على عشب البيت الأبيض، وفي ليلة صاخبة احتفل فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بعيد ميلاده الـ80، أعلن الرئيس أن حرب إيران انتهت، وأن مضيق هرمز عاد مفتوحا أمام السفن.
لكن رواية بلومبيرغ تضع الإعلان في موضعه الأدق: سبق سياسي قبل اكتمال دبلوماسي، لأن النص لم يكن قد نُشر، وموعد التوقيع لم يكن قد استقر، أما الملفات الأثقل، من النووي إلى العقوبات إلى لبنان، فبقيت مؤجلة إلى جولة لاحقة.
list 1 of 3من الإدانة إلى العقوبات.
هل يتغير الموقف الغربي من الاستيطان الإسرائيلي؟list 2 of 3بعد الاتفاق.
ماذا تكشف بيانات الملاحة عن حركة هرمز والمسارات الجديدة للسفن؟list 3 of 3قراءة صينية لقمة السبع.
مجموعة منقسمة وقيادة أمريكية مرتبكةكان ترمب قد ظفر بالصورة التي يريدها: رئيس يوقف حربا بدأها قبل أشهر، ويفتح المضيق أمام النفط، ويمنح الأسواق جرعة طمأنة، أما خلف هذا المشهد، فتصور الصحافة الغربية أسابيع من وساطات متعثرة، وضربات كادت في كل مرة أن تعيد المسار إلى نقطة النار.
توضح بلومبيرغ وفايننشال تايمز أن الاتفاق جاء بعد 4 أسابيع من وساطة قطرية هادئة، دخلت فيها الدوحة بطلب من واشنطن وطهران، بعدما صارت الحرب عبئا على الطرفين.
وحتى منتصف مايو/أيار، كانت قطر تتحرك خلف الكواليس إلى جانب باكستان ومصر وتركيا، ثم تقدمت إلى الواجهة، وأرسلت وفدا سريا إلى طهران عبر تركيا، بقيادة علي الذوادي وحمد الكبيسي.
لم تكن المهمة الأولى كتابة البنود بل تبديد الشك، فالإيرانيون -وفق فايننشال تايمز- كانوا يخشون أن تكون المحادثات ستارا لضربة جديدة، بعدما تعرضت إيران لهجمات أمريكية وإسرائيلية في وقت كانت فيه قنوات التفاوض مفتوحة.
وحين شعر الوسطاء في منتصف مايو/أيار بأن لديهم مقترحا قابلا للتنفيذ، أُبلغوا بأن ترمب يفكر في ضرب إيران، وعندها اتصل قادة قطر والسعودية والإمارات بالرئيس الأمريكي لإقناعه بإمهال الدبلوماسية، وفقا لما ورد في الصحيفة.
وبعد ذلك أعلن ترمب أنه علّق هجوما كان مقررا، لأن" مفاوضات جدية" تجري مع طهران.
من طهران إلى واشنطن، حمل الوفد القطري ما لديه إلى نائب الرئيس جيه دي فانس، والمبعوث ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، لكن ترمب لم يمنح الوسطاء ترف الوقت، إذ تقول بلومبيرغ إن الرئيس أراد ردا إيرانيا قبل نهاية الأسبوع، وإلا فإن الضربات قد تعود.
وققبل أن يرجع القطريون والباكستانيون إلى طهران، أبلغتهم جهتان غربيتان بأن إسرائيل تدرس ضرب إيران، وتقول فايننشال تايمز إن الوسطاء تحركوا سريعا للحصول على ضمانات تمنع أي هجوم أثناء وجودهم في العاصمة الإيرانية.
هناك، دارت المساومة حول 3 عقد: إنهاء الحرب، ومصير اليورانيوم عالي التخصيب، ومضيق هرمز الذي صار ورقة ضغط لا تقل حضورا عن أي بند نووي.
وبحسب بلومبيرغ وفايننشال تايمز، قبلت طهران الالتزام بمناقشة تخفيف تخصيب اليورانيوم أو تسليم المخزون، كما وافقت واشنطن على مسار مرحلي لتخفيف العقوبات، مرتبط بما يتحقق في مفاوضات الاتفاق النهائي.
لكن الاختراق لم يبلغ التوقيع، ومع أن محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي الإيراني وصلوا إلى الدوحة، ثم غادروا من دون اتفاق نهائي.
ومع تزايد ضيق ترمب، انتقل الوسطاء القطريون إلى ميامي، حيث أمضوا يوما مع ويتكوف وكوشنر لمحاولة إبقاء الخيط قائما.
لم تكن المفاوضات محصورة في النووي وهرمز حيث كان لبنان حاضرا في كل محطة تقريبا، لأن طهران أصرت –وفقا لبلومبيرغ وفايننشال تايمز- على إدخال جبهة حزب الله في أي وقف لإطلاق النار، في حين تمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحرية العمل العسكري هناك.
وعندما هدد نتنياهو بضرب أهداف للحزب في بيروت، علقت إيران المحادثات مع واشنطن -وفق فايننشال تايمز- ومع استمرار الضربات الإسرائيلية، بدأ غضب ترمب ينتقل من طهران إلى تل أبيب.
ونقلت أكسيوس (Axios) ما أكده ترمب لاحقا من أنه وبخ نتنياهو في اتصال غاضب، بعدما رأى أن ضرباته قد تطيح بالاتفاق، ثم جاءت ضربة إسرائيلية لاحقة على جنوب بيروت.
حينها قال ترمب إن ما حدث" ما كان يجب أن يحدث"، وبحسب بلومبيرغ، كادت تلك الضربة أن تكسر الجولة الأخيرة، لكنها انتهت إلى عكس ما أراده معرقلو المسار، إذ دعا ترمب إسرائيل إلى التوقف، وقدمت واشنطن حافزا أخيرا لطهران، بقبول رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية فورا بدل انسحاب مرحلي كان سيستغرق 30 يوما.
لم تكن بيروت وحدها ما هدد المذكرة، إذ تروي فايننشال تايمز أن مروحية أباتشي أمريكية أصيبت قرب مضيق هرمز بطائرة إيرانية مسيرة، وقالت طهران إن الأمر كان خطأ، لكن ترمب توعد بالرد، وتبادل الطرفان النار ليلتين، ثم ضربت الولايات المتحدة الأمريكية أهدافا في جنوب إيران.
في تلك اللحظة، كان الوسطاء القطريون عالقين على مدرج المطار بعدما أغلقت إيران مجالها الجوي، وعندما وصلوا إلى الدوحة، بدأت موجة اتصالات جديدة مع ترمب، فاتصل به أمير قطر الشيخ أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، لإقناعه بأن الاتفاق بات قريبا، وأن ضربة أخرى قد تطيح بالفرصة.
وبعد ساعات من التهديد بالتصعيد، أعلن ترمب أن النقاط النهائية أُقرت من جميع الأطراف.
وعاد القطريون إلى طهران لجولة أخيرة، تقول بلومبيرغ إنهم أمضوا 17 ساعة في محادثات شاقة، وإنهم هددوا في مرحلة ما بالانسحاب، مع استمرار الإيرانيين في طلب تعديلات لغوية.
وتضيف فايننشال تايمز أن الوسطاء حذروا طهران من أن عدم إنجاز الصيغة قبل دخول ترمب إلى احتفال عيد ميلاده قد يفتح الباب أمام ضربات أمريكية في اليوم التالي.
وقبل الواحدة صباحا في طهران بقليل، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف التوصل إلى اتفاق، ووصف أحد المطلعين على المحادثات اللحظة لفايننشال تايمز بأنها نهاية ماراثون مرهق، مع ارتياح حذر لأن التوقيع الرسمي كان لا يزال ينتظر أيامه.
وروى موقع أكسيوس أن التوقيع نفسه جاء مضطربا، إذ كان يفترض أن توقع المذكرة في سويسرا يوم الجمعة، لكن مسؤولين أمريكيين قالوا إن واشنطن وطهران وقعتاها عن بعد قبل الموعد، وإنها دخلت حيز التنفيذ، ووفق مصادر الموقع، ارتبط تسريع الموعد بفتح مضيق هرمز سريعا، بعدما اتفق الطرفان على هذه النقطة.
زاد الغموض مع تضارب الروايات بشأن توقيع إلكتروني سابق، وقال مسؤول في الإدارة إن ترمب وفانس وقاليباف وقعوا يوم الأحد، ولكن مصدرا دبلوماسيا نفى ذلك، وقال مصدر آخر إن ما جرى كان" توقيعا ثانيا"، من دون أن يتضح سبب الحاجة إلى توقيعين.
ثم جاء توقيع فرساي، تقول وول ستريت جورنال إن ترمب فاجأ بعض مساعديه عندما وقع المذكرة هناك، بعدما كان قد أشار قبل ساعات إلى أن الوثيقة ربما لا تستحق أن يوقعها بنفسه، وأن فانس قد يتولى المهمة.
وفي رواية وول ستريت جورنال، لم يكن ضغط الحرب عسكريا فقط، وقد دافع ترمب عن الاتفاق في فرنسا قائلا إنه أراد تجنب" كارثة اقتصادية"، وإنه لا يريد أن يرتبط اسمه بهربرت هوفر، الرئيس الذي ارتبط اسمه بانهيار عام 1929.
وتقول الصحيفة إن حديث ترمب كشف أثر الأسواق وأسعار الطاقة في قراره، بعدما رفعت الحرب كلفة الوقود في سنة انتخابية حساسة.
أما في واشنطن، فتقول واشنطن بوست إن جيه دي فانس وجد نفسه فجأة وجها سياسيا للاتفاق، عندما كان يستعد للترويج لكتابه الجديد، لكنه أمضى الأسبوع مدافعا عن مذكرة تحمل بصمته، منتظرا قيادة المرحلة التالية من المحادثات في سويسرا.
وتصاعدت الانتقادات داخل اليمين الأمريكي بعد التوقيع وتسرب المسودات، فرأى منتقدون من الحزبين، ومعهم إسرائيل ومؤيدون لها، أن الإدارة منحت إيران مكاسب مبكرة وأجلت القضايا الجوهرية، ورد فانس بأن طهران لن تحصل على مزايا الاتفاق إذا لم تلتزم بما عليها.
هكذا خرجت المذكرة من كواليس مضطربة، ولعل ترمب نفسه لخّص هشاشة هذا النصر حين قال مازحا، قبل أن يوقع في فرساي، إنه إذا نجح الاتفاق فسيأخذ هو الفضل، وإذا فشل فهناك دائما من يصلح للوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك