لم يكن هذا البيت مجرد جدران مرصوصة من الطوب" المنقاد" الأسود والأحمر، بل هو لوحة فنية جُسدت فيها عبقرية الطراز المعماري الفريد والزخارف المتميزة التي امتزجت فيها روح الشرق باللمسات التركية الوافدة.
من" صاحب المدفعية" إلى" عاشق الأمصيل"تبدأ حكاية المنزل مع سيده الأول، عثمان آغا الطوبجي، أحد أبرز قواد الجيش العثماني وسيد سلاح المدفعية (الطوبجية) في تلك الحقبة.
أراد" آغا" أن يعكس نفوذه وقوته العسكرية في بنيان بيته، فجاء المنزل حصيناً، فخماً، ومفعماً بالتفاصيل التراثية الراقية.
ومع تعاقب السنوات وتبدل الأحوال، انتقلت ملكية هذا الصرح الأثري إلى أحمد الأمصيلي، الذي يعود أصله إلى إحدى المدن التركية (أمصية)، ليضفي على المنزل اسماً جديداً ارتبط به حتى يومنا هذا، وليتحول البيت من مقر لقائد عسكري إلى ملاذ يحمل عبق الأناقة العثمانية في أوج ازدهارها.
عبقرية المكان والزخارف التي لا تموتالمشي في محيط المنزل عند التقاء شارع الشيخ قنديل بحارة الشيخ تقا، يجعلك تشعر وكأنك تنظر إلى صندوق مجوهرات معماري، ويتميز" الأمصيلي" بواجهاته المتداخلة المشيدة بالطوب المكحول، والمشربيات الخشبية المعقدة المصنوعة من خشب" الخرط" التي كانت تتيح لأهل الدار رؤية الشارع دون أن يراهم أحد، في خصوصية تامة ميزت العصر العثماني.
أما من الداخل، فالمنزل عبارة عن متحف مفتوح للزخارف؛ ابتداءً من الأسقف الخشبية المزينة بالنقوش الزيتية الملونة، مروراً بـ" الحِنايا" واللوحات الجدارية من بلاطات القيشاني المزينة بالورود، وصولاً إلى الفناء المتسع (الحوش) وكتابات الخط العربي الإبداعية التي تزين الأبواب والشبابيك.
اليوم، لا يعد منزل الأمصيلي مجرد مزار سياحي في مدينة رشيد، بل هو مكان يعيد صياغة مفهوم السكن في القرون الماضية، إنه قصة تحكي كيف يمكن لقائد جيش، ثم لمغترب تركي، أن يتركا خلفهما أثراً يجمع بين القوة والجمال، ليظل هذا المنزل قبلة لعشاق الآثار، وتأكيداً على أن رشيد كانت -ولا تزال- متحفاً مفتوحاً للعمارة الإسلامية الخالدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك