بعد إغلاق شبه كامل استمر منذ أواخر فبراير/شباط، يعود مضيق هرمز إلى الحركة تدريجياً بموجب مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، التي نصّت على إعادة فتح المعبر خلال فترة تفاوضية تمتد 60 يوماً، مع التزام إيران بإعادة حركة الملاحة خلال 30 يوماً.
وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني، اليوم الخميس، بأن عبور السفن عبر مضيق هرمز لا يزال يتطلب التنسيق مع بحرية الحرس الثوري.
ووفق النص الكامل لمذكرة التفاهم، تلتزم إيران بفتح مضيق هرمز أمام المرور التجاري الآمن ومن دون رسوم خلال فترة التفاوض، في مقابل رفع الولايات المتحدة الحصار البحري وعدم فرض عقوبات جديدة خلال المرحلة نفسها.
لكن هذا الفتح القانوني والسياسي لا يلغي الحاجة إلى ترتيبات ميدانية، خصوصاً ما يتعلق بإزالة الألغام، وتأمين المسارات البحرية، وطمأنة شركات الشحن والتأمين.
الألغام والضمانات.
الاختبار الأولتمثل إزالة الألغام البحرية أحد أهم البنود العملية في الاتفاق الأميركي الإيراني، لأن نجاح إعادة فتح مضيق هرمز يقاس بقدرة السفن على العبور بأمان ومن دون مخاطر استثنائية.
وتدرك واشنطن وطهران أن الحركة في مضيق هرمز تتوقف أيضاً على قرار بالمرور تتخذه شركات الشحن العالمية وشركات التأمين البحري.
وهذه الشركات هي التي تحدد عملياً حجم الحركة في المضيق وكلفة النقل عبره.
ولهذا السبب لم تعتبر الأسواق عبور أولى الناقلات بعد الاتفاق دليلاً على عودة الوضع إلى طبيعته، بل مجرد بداية لاختبار الممر البحري بعد أشهر من التوتر.
وبحسب مسودة الاتفاق، تلتزم إيران خلال فترة تنفيذ الاتفاق بإزالة الألغام والعوائق التي زرعت أو وضعت خلال فترة الحرب، وتأمين الممرات البحرية المستخدمة من قبل ناقلات النفط والغاز والسفن التجارية، وذلك من ضمن التزاماتها لإعادة تشغيل المضيق خلال مهلة تصل إلى 30 يوماً.
وقال رئيس قطاع أسواق النفط العالمية في" آي.
سي.
آي.
إس" ديفيد جوربنازي، أمس الأربعاء، لوكالة رويترز، إن" استئناف حركة الشحن على نطاق واسع يتطلب إزالة الألغام على مدى أسابيع وعودة أسعار التأمين إلى مستوياتها الطبيعية".
وأضاف أن" العودة الكاملة إلى مستويات ما قبل الحرب تبدو واقعياً هدفاً لعام 2027، وذلك فقط إذا صمد الاتفاق دون حوادث وتعافى الإنتاج بوتيرة سريعة".
وشدد رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول على أن هرمز يجب أن يفتح" من دون شروط"، لأن الثقة هي العنصر الحاسم في أسواق الطاقة.
ووفق" رويترز"، تسبب إغلاق المضيق في تعطيل أكثر من 14 مليون برميل يومياً من إنتاج النفط في الشرق الأوسط، وهو ما وصفته الوكالة بأنه أكبر اضطراب في تاريخ الإمدادات.
ملاك السفن وشركات التأمينلم يتعامل ملاك السفن مع الاتفاق وهرمز وكأنه عاد فوراً إلى وضعه الطبيعي.
فقد نقلت" فايننشال تايمز" عن الرئيس التنفيذي لشركة الشحن اليابانية" ميتسوي أو إس كيه لاينز" جوتارو تامورا، أول من أمس الثلاثاء، أن ملاك السفن لن يستأنفوا العبور عبر المضيق لأسابيع، إلى أن يقتنعوا بأن الاتفاق الأميركي الإيراني" مادي وفعلي على الأرض، لا مجرد إعلان سياسي".
وتبقى شركات التأمين طرفاً حاسماً في عودة الملاحة.
فكلما بقي الخطر العسكري أو خطر الألغام أو الهجمات قائماً، بقيت كلفة التأمين مرتفعة، وهو ما يدفع بعض الناقلات إلى الانتظار أو تغيير المسار أو طلب ضمانات إضافية.
لذلك فإن فتح هرمز بالنسبة للأسواق لا يكتمل إلا عندما تنخفض أقساط التأمين وتعود شركات الشحن إلى تشغيل المسار بثقة.
ووفق بيانات شركة" كبلر" الصادرة أمس الأربعاء، لا تزال نحو 800 سفينة عالقة داخل الخليج وخارج المضيق.
وقال رئيس أبحاث الشحن العالمية في" أويل بروكريدغ" أنوب سينغ إن" ازدحام السفن على جانبي المضيق يمكن أن يُحل خلال 8 إلى 10 أيام إذا عادت ظروف الملاحة غير المقيدة".
في اليوم الأول بعد الاتفاق، كان العبور محدوداً للغاية.
فقد عبرت ناقلة الغاز الطبيعي المسال" ديشا" القادمة من ميناء رأس لفان القطري، وكانت الناقلة الوحيدة من فئة ناقلات النفط والغاز التي رُصد عبورها في ذلك اليوم، إلى جانب سبع سفن بضائع أخرى.
كما أظهرت بيانات" مارين ترافيك" أن بعض السفن أخفت بيانات الملكية أو أوقفت إشارات البث قرب المضيق، وهو ما يعكس استمرار الحذر الأمني.
وفي اليوم الثاني وحتى ظهر الثلاثاء، ظل العبور المرصود محدوداً أيضاً، واقتصر أساساً على سفن مرتبطة بإيران، سواء كانت متجهة إلى موانئ إيرانية أو مغادرة منها أو ترفع العلم الإيراني.
وشمل ذلك ناقلتي النفط" أرغو ماريس" و" داليا" وسفينة بضائع واحدة، بحسب بيانات تتبع السفن.
أولى الناقلات.
السعودية تختبر الطريقوجاء عبور ثلاث ناقلات عملاقة ترفع العلم السعودي، اليوم الخميس، عبر مضيق هرمز بعد توقيع الاتفاق، حاملة نحو 6 ملايين برميل من الخام، ليكون أبرز مؤشر عملي على بداية العودة.
ووفق" رويترز"، تعد هذه أكبر شحنة نفطية سعودية تمر عبر المضيق منذ أسابيع، بعدما لجأت السعودية خلال الأزمة إلى استخدام ميناء ينبع على البحر الأحمر لتقليل المخاطر في الخليج.
كما أظهرت بيانات تتبع السفن مرور ناقلات أخرى، بينها ناقلات مرتبطة بهونغ كونغ وسفينة غاز طبيعي مسال لقطر للطاقة.
دول الخليج تبدو الأكثر استفادة من فتح هرمز، لأنها تعتمد عليه في جزء كبير من صادرات النفط والغاز، لكنها في الوقت نفسه تتعامل بحذر مع الاتفاق.
فالسعودية أعادت اختبار الممر عبر ناقلاتها، لكنها كانت قد استخدمت ينبع مساراً بديلاً خلال الأزمة.
أما قطر، فعودة الحركة عبر هرمز مهمة لصادرات الغاز الطبيعي المسال، بينما تبقى الإمارات والكويت والعراق معنية مباشرة بانخفاض مخاطر الشحن والتأمين.
ووفق" رويترز"، لعبت قطر دوراً مهماً في الوساطة التي سبقت الاتفاق، ما يعكس رغبة إقليمية في إنهاء الإغلاق لا مجرد تخفيفه.
النفط يتراجع.
في انتظار الهبوطوتجاوبت أسعار النفط سريعاً مع الاتفاق.
فقد ذكرت" رويترز" أن خام برنت هبط إلى 77.
96 دولاراً للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى 74.
96 دولاراً، في أدنى مستوى منذ بداية الحرب، مع ترجيح عودة النفط الإيراني وتدفقات الخليج إلى السوق.
لكن عدة مذكرات تحليلية لا تتوقع انفلاتاً هبوطياً كبيراً للأسعار.
فغولدمان ساكس يرى أن" الصادرات قد تعود إلى طبيعتها بحلول أواخر يوليو/تموز، بينما قد يحتاج الإنتاج إلى أكتوبر/تشرين الأول.
كما تشير" رويترز" إلى أن عودة هرمز قد تطلق نحو 93 مليون برميل من النفط غير الإيراني، وما يصل إلى 72 مليون برميل من النفط الإيراني، وهو ما يضغط على الأسعار، لكنه يصطدم أيضاً بحسابات الطلب الآسيوي والمخزونات والمصافي.
لا يقتصر أثر هرمز على النفط فقط، فالمضيق ممر رئيسي أيضاً للغاز الطبيعي المسال.
ووفق" رويترز"، كان الإغلاق قد عطّل مساراً تمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب سلع أخرى مثل الألومنيوم واليوريا.
لذلك فإن عودة العبور تخفف الضغط على أسواق الغاز، خصوصاً في آسيا وأوروبا، لكنها لا تلغي القلق من تكرار الأزمة أو بقاء كلفة التأمين مرتفعة.
صندوق النقد: انخفاض محدود لا انهياروقدمت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغيفا قراءة أكثر حذراً.
وتوقعت أن تتراجع أسعار النفط قليلاً مع السماح باستئناف الشحن عبر مضيق هرمز، لكنها أوضحت أن عودة الملاحة إلى طبيعتها ستستغرق وقتاً.
كما أشارت إلى أن الدول ستسعى إلى تعويض الاحتياطيات التي استنزفتها خلال الأزمة، وربما رفعها إلى مستويات أعلى من السابق، وهو ما يعني أن الطلب على الشحنات لن يختفي بمجرد فتح المضيق.
وقالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغيفا، اليوم الخميس، إن" أسعار النفط ستنخفض قليلاً على الأرجح لأن الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران يتيح استئناف الشحنات عبر مضيق هرمز لكنها لن تنهار"، مضيفة أن" الدول تعمل في الوقت نفسه على تجديد الاحتياطيات".
وذكرت في مؤتمر استضافه البنك الوطني النمساوي أن عودة حركة الملاحة البحرية عبر المضيق إلى طبيعتها ستستغرق بعض الوقت، وأن الدول ستسعى إلى تعويض الاحتياطيات التي سحبتها وربما زيادتها مع وفرة شحنات النفط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك