عجلون- بدافع الشغف بتراث الآباء والأجداد، أمضى الباحث العجلوني محمود الشريدة سنوات طويلة في جمع مئات القطع التراثية التي توثق تفاصيل الحياة اليومية في الماضي، ليحولها إلى متحف شعبي في بلدة الوهادنة أصبح مقصدا للزوار والباحثين والمهتمين بالموروث الثقافي، ونافذة تطل منها الأجيال الجديدة على تاريخ الأجداد وأنماط حياتهم وعاداتهم التي شكلت جزءا من الهوية الوطنية الأردنية.
اضافة اعلانويستقطب المتحف الزوار والأفواج السياحية العربية والأجنبية من مختلف دول العالم، مساهما في نشر الوعي الثقافي بين أبناء المجتمع المحلي للاحتفاظ بالموروث التراثي القديم وتعريف الأجيال به، ما يسهم في تنشيط الحركة السياحية في منطقته وعموم المحافظة.
ويضم المتحف نحو 1200 قطعة تراثية وشعبية تؤرخ للأدوات التي كانت سائدة في فترات زمنية تعود إلى أكثر من 150 عاما، وتضم أدوات الطبخ والزراعة والإنارة وأنواع السلاح والعملات واللباس وغيرها الكثير من القطع النادرة.
الشريدة يقول لـ" الغد" إن الاهتمام بتلك الحقبة التاريخية، ونقل طبيعة الحياة فيها إلى الأجيال الحالية، يؤدي رسالة مهمة مفادها ضرورة التعلق بإرث الأجداد، والاطلاع على تعاونهم وتضحياتهم وتشبثهم بالأرض رغم قلة الموارد ووسائل الرفاهية التي نعيشها الآن.
وأضاف أن ما دفعه لتأسيس متحفه ببلدة الوهادنة هو الحنين إلى الماضي، ومحاولة عدم انفصالنا عن ذلك الزمن الجميل وذكرياته، واستذكار صبر وتضحيات من عاشوه على قسوته، مبينا في الوقت ذاته، أن كل تلك الأدوات التراثية تؤرخ لتلك الفترات التي عاشها الأجداد متشبثين بالأرض.
وأشار الشريدة إلى أن المتحف التراثي يعد نموذجا للمقتنيات التراثية والشعبية الأردنية التي كانت سائدة لفترات طويلة، والهادف إلى إعادة إحياء التراث الشعبي في الوهادنة بخاصة، وما كان يستخدمه المواطنون من أدوات لفترات وحقب تاريخية مضت، مؤكدا أن إقدامه على إنشاء المتحف جاء برغبة منه لجمع وإحياء التراث وإطلاع الأجيال على مقتنيات الأجداد، فهو يضم مئات الأدوات والقطع التراثية التي كانت من الأساسيات بالنسبة لحياة المواطنين.
وتابع أن المتحف استطاع أن يستقطب زوارا من مختلف مناطق المحافظة والمملكة، والمغتربين من أهالي البلدة الذين يستذكرون الماضي العريق بكل ما فيه من عبق ومشقة وعناء.
كما أكد الشريدة أنه ما يزال يبحث عن أدوات أخرى غير موجودة حتى يكتمل العقد فيه، لافتا إلى أن المتحف ملتقى توعوي تعقد فيه ندوات وحوارات ومناظرات حول قضايا قومية ووطنية وسياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية تهم المجتمع المحلي، مثمنا لمديرية الثقافة دعمها المعنوي للمتحف، وللمبادرات التطوعية على جهودها في تسويق المواقع السياحية والأثرية والمتاحف والبيوت التراثية.
وبحسب الشريدة، فإن تطور الحياة، وتسارع وتيرة التكنولوجيا، يخلف وراءه أدوات لم تعد موجودة، إلا أنها كانت في زمانها أساسية وضرورية للحياة اليومية السائدة حينها، ما يجعلها في وقتنا الحاضر ذات أهمية تاريخية وتراثية تحكي لنا قصة تلك الأيام وحنين من عاشها، وتلبي رغبة الزوار التائقين إلى مشاهدتها.
وقال إن متحف الوهادنة للتراث الشعبي يعد من أبرز المعالم الثقافية التي تعرض الموروث الأردني عبر مئات المقتنيات التاريخية، ما يجعله نقطة جذب سياحية تسهم في تعزيز الهوية الوطنية والتعريف بعادات وتقاليد الماضي، مشيرا إلى أن المتحف تأسس عام 2017 وجاء كمبادرة للحفاظ على التراث الشعبي وإعادة إحيائه، حيث يضم مقتنيات نادرة تعود إلى حقب زمنية مختلفة من الأدوات الزراعية والمقتنيات المنزلية التقليدية والملابس الشعبية والمخطوطات القديمة.
وبين الشريدة أن المتحف لا يقتصر على عرض المقتنيات فقط، بل يسهم أيضا في توثيق التراث الأردني من خلال إصدار كتابه" متحف الوهادنة للتراث الشعبي.
ذاكرة وطن"، والذي يتناول الجوانب المادية واللامادية للتراث، متطرقا إلى العادات والتقاليد والزراعة وصناعات الحرف اليدوية، إلى جانب قسم خاص بالوثائق والصور التاريخية، في حين أكد أن المتحف أصبح نقطة جذب سياحية مهمة، حيث يستقطب الزوار من مختلف مناطق المملكة وخارجها، لما يقدمه من تجربة حية تروي تاريخ المجتمع الأردني.
ودعا الجهات المعنية إلى تقديم المزيد من الدعم للمتحف لتمكينه من توفير مقتنيات تراثية إضافية تعكس مختلف جوانب الحياة القديمة، بما يسهم في تعزيز دوره كموقع ثقافي وسياحي يحافظ على الهوية الوطنية.
وعن المقتنيات التراثية في المتحف، بين الشريدة أنها مقسمة إلى عناوين هي: " المقتنيات التراثية التي كانت تستخدم لخدمة البيت، والمقتنيات التي تستخدم للزراعة والحراثة والحصاد، ومقتنيات فخارية، ومقتنيات مصنوعة من القش، ومقتنيات تستعمل في الطبخ، ومقتنيات مصنوعة من الجلد، ومقتنيات تستعمل في مختلف مناحي الحياة"، مبينا أن هذه المقتنيات محفوظة في المتحف، وتم تصويرها والشرح عن صناعتها واستعمالها، لتبقى حاضرة في وجدان أجيالنا ومعززة لهويتنا الوطنية.
وخلص الشريدة إلى أن الهدف من إقامة هذا المتحف هو تجسيد حالة من التوعية بأهمية التراث الثقافي في محافظة عجلون، وإبراز أنواع من ألوان الحياة الشعبية التي كانت سائدة في منطقة عجلون خاصة وشمال الأردن عامة في الزمن الماضي، بما يبرز الكثير من أنماط التراث الشعبي العجلوني ويعكس تاريخ المحافظة وإرثها العريق وواقعها الثقافي والمعيشي آنذاك.
وأكد أن الأنشطة الثقافية التي تقام في المتحف معززة ومحافظة على تراثنا الأردني وثقافتنا الوطنية، وتعمق قيم حب الوطن والعمل على إعلاء شأنه من خلال توعية الناشئة بمنجزنا الوطني على كافة الصعد، وضرورة الحفاظ على هذا المنجز والبناء عليه وصولًا إلى مستقبل أردني أفضل، وتشجيع السياحة الداخلية في محافظة عجلون، والحفاظ على المقتنيات التراثية في المتحف، وتسليط الضوء على عاداتنا وتقاليدنا وعلى أسلوب حياة من سبقنا، وبناء جسور التواصل الثقافي بين الأجيال الحاضرة وماضيها.
من جهته، يؤكد مدير ثقافة عجلون سامر فريحات الحرص على دعم المنتديات والهيئات الثقافية والمتاحف التراثية والشعبية لتؤدي رسالتها التنويرية، وتعزيز قدراتها في الحفاظ على التراث الشعبي الذي تتميز به المحافظة.
وبين أن فلسفة المتاحف الشعبية والتراثية قائمة على أساس إشباع الجانب الروحي للراغبين بالاطلاع على طبيعة الحياة التي عاشها الآباء والأجداد وحجم المعاناة التي واجهوها، وحتى تكون كبنك معلومات للباحثين والدارسين في طبيعة وأنماط ومصاعب الحياة التي كانت سائدة في تلك الفترات، حيث تضم عشرات القطع من الأدوات الزراعية كالمحراث والمنجل والمطاحن المنزلية والأواني الفخارية والنحاسية، إضافة إلى أنواع من الأسلحة القديمة كالسيوف والبنادق والمسدسات القديمة، والعديد من الأزياء الشعبية القديمة المطرزة والمهدبة، وأنواع من العملات الحديدية والورقية القديمة، ومئات الوثائق والصور والمجسمات التي تحكي قصصا وحكايات لمراحل سياسية واجتماعية سابقة.
ووفق رئيس لجنة مجلس المحافظة المهندس معاوية عنانبة، فإن المجلس يولي اهتماما خاصا بالقطاع الثقافي في المحافظة إيمانا بأهمية الحفاظ على الإرث التاريخي وتعزيز الوعي المجتمعي به، مشيرا إلى أن المجلس خصص مبلغا ماليا لدعم متحف الوهادنة للتراث الشعبي، بهدف تطوير مرافقه وتحسين وسائل العرض فيه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك