صنعاء ـ «القدس العربي»: تصاعدت حدة التوترات في جنوب اليمن بشكل غير مسبوق، واتخذ المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي (المُعلن حله) خطوات تصعيدية حادة ردًا على تحركات الحكومة اليمنيّة، تمثلت في الدعوة لـ «مليونية» شعبية، والتلويح بالمواجهة.
ولم يتوقف التصعيد عند الحدود الداخلية، بل امتد ليشمل هجومًا حادًا على دور الرياض.
في أول شكل من أشكال تصعيد الانتقالي، دعا المجلس مَن سمّاهم «جماهير شعب الجنوب في العاصمة عدن وسائر محافظات الجنوب» إلى المشاركة فيما وصفها بـ«مليونية رفض الوصاية السعودية ومناهضة الاحتلال» يوم السبت 20 يونيو/حزيران في عدن ومحافظة حضرموت.
ووصف ما اعتبرها «التطورات السياسية الأخيرة والخطوات التصعيدية» التي تنتهجها ما سمّاها «حكومة الوصاية السعودية» ضد المجلس وقيادته بـ«تحركات عدائية»، وتمثل «محاولة يائسة للهروب من الفشل الذريع الذي مُنيت به تلك السلطات في إدارة الأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية في الجنوب»، على حد تعبير بيان صدر مساء الخميس عن اجتماع ما تًسمى الهيئة الإدارية للأمانة العامة للمجلس.
وكانت الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًا قد طالبت، الثلاثاء، مجلس الأمن الدولي بإدراج رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزُبيدي ومعاونيه في أعمال التمرد في المحافظات الشرقية في لائحة العقوبات، وذلك عشية الإعلان عن قرار للنائب العام في عدن بالحجز التحفظي على أموال وحسابات الانتقالي لدى البنوك وشركات ومحلات الصرافة.
وحذّر بيان الانتقالي «من خطورة الخطاب التصعيدي الصادر عن سلطات الوصاية السعودية، وما تضمنه من دعوات لاستهداف المجلس الانتقالي الجنوبي وإغلاق مقراته والتضييق على قياداته السياسية»، مؤكدًا «أن مثل هذه السياسات لن تؤدي إلا إلى إشعال حالة من المواجهة الشعبية الواسعة».
واعتبر «أن الرد الحقيقي على حملات الاستهداف والتضليل سيكون من الميدان، عبر خروج جماهيري غير مسبوق يجسد التفاف شعب الجنوب حول قيادته السياسية ممثلة بالرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، ويبعث برسالة واضحة برفض كافة محاولات الالتفاف على إرادة الجنوبيين»، على حد قوله.
كما اعتبر أن ما يجري «يأتي في إطار حرب سياسية وإعلامية ممنهجة تستهدف المشروع الوطني الجنوبي التحرري، وقياداته الوطنية».
وفي سياق التصعيد ذاته، أعرب بيان آخر لما تُسمى الهيئة الإدارية للجمعية الوطنية للمجلس عن «استغرابها من استمرار بعض الأطراف في استغلال المنابر الدولية لتصفية الحسابات السياسية وتوظيف المؤسسات الأممية لخدمة أجندات لا تمت بصلة لجهود السلام أو معالجة الأزمات القائمة».
وأكّدت «أن استمرار التدخلات والتوجيهات والوصاية الخارجية في الشأن الجنوبي لن يسهم في تحقيق الاستقرار أو بناء سلام مستدام، بل سيؤدي إلى تعميق الأزمة وتعقيد فرص الوصول إلى حلول عادلة وشاملة».
وقالت «إن المملكة العربية السعودية لا تزال تمارس وصاية مكتملة الأركان على القرار السياسي في الجنوب».
وكان الانتقالي قد هاجم، مساء الأربعاء، بنبرة حادة المملكة العربية السعودية، معتبرًا أن ما يبدو هدوءا هو نتاج حرصه على «تجنب الصدام»، لكنه قال إن «تمادي سلطات الوصاية السعودية في ممارساتها سيقود حتما إلى نتائج لا يحمد عقباها»، وزاد في تهديده قائلاإن «القوى التي اختارت المواجهة والتصعيد»، «سيكون التعاطي معها بالطرق والأساليب نفسها التي حددتها»، وهو ما يمثل تهديدًا مفتوحًا على احتمالات عديدة.
واتهم الانتقالي رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، بما اعتبرها قيادة مخطط التصفية الجسدية لقيادات ما سمّاه الحراك الجنوبي، زاعمًا ثبوت تورطه فيما سمّاها قضايا فساد واستحواذ غير مشروع على المال العام، في إشارة غير مباشرة إلى رفض الانتقالي قرار النائب العام بالحجز التحفظي على حسابات وأموال الانتقالي.
جاء ذلك في بيان للمتحدث الرسمي باسم المجلس، أنور التميمي.
واعتبر البيان ذلك تواصلالما سمّاه «النهج العدواني لسلطات الوصاية السعودية» تجاه مَن سمّاه شعب الجنوب العربي، متهمًا مَن وصفها بالأذرع الدبلوماسية والإعلامية والسياسية لسلطات الوصاية السعودية بالعمل على «تنظيم حملة أكاذيب وافتراءات للنيل من المجلس بقيادة عيدروس الزُبيدي».
ورفض الانتقالي ما اعتبرها اتهامات قال إنها «لا تستند إلى وثائق أو أدلة رسمية مقدّمة وفق الأطر المعتمدة في مجلس الأمن»، مشددًا «على ضرورة تحمّل كل الأطراف مسؤولياتها وعدم تحميل الآخرين تبعات مواقف أو قرارات لم يتخذوها».
واعتبر بيان الحكومة في مجلس الأمن الدولي «محاولة بائسة ومكشوفة من حيث التوقيت لصرف الأنظار عن فشل هذه السلطات في إدارة الأوضاع في الجنوب».
وقال إن ما تضمنته الإحاطة الأخيرة لممثل الجمهورية اليمنية في الأمم المتحدة «يمثل تدويراً للقضايا الداخلية، ولا يعكس جوهر الإشكالات السياسية القائمة».
كما اعتبر أنها تندرج ضمن الحرب الممنهجة للنيل مما سمّاه «المشروع الجنوبي التحرري، تقودها ذات العناصر المعروفة بتاريخها الدموي تجاه شعبنا الجنوبي وقضيته»، مشيرًا إلى أن على رأسهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ومتهمًا الأخير بقيادة ما سمّاه «مخطط التصفية الجسدية لقيادات الحراك الجنوبي، والذي ثبت تورطه في صفقات فساد واستحواذ غير مشروع على المال العام، بينها سيطرته على قطاعات نفطية في الجنوب»، على حد زعمه.
وبينما أكّد التزام المجلس «الثابت بالمبادئ الديمقراطية واحترام الحريات العامة»، حذّر، في الوقت ذاته، مما سمّاه «الخطاب الكارثي الصادر عن سلطات (الوصاية السعودية) الذي يدعو إلى إغلاق مقرات ومكاتب المجلس، والتضييق على حرية رموزه وقياداته».
وهدد معتبرًا أن «هذا النهج سيقود حتماً إلى الصدام مع الشعب الجنوبي، الذي سيرد بخطوات عملية مماثلة».
وبينما أكّد أن السلام ينطلق من الثقة والشراكة، اعتبر أن «خطاب التخوين الذي تتبناه سلطات الوصاية السعودية لا يمكن أن يكون مدخلاً لأي تسوية سياسية مستدامة».
وقال إن الواقع في الجنوب بعد أحداث يناير/كانون الثاني 2026، «غير قابل للاستمرار، علاوة على أنه لا يصلح للتأسيس لحلول مستدامة»، معتبرًا أن هذا الواقع «مفروض بالقوة العسكرية والسياسية والدبلوماسية السعودية، ولا يحظى بأي قبول شعبي».
وأشار إلى أن ما يبدو للمبعوث الأممي أنه هدوء نسبي «هو نتاج لسياسة ضبط النفس التي ينتهجها المجلس الانتقالي، وحرصه على تجنب الصدام، ولكن تمادي سلطات الوصاية السعودية في ممارساتها سيقود حتماً إلى نتائج لا يحمد عقباها».
وجدد التهديد قائلاإن «القوى التي اختارت المواجهة والتصعيد والتطاول على رموز ومؤسسات المشروع الجنوبي، سيكون التعاطي معها بالطرق والأساليب نفسها التي حددتها».
وكان الانتقالي قد أتهم، الأحد، ما سمّاها سلطات الوصاية السعودية بإعادة إغلاق المقر الرئيسي للمجلس، ومكتب رئيسه، عيدروس الزُبيدي، في العاصمة عدن، معتبرًا ذلك «تصعيدًا خطيرًا واستفزازًا مرفوضًا».
وأُعيد لاحقًا فتح المقر والمكتب.
وفي إطار ردود الفعل إزاء قرار النائب العام بالحجز التحفظي على كافة أموال وحسابات المجلس الانتقالي الجنوبي، قال وكيل وزارة العدل في الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًا، فيصل المجيدي، إن القرار صدر بعد توفر مؤشرات ودلائل جدية استدعت تجميد الأموال والحسابات ومنع التصرف بها، في إجراء يهدف إلى حماية الأصول المالية ومنع نقلها أو إخفائها أو العبث بالأدلة المرتبطة بالتحقيقات الجارية.
وأوضح أن الحجز التحفظي لا يُعد حكمًا بالإدانة، وإنما إجراء قانونيًا احترازيًا يهدف إلى الحفاظ على الأموال محل التحقيق حتى تستكمل الإجراءات القضائية وتصدر الأحكام النهائية من الجهات المختصة.
وقال في تصريح نشره موقع «عدن الغد» المحلي، إن «التقديرات الأولية تشير إلى وجود أموال منهوبة تقدر بنحو 14 مليار ريال خلال الفترة محل التحقيق»، مشيرًا إلى «أن هذا الرقم لا يعد نهائياً»، موضحًا «أن استكمال إجراءات التحقيق قد يكشف عن وقائع وملفات مالية أخرى مرتبطة بإدارة الموارد العامة».
وأشار إلى أن القرار شمل جميع الأموال والحسابات المصرفية العائدة للمجلس الانتقالي لدى البنوك والمؤسسات المالية وشركات الصرافة، مع إلزام الجهات المختصة بالإفصاح عن الأرصدة والحسابات ذات الصلة، بما في ذلك الحسابات المقيدة لدى بنك التسليف التعاوني والزراعي (كاك بنك) واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بشأنها.
واعتبر أن الخطوة تمثل انتقالاً من مرحلة الجدل السياسي والإعلامي حول إدارة الإيرادات والموارد العامة إلى مرحلة المساءلة القانونية المباشرة، بعد دخول النيابة العامة والبنك المركزي والمؤسسات المالية على خط القضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك