خياراً جاذباً، وبصفةٍ خاصة لشعب جنوب السودان.

حدّد الجزء الثاني من بروتوكول مشاكوس عملية الانتقال ومهام الفترة الانتقالية بغية إنهاء النزاع وضمان مستقبلٍ سلميٍ ومزدهرٍ لكافة شعب السودان، وبغية التعاون في مهمة حكم البلاد.

وقد اتفق الطرفان على تنفيذ اتفاقية السلام طبقاً للتسلسل، والفترات الزمنية والعملية والتي تشمل فترة ما قبل الفترة الانتقالية، ومدتها ستة (6) أشهر، يتمّ فيها إنشاء المؤسسات والآليات المنصوص عليها في اتفاقية السلام، ووقف الأعمال العدوانية، مع وجود آليات ملائمة للمراقبة.

وتجرى الاستعدادات خلال هذه الفترة لتنفيذ وقفٍ شاملٍ لإطلاق النار في أسرع وقتٍ ممكنٍ، وإنشاء آليات لمتابعة تنفيذ اتفاقية السلام، والسعي للحصول على مساعداتٍ دوليةٍ للمساهمة في تنفيذ الاتفاقية، ووضع إطارٍ دستوريٍ لاتفاقية السلام.

وتبدأ الفترة الانتقالية بعد نهاية الفترة قبل الانتقالية، وتمتد إلى ست سنوات، تعمل خلالها المؤسسات والآليات التي أُنشئت خلال فترة ما قبل الفترة الانتقالية طبقا للترتيبات والمبادئ المحدّدة في اتفاقية السلام.

وتُشكّل خلال الفترة الانتقالية مفوضية التقويم والتقدير لمتابعة تنفيذ اتفاقية السلام، وإجراء تقويم منتصف الفترة لترتيبات الوحدة التي وُضِعت وفقاً لاتفاقية السلام.

وتتكّون المفوضية من تمثيلٍ متساوٍ لحكومة السودان والحركة الشعبية، وما لا يزيد عن ممثلين اثنين لكلٍ من الدول الأعضاء في اللجنة الفرعية للإيقاد بشأن السودان (جيبوتى، إريتريا، إثيوبيا، كينيا ويوغندا)، والدول المراقبة (إيطاليا، النرويج، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الامريكية)، وأي بلدانٍ أو هيئاتٍ إقليمية أو دولية أخرى يتفق عليها الطرفان.

وألزم البروتوكول الأطراف للعمل مع المفوضية خلال الفترة الانتقالية بغية تحسين المؤسسات والتدابير التي أنشئت بموجب الاتفاقية، ولجعل وحدة السودان جذابةً لشعب جنوب السودان.

وتضمّن هذا الجزء من البروتوكول أيضاً الترتيبات الخاصة بالاستفتاء والتي تقرأ:“عند نهاية الفترة الانتقالية التي مدتها ستُّ (6) سنوات، يكون هناك استفتاء لشعب جنوب السودان تحت رقابة دولية، يتم تنظيمه بصورةٍ مشتركةٍ بواسطة حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبى لتحرير السودان لكى:“يؤكد وحدة السودان عن طريق التصويت لاعتماد نظام الحكم الذي تمّ وضعه بموجب اتفاقية السلام، أو التصويت للانفصال.

”وألزم البروتوكول الأطراف بالامتناع عن أى شكلٍ من أشكال إلغاء أو إبطال اتفاقية السلام من جانبٍ واحد.

”تناول الجزء الثالث هياكل الحكم في السودان ككل، وأوضّح أنه لإضفاء الفعالية على الاتفاقيات المحدّدة في الجزء الأول من البروتوكول، وفى إطار سودانٍ موحدٍ يعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، يتفق الطرفان على أنه فيما يتعلّق بتقسيم السلطات والهياكل والمهام لمختلف أجهزة الحكم، فإن هيكلة الإطار السياسى للحكم في السودان تتمّ على النحو الموضّح في الدستور القومي للسودان، وهو القانون الأعلى للبلاد والذي يجب أن تتوافق جميع القوانين معه.

على أن ينظّم الدستور العلاقات، ويحدد السلطات والمهام بين مختلف مستويات الحكم، واقتسام الثروة بين نفس الجهات.

ويضمن الدستور القومي حرية العقيدة والعبادة والممارسات الدينية على نحوٍ تام لجميع المواطنين السودانيين.

ونصّ هذا الجزء من البروتوكول على تشكيل مفوضيةٍ قوميةٍ تمثيليةٍ لمراجعة الدستور خلال الفترة قبل الانتقالية تكون مهمتها الأولى صياغة إطارٍ قانونيٍ ودستوريٍ يحكم الفترة الانتقالية ويتضمّن اتفاقية السلام.

ويتم خلال الفترة الانتقالية إجراء عملية مراجعةٍ دستوريةٍ شاملة، على أن لا يُعدّل الدستور أو يُلغى إلا عن طريق إجراءاتٍ خاصةٍ أو أغلبياتٍ مؤهلةٍ بغية حماية أحكام اتفاقية السلام.

تناول هذا الجزء أيضاً تشكيل حكومة قومية تمارس المهام المنوطة بها خلال الفترة الانتقالية.

وتأخذ الحكومة القومية في الحسبان في جميع قوانينها التنوّع الديني والثقافي للشعب السوداني.

غير أن بروتوكول مشاكوس أكّد بوضوح أن:“التشريعات التي تُسنُّ على الصعيد القومي والتي تتأثر بها الولايات خارج جنوب السودان يكون مصدرها الشريعة والتوافق الشعبي.

أما التشريعات التي تُسنُّ على الصعيد القومي، المطبقة على الولايات الجنوبية و/ أو الإقليم الجنوبي فيكون مصدرها التوافق الشعبي، وقيم وعــادات شعب السودان (بما في ذلك تقاليدهم ومعتقداتهم الدينية، احتراماً للتنوع في السودان).

”وأضاف هذا الجزء من البروتوكول أنه عندما يكون هناك تشريعٌ قومي نافذ المفعول في وقتٍ معين، أو تمّ سنّه ومصدره قانونٌ ديني أو عرفي، فإن أيّة ولاية أو إقليم لا تمارس أغلبية السكان فيه مثل هذه الديانة أو العادات، يجوز لهم عندئذ:إما إصدار تشريع يسمح بأعراف أو ممارسات في ذلك الإقليم، تتماشى مع دياناتهم أو عاداتهم،أو يحال القانون إلى مجلس الولايات للموافقة عليه بأغلبية الثلثين، أو البدء في تشريعٍ قومي ينصّ على مثل هذه الأعراف البديلة اللازمة حسبما هو ملائم.

أما الجزء الرابع من البروتوكول فتناول مسألة الدين والدولة، وأقرّ بأن السودان بلدٌ متعدّد الثقافات، ومتعدّد الجنسيات ومتعدّد الأعراق، ومتعدّد الديانات، ومتعدّد اللغات، وأكّد عدم استخدام الديانة كعاملٍ للفرقة.

وأكّد هذا الجزء من البروتوكول اتفاق الأطراف على عدّة مبادئ منها أن الديانات والعادات والمعتقدات هى مصدر للقوة المعنوية والإلهام بالنسبة للشعب السوداني، وأن حرية العقيدة والعبادة والضمير مكفولةٌ لأتباع جميع الديانات أو المعتقدات أو العادات، ولا يتمّ التمييز ضد أى شخصٍ على هذه الأسس.

أكّدت تلك المبادئ كذلك أن الأهلية للمناصب العامة، بما في ذلك رئاسة الجمهورية، والخدمة العامة والتمتّع بجميع الحقوق والواجبات، تكون على أساس المواطنة وليس على أساس الدين أو المعتقدات أو العادات.

وأن جميع المسائل الشخصية والأسرية بما فيها الزواج، والطلاق، والميراث، والتوارث والنسب، تحكمها القوانين الشخصيـة (بما في ذلك الشريعة أو أي قوانين دينية أخرى، أو عادات أو تقاليد) للأفراد المعنيين.

وأشار هذا الجزء إلى ضرورة احترام العبادة أو التجمّع الخاص بديانة أو معتقد، وإقامة وصيانة أماكن لهذه الأغراض، واحترام إقامة مؤسسات خيرية أو إنسانية ملائمة والحفاظ عليها، وكتابة وإصدار ونشر المطبوعات الخاصة بتلك المجالات، وتدريس الديانة أو المعتقد في أماكن مناسبة لهذه الأغراض.

كما أكّد حقَّ هذه المؤسسات في التماس وتلقّي المساهمات المالية الطوعية وغيرها من الهبات من الأفراد والمؤسسات، ومراعاة أيام الراحة والاحتفال بالعطلات والمناسبات وفقاً لمبادئ المعتقدات الدينية للشخص.

اختتم الطرفان هذا الجزء من البروتوكول بالتأكيد بأنه تجنباً للشك، لا يخضع أى شخصٍ للتمييز من جانب الحكومة القومية، أو الولاية، أو المؤسسات، أو مجموعة أشخاص أو شخص على أساس الديانة أو معتقدات أخرى، وأكّد أن المبادئ الواردة في هذا الجزء من البروتوكول سوف يعبّر عنها في الدستور القادم للسودان.

عنوان الجزء الخامس من البروتوكول هو “حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

” وكرّر هذا الجزء المواد الخاصة بحقّ تقرير المصير التي وردت في الأجزاء السابقة من البروتوكول نفسه تكراراً حرفياً، بما في ذلك النصوص الخاصة بمفوضية التقدير والتقويم.

وهذا إجراءٌ غريب لأن هذا التكرار لا يضيف أيّة قيمةٍ قانونية للاتفاق،ولكن يبدو أن الغرض منه تأكيد هذه المواد وجمعها في قسمٍ واحد من الاتفاقية.

ويبدو أن هذا التكرار للمواد الخاصة بتقرير المصير هو انعكاسٌ وتأكيدٌ لعدم ثقة الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجانب الحكومي.

وهكذا حسم بروتوكول مشاكوس الجدل حول حق تقرير المصير الذي تعود جذوره لعام 1965 عندما طالب به السيد غوردون مورتات، ممثل جبهة الجنوب في مؤتمر المائدة المستديرة.

اختفى هذا المطلب من لائحة مطالب الأحزاب الجنوبية حتى تمّ بعثه بواسطة فصيل الناصر المنشق من الحركة الشعبية في أغسطس عام 1991، ثم تبنّيه رسمياً بواسطة الحركة الشعبية بعد أسبوعٍ من ذلك في مؤتمر توريت في سبتمبر عام 1991.

غير أن إعلان فرانكفورت الذي صدر في 25 يناير عام 1992 مثّل الاعتراف الرسمي والقانوني بهذا الحق لأول مرة في تاريخ السودان بواسطة حكومةٍ سودانيةٍ، ومهّد الطريق لتضمينه في إعلان المبادئ الذي أصدرته منظمة الإيقاد في 20 يوليو عام 1994، بعد حوالي العامين والنصف من صدور إعلان فرانكفورت.

وقد انبنى بروتوكول مشاكوس بناءً تاماً على مبادئ الإيقاد والتي كانت في حقيقة الأمر ركيزته الأساسية، كما أوضح النقاش في هذا المقال والمقالات السابقة.

ومن المفارقات الغريبة كما ذكرنا في المقال السابق، أن بروتوكول مشاكوس تمّ التوقيع عليه في 20 يوليو عام 2002، أي بعد ثمان سنواتٍ بالضبط من تاريخ صدور مبادئ الإيقاد في 20 يوليو عام 1994، مبنيّةً على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

هناك العديد من الملاحظات على بروتوكول مشاكوس ونصوصه وبنوده وتداعياته، ومنهجية التفاوض لكلٍ من حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان، وكذلك لوفد إيقاد للمفاوضات.

سوف نتعرّض لهذه الملاحظات بقدرٍ من التفصيل في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك