تشهد ليبيا منذ سنوات أزمات متكررة وخانقة في توفر الوقود والمحروقات، مع انقطاع الكهرباء صيفًا وشتاءً، وهي أزمة تطفو على السطح بين الحين والآخر لتلقي بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الليبي، وتصيب القطاعات الحيوية بشلل شبه تام، ورغم أن ليبيا تُعد واحدة من أغنى الدول الأفريقية بالثروات النفطية والغازية، وتنفق 40% من الميزانية على الطاقة، إلا أن المفارقة الصادمة تكمن في وقوف المواطنين وسيارات النقل في طوابير طويلة تمتد لكيلومترات أمام محطات التوزيع، أو اضطرارهم للشراء من السوق السوداء بأسعار تصل إلى 30 ضعف السعر الرسمي.
وحول ذلك، صرح رجل الأعمال حسني بي لشبكة “عين ليبيا” بأن أزمة الوقود والطاقة الحالية تكشف فشل منظومة الدعم السعري للمحروقات، وتؤكد الحاجة إلى إصلاح جذري؛ حيث توقفت الكثير من المصانع بسبب أزمة الطاقة، كما شهدت العاصمة طرابلس وعدد من المدن الليبية هذه الأيام أزمة حادة في توفر وقود النافطة لسيارات النقل، أدت إلى طوابير طويلة وارتفاع أجرة النقل، مع بروز احتجاجات شعبية في طريق الشط ومناطق أخرى، في وقت تجاوز فيه سعر لتر النافطة في السوق الموازية 3.
5 دينار للتر، مقابل السعر الرسمي المدعوم البالغ 0.
150 دينار.
وأكد حسني بي أن هذه الأزمة ليست حادثًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لمنظومة دعم سعري استنزفت الاقتصاد الليبي لعقود، وأفقرت الشعب وأغنت المجرمين، وحولت ثروة الشعب إلى مصدر أرباح لشبكات التهريب والاقتصاد الموازي.
الأرقام وحجم الاستنزاف الاقتصاديوتشير التقديرات إلى أن دعم المحروقات والطاقة عام 2024 يستهلك ما يقارب 100 مليار دينار سنويًا، أي نحو 40% من إجمالي الإنفاق العام للدولة، كما يستهلك ما يقارب ثلث إنتاج ليبيا من النفط والغاز بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ورغم هذا الإنفاق الضخم، لا يزال المواطن الليبي يعاني من نقص الوقود وانقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات.
وأضاف رجل الأعمال في تصريحاته قائلًا: “إن ما يحدث اليوم يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كانت الدولة تنفق عشرات المليارات على دعم الوقود، فلماذا يقف المواطن في الطوابير ويدّعي الفقر، وهو قادر على دفع التكلفة باسمه؟ ولماذا يشتري الوقود من السوق السوداء بأسعار تفوق السعر الرسمي بأكثر من 30 ضعفًا؟ ”وتابع موضحًا: “الجواب واضح؛ لأن الدعم السعري لم يعد يومًا إلى المواطن، بل يذهب إلى المهرب والمضارب والسوق الموازية، ولمن لا يحتاج دعمًا من الأساس.
فكلما اتسعت الفجوة بين السعر المحلي والسعر الحقيقي، تحولت هذه الفجوة إلى أرباح مضمونة لشبكات التهريب داخل ليبيا وعبر الحدود البرية والبحرية”.
وأشار حسني بي إلى أن أزمة النافطة والطاقة الحالية ليست أزمة استيراد أو نقص موارد مالية، بل أزمة نموذج اقتصادي فشل في حماية الثروة الوطنية؛ فالدولة تدفع التكلفة، والمواطن يدفع الثمن، بينما يجني الآخرون الأرباح.
ومن هنا تتجدد الدعوة إلى الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن، بحيث تتحول المليارات المخصصة حاليًا لدعم المحروقات والطاقة إلى تحويلات نقدية مباشرة وعادلة للمواطنين، مع تسعير الوقود والكهرباء وفق أسس اقتصادية واضحة، وإغلاق أبواب التهريب والفساد.
وشدد على أن الإصلاح الحقيقي لا يعني رفع الدعم عن المواطن، بل إنقاذ الدعم من السرقة.
ولا يعني تحميل المواطن التكلفة، بل تمكينه من الحصول على نصيبه المباشر من ثروة بلاده بصورة شفافة وعادلة.
ولفت إلى أن الأزمة الحالية أثبتت مرة أخرى أن استمرار الوضع القائم لم يعد خيارًا ممكنًا، وأن أي تأجيل للإصلاح يعني استمرار الطوابير، واستمرار التهريب، واستمرار استنزاف الاحتياطيات والثروة الوطنية.
واختتم رجل الأعمال حسني بي تصريحاته لشبكة “عين ليبيا” بالتأكيد على أن ليبيا لا تعاني من نقص الوقود بقدر ما تعاني من سوء التوزيع وفشل نموذج الدعم، وأن الحل لا يكمن في زيادة الإنفاق على منظومة أثبتت فشلها، بل في إعادة توجيه هذه الموارد إلى المواطن الليبي مباشرة، باعتباره المالك الحقيقي للثروة الوطنية والمستفيد الأول منها، جازمًا بأن “ليبيا لا تحتاج إلى إلغاء الدعم، بل إلى إنقاذه من الهدر والتهريب والفساد”.
هذا، والجدير بالذكر أن أزمة الوقود المتكررة لم تعد مجرد نقص في الإمدادات، بل هي جرس إنذار يؤكد أن إنقاذ الاقتصاد الليبي والتخفيف من معاناة المواطن لن يتحققا إلا بالانتقال الشجاع من “دعم السلعة” إلى “الدعم النقدي المباشر”، لقطع الطريق أمام شبكات التهريب، وضمان وصول ثروات البلاد إلى مستحقيها الفعليين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك