منذ الكشف عن مضمون مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب بينهما، تحول أحد بنود الاتفاقية وهو ما يتعلق بـ" الأموال الإيرانية المجمدة" إلى ما يشبه كرة الثلج كلما زاد الحديث عنها.
يبالغ كثيرون في تقييم تلك الأموال ليضعوها عند ما يصل إلى 120 مليار دولار، لكن أرقاماً أخرى لخبراء آخرين يقولون إنها لا تتجاوز في مجملها 50 مليار دولار.
واللافت في" مذكرة التفاهم" هو إقرار إدارة ترامب بالذات بحق طهران في استعادة تلك الأموال، صحيح أن ذلك سيأتي على مراحل، لكنه سيكون في نهاية المطاف نقضاً لكل المزاعم التي روج لها ترامب نفسه منذ عام 2018 عندما مزق الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة أوباما مع طهران في 2015.
وكانت إحدى نقاط الحديث التي لا يمل ترامب من تكرارها تتمثل في تلك الصورة الكاريكاتورية التي يقدمها عن طائرات أميركية محملة بحقائب من الدولارات إلى طهران لدرجة أنها فرغت خزائن بنوك نيويورك، وهي مزاعم جرى تفنيدها لاحقاً، لكن رواية ترامب ظلت مسيطرة من كثرة تكرارها.
فما هو حجم الأموال الإيرانية المجمدة وأين هي؟يمكن تقسيم الأموال الإيرانية المجمدة إلى نوعين، الأول هو ما جمدته الولايات المتحدة لأنه يقع ضمن نظامها المالي والمصرفي عقب الثورة الإيرانية في عام 1979، والثاني الذي تم تجميده في النظام المصرفي العالمي وفي دول مختلفة بفعل العقوبات المتلاحقة التي فرضتها واشنطن على طهران على مدى عقود، وهو أمر تتشابه تداعياته مع ما يحدث مع روسيا.
- كم تبلغ الأموال الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة؟حين أطاحت الثورة الإيرانية نظام الشاه محمد رضا بهلوي، واستولى طلاب إيرانيون على السفارة الأميركية في طهران في وقت لاحق من عام 1979، واحتجزوا 52 أميركياً رهائن، وقّع الرئيس جيمي كارتر أمراً تنفيذياً يقضي بتجميد نحو 12 مليار دولار من الودائع الحكومية الإيرانية والذهب وممتلكات أخرى خاضعة للولاية القضائية الأميركية.
وبموجب اتفاق الجزائر لعام 1981 الذي أنهى أزمة الرهائن، أُفرج عن جزء كبير من تلك الأموال، يقدّر بنحو 8 مليارات دولار، لصالح إيران، بينما استُخدم الجزء المتبقي لسداد ديون إيرانية مستحقة لبنوك أميركية وأوروبية.
أما الأموال التي بقيت في الولايات المتحدة فقد أصبحت موضع دعاوى قانونية متعددة، وتراجعت قيمتها تدريجياً إلى نحو ملياري دولار.
بعد توقيع الاتفاق النووي بين إدارة أوباما وطهران في عام 2015، قامت الإدارة الأميركية بالفعل بتحويل مبلغ 1.
7 مليار دولار إلى طهران، وهو الأمر الذي تحدث عنه الرئيس ترامب كثيرا وقال إنه كان" فدية" لإطلاق سراح سجناء أميركيين.
لكن ليزا غوش المستشارة القانونية لوزارة الخارجية الأميركية في شهادتها أمام الكونغرس يوم 8 سبتمبر/أيلول 2016، أعلنت أن تلك الأموال عبارة عن 400 مليون دولار كانت إيران قد أودعتها في صندوق المشتريات العسكرية الأميركية تحت حكم الشاه، إضافة إلى مبلغ 1.
3 مليار دولار حجم الفوائد المتراكمة عليها منذ ذلك الحين، وأن الجانبين احتكما إلى هيئة دولية بهذه التسوية سابقاً.
وفي عام 2023، خططت إدارة الرئيس جو بايدن، ضمن صفقة لتبادل السجناء، لتسهيل الإفراج عن 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المحتجزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في أغراض إنسانية.
لكن هذا القرار أُلغي بعد عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما أعقبها من حرب إبادة إسرائيلية على قطاع غزة.
وكان ترامب نفسه قد انتقد سابقاً فكرة تقديم تخفيف مالي لإيران، قائلاً خلال ولايته الرئاسية الأولى إن إيران كانت" على وشك الانهيار" إلى أن سُمح لها بالوصول إلى مليارات الدولارات من الأصول الأجنبية في إطار الاتفاق متعدد الأطراف لعام 2015 الذي قيّد برنامجها النووي.
لكنه يتبنى الآن موقفاً مختلفاً.
وقال ترامب في تصريحات، أمس الأربعاء: " هذه ليست أموالنا، إنها أموالهم.
إذا لم نُعدها إليهم، فلن يستثمر أحد في الدولار مرة أخرى".
والمرجح حسب التقارير الواردة أن الإدارة الأميركية ستسهل الإفراج عما قيمته 24 مليار دولار من تلك الأموال نصفها مع بدء سريان الاتفاق والبقية سيتحدد مصيرها ضمن محادثات الستين يوماً، لكن مصدر الأموال التي سيُفرج عنها حتى الآن لم يتم الكشف عنه.
ما وضع الأموال خارج الولايات المتحدة؟تعود معظم هذه الأموال إلى عائدات مبيعات النفط والغاز التي حالت العقوبات الأميركية دون عودتها إلى طهران بعدما قررت واشنطن قطعها عن النظام المالي.
كانت التقارير المناهضة لاتفاق أوباما 2015 تروج لما مفاده أن حجمها 150 مليار دولار وأن إيران سوف تغرق في بحر من الأموال عندما ترفع العقوبات عن تلك الأرصدة، لكن وزير الخزانة الأميركي جاكوب لو، قال في شهادة أمام مجلس الشيوخ رافقه فيها وزير الخارجية جون كيري في 23 يوليو/تموز 2015 إن تلك الأموال الإيرانية لا تزيد عن 100 مليار دولار وإن نصفها مربوط على سداد ديون خارجية إيرانية وما يتبقى لطهران منها لا يزيد عن 50 مليار دولار.
وكانت الذراع الأميركية الطويلة في النظام المالي العالمي السبب وراء تجميد أموال إيران عالمياً، ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت مذكرة التفاهم الجديدة ستؤدي لتحرير تلك الأرصدة الموجودة عالمياً بشكل تدريجي أم أن ذلك سيظل رهناً بالتوصل إلى اتفاق نهائي حول البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات المفروضة على طهران.
- أين يتركز الجزء الأكبر من الأموال الإيرانية المجمدة؟ذكرت وول ستريت جورنال يوم الاثنين الماضي أن الجزء الأكبر من الأموال الإيرانية المجمدة موجود في الصين، بقيمة تتراوح بين 20 و50 مليار دولار، فيما يحتفظ العراق بنحو 15 مليار دولار قيمة وارداته من الكهرباء والغاز الإيراني.
كما تملك إيران أصولاً مجمدة في الهند وكوريا الجنوبية تقدر بنحو 7 مليارات دولار لكل منهما، إضافة إلى 6 مليارات دولار في قطر، أما اليابان فلديها نحو 3 مليارات دولار من الأموال المجمدة.
لا تجادل هذه الدول جميعاً أن هذه الأموال مستحقة لإيران لقاء تعاملات تجارية أو مشتريات نفط وغاز، لكن سدادها تعطل بسبب خشية أنظمتها المصرفية من نقمة العقوبات الأميركية التي يمكن أن تلحقها في حال التعامل مع إيران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك