يرتقب أن توقع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم في 19 يونيو/حزيران في سويسرا، في خطوة ينظر إليها كمحاولة لاحتواء مرحلة تصعيد ممتدة أعادت تشكيل توازنات الأمن الإقليمي، ومهدت لمسار تفاوضي قد يمتد 60 يوما نحو اتفاق أكثر شمولا حول الملف النووي والملفات الأمنية المرتبطة به.
يشير محللون إلى أن الجدل حول المسودة لا يتعلق فقط بمضمونها القانوني أو البنود التقنية، بل يعكس تحولا أعمق في بنية الصراع، من منطق" الضغوط القصوى والحسم السريع" إلى منطق" إدارة التوازنات" عبر تفاوض طويل متعدد المستويات، تتداخل فيه الاعتبارات النووية والإقليمية والاقتصادية والأمنية.
اقرأ أيضاناقلات نفط إيرانية تعبر منطقة الحصار الأمريكي قبل يومين من توقيع الاتفاق بين البلدينووفق ما نقلته وكالة بلومبيرغ، تتضمن المسودة المكونة من 14 بندا إطارا انتقاليا يقوم على وقف التصعيد وإعادة فتح قنوات التفاوض، دون الوصول إلى تسوية نهائية، ما يجعلها أقرب إلى" هندسة تهدئة" منها إلى اتفاق سلام مكتمل.
وتشمل البنود إعلان إنهاء الأعمال العدائية على مختلف الجبهات بما فيها لبنان، واحترام السيادة وعدم التدخل، إلى جانب إطلاق مفاوضات خلال 60 يوما قابلة للتمديد، مع ترتيبات موازية لخفض التوتر البحري عبر إعادة حرية الملاحة للطرفين، وبدء انسحابات وتخفيف قيود ميدانية بشكل تدريجي.
كما تتوسع المسودة لتشمل حزمة اقتصادية ونووية وأمنية متكاملة، أبرزها خطة لإعادة إنعاش الاقتصاد الإيراني بتمويل محتمل يصل إلى 300 مليار دولار، ورفع تدريجي وشامل للعقوبات، مقابل التزام إيران بعدم إنتاج سلاح نووي وتجميد الوضع القائم خلال التفاوض.
كما تنص على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، وتأسيس آلية تنفيذ مشتركة، على أن يحال الاتفاق النهائي إلى مجلس الأمن لاعتماده بقرار ملزم، بما يمنحه طابعا دوليا نهائيا.
من منطق الحسم إلى إدارة الصراع.
تحول في فلسفة التفاوضيرى المحلل السياسي المصري والأستاذ في الأكاديمية الروسية للعلوم محمود الأفندي أن التحول من" اتفاق شامل" إلى" مذكرة تفاهم يعكس تراجعا في سقف الطموحات الأمريكية، من مشروع تغيير السلوك أو إعادة تشكيل النظام إلى مقاربة أكثر واقعية تقوم على إدارة الأزمة بدل حلها.
ويعتبر أن هذه الصيغة التمهيدية تعكس" إدراكا أمريكيا متزايدا بصعوبة فرض تسوية نهائية في بيئة إقليمية عالية التعقيد"، حيث تتداخل ملفات الردع النووي مع النفوذ الإقليمي وشبكة الحلفاء، ما يجعل أي اتفاق شامل" مكلفا سياسيا واستراتيجيا".
كما يشير إلى أن تمديد التفاوض إلى 60 يوما يعكس تثبيت منطق" خطوة مقابل خطوة"، وهو ما يراه انتقالا من الدبلوماسية الحاسمة إلى دبلوماسية التدرج، حيث تصبح العملية التفاوضية بحد ذاتها أداة لإعادة تشكيل التوازنات، وليس فقط للوصول إلى اتفاق نهائي.
إعادة تعريف قواعد الاشتباك.
التجميد بدل التسويةتنص البنود الأولى على إنهاء فوري للتصعيد على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، مع التزام الطرفين بعدم استخدام القوة أو التهديد بها، واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وفي هذا السياق يرى الأفندي أن ما يجري لا يندرج ضمن تسوية سياسية نهائية، بل ضمن إعادة تعريف لقواعد الاشتباك الإقليمي، تقوم على" تجميد الصراع" بدل حله، بحيث يتم احتواء المخاطر دون معالجة جذور التنافس الاستراتيجي.
ويشير محللون إلى أن هذا النمط من الاتفاقات يعكس تحولا في إدارة النزاعات الدولية، حيث تصبح الأولوية لتقليل المخاطر النظمية (systemic risk) بدل فرض حلول سياسية شاملة، وهو ما يعيد إنتاج حالة توازن هش طويل الأمد.
في قراءته لتوازن القوى، يرى الأفندي أن إيران خرجت من المواجهة الأخيرة بوضع أكثر تماسكا مما كان متوقعا، مستفيدة من قدرتها على امتصاص الضغوط العسكرية والاقتصادية، والحفاظ على شبكة نفوذ إقليمي تمنحها أدوات تأثير خارج حدودها الجغرافية.
في المقابل، يشير إلى أن الولايات المتحدة لم تنجح في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الكبرى، سواء في كبح البرنامج النووي أو في إعادة تشكيل سلوك إيران الإقليمي، ما دفعها إلى الانتقال من خيار الضغط إلى خيار التفاوض التدريجي.
كما يربط بين بنود تخفيف العقوبات، وفتح مسارات تصدير النفط، وبين إعادة إدماج جزئي لإيران في الاقتصاد العالمي، معتبرا أن ذلك يعكس تحولا في ميزان النفوذ الاقتصادي، حيث لم تعد العقوبات أداة كافية للحسم الاستراتيجي، بل أصبحت جزءا من عملية تفاوض طويلة.
ويخلص إلى أن ما يجري هو" صراع نفوذ ممتد" أكثر من كونه حربا أو أزمة مؤقتة، وأن نتيجتها لا تقاس بالحسم العسكري، بل بقدرة كل طرف على تثبيت موقعه داخل نظام إقليمي غير مستقر.
ارتدادات تتجاوز واشنطن وطهرانعلى صعيد آخر، يرى الأفندي أن تداعيات هذه المواجهة تجاوزت الإطار الثنائي لتكشف تباينات داخل حلف شمال الأطلسي، خصوصا بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بشأن حدود الانخراط في التصعيد الإقليمي.
ويعتبر أن هذه التباينات لا تعني انهيار الحلف، لكنها تشير إلى تحول في طبيعته من كتلة موحدة إلى منظومة مصالح متباينة، حيث تتقدم الحسابات الوطنية على الالتزام الاستراتيجي الجماعي في بعض الملفات الحساسة.
وفي هذا السياق يشير محللون إلى أن الأزمة الإيرانية لم تعد مجرد ملف نووي، بل أصبحت اختبارا لقدرة المنظومة الغربية في الحفاظ على تماسكها في بيئة دولية تتجه نحو التعددية القطبية.
تسوية مؤجلة داخل نظام دولي غير مستقرعلاوة على ما سلف، يرجح أن الإطار المقترح لا يقدم تسوية نهائية بقدر ما يؤسس لمرحلة انتقالية طويلة الأمد، تدار فيها التناقضات بدل حلها.
ويرى محللون أن ميزان الربح والخسارة في هذه المرحلة يبقى غير محسوم، فإيران تحصل على تخفيف تدريجي للضغوط وإعادة تموضع إقليمي، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تجميد التهديد النووي ومنع انفجار أمني واسع، دون القدرة على فرض تسوية شاملة.
وبين هذين المسارين، يتشكل واقع جديد في الشرق الأوسط، يقوم على توازنات غير مكتملة، واتفاقات مؤقتة، ونظام دولي أقل قدرة على إنتاج حسم نهائي سريع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك