شهد التحالف بين الهند وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة تحولا عميقا جعله أحد أبرز الشراكات السياسية والعسكرية في آسيا والشرق الأوسط، وهو تحول يرتبط إلى حد كبير بالعلاقة الشخصية والسياسية التي نشأت بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ولإلقاء الضوء على هذه الشراكة، نشرت صحيفة فايننشال تايمز مقالا مطولا – بقلم مايكل ستوت وأندريس شيباني وجيمس شوتر – يوضح أن هذه العلاقة لم تعد مجرد تعاون دبلوماسي تقليدي، بل أصبحت شراكة إستراتيجية واسعة تمتد من الأمن والدفاع إلى الاقتصاد والثقافة والأيديولوجيا السياسية.
list 1 of 2كادت الضربات تبتلعه.
الطريق السري إلى مذكرة واشنطن وطهرانlist 2 of 2ميكرفيلد.
الدائرة الانتخابية الصغيرة التي قد تعيد رسم مستقبل بريطانياوأشار التقرير إلى أن حجم التقارب بين الزعيمين ظهر بوضوح بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما كان مودي من أوائل القادة الذين بادروا إلى الاتصال بنتنياهو للتعبير عن دعمه لإسرائيل.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف لم يكن مجرد رد فعل على حدث أمني، بل يعكس رؤية مشتركة لدى الرجلين تقوم على اعتبار مكافحة ما يصفانه بالإرهاب والتطرف الإسلامي جزءاً أساسياً من مشروعيهما السياسيين الداخلي والخارجي.
ويستند هذا التقارب أيضا -حسب المقال- إلى تشابهات أيديولوجية بين الحزبين الحاكمين في البلدين، فحزب بهاراتيا جاناتا بزعامة مودي يتبنى القومية الهندوسية ويطرح الهند باعتبارها الوطن التاريخي للأغلبية الهندوسية، كما يقود نتنياهو تيارا قوميا يعتبر إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي.
ويرى أنصار هذه الرؤية أن الدولتين تواجهان تهديدات أمنية متشابهة، في حين يتهم المنتقدون الزعيمين بتعزيز سياسات تهمش الأقليات الدينية وتضعف المؤسسات المستقلة.
ويستعرض المقال التحول التاريخي الكبير في موقف الهند من إسرائيل، فبعد استقلال الهند عام 1947 كانت نيودلهي من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية وعارضت قيام إسرائيل وصوتت ضد تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة، كما حافظت لعقود طويلة على مسافة سياسية من إسرائيل انسجاما مع توجهاتها في حركة عدم الانحياز وعلاقاتها الوثيقة مع العالم العربي.
غير أن هذا الموقف بدأ يتغير تدريجيا بعد نهاية الحرب الباردة، ففي عام 1992 أقامت الهند علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، ثم تسارعت وتيرة التعاون بين البلدين بعد حرب كارغيل عام 1999 عندما قدمت إسرائيل دعما عسكريا مهما للهند في مواجهة القوات الباكستانية.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت إسرائيل موردا رئيسيا للتكنولوجيا العسكرية والأسلحة المتطورة التي تحتاجها الهند، ومع وصول مودي إلى السلطة عام 2014 دخلت العلاقات مرحلة جديدة أكثر جرأة وعلنية.
فكان مودي أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل عام 2017، في خطوة اعتُبرت تحولا تاريخيا في السياسة الخارجية الهندية، وقد رد عليها نتنياهو بزيارة رسمية للهند في العام التالي، لترسيخ شراكة أصبحت اليوم من أهم العلاقات الثنائية في المنطقة.
ويؤكد التقرير أن التعاون العسكري يشكل العمود الفقري لهذه العلاقة، إذ تعد الهند من أكبر مستوردي الأسلحة الإسرائيلية في العالم، بينما تشارك شركات من البلدين في تطوير وإنتاج أنظمة دفاعية متقدمة، من بينها منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة وأجهزة المراقبة والاستخبارات.
وتبرز أسماء شركات كبرى في هذا التعاون، مثل مجموعة رجل الأعمال الهندي غوتام أداني التي تعمل مع شركات إسرائيلية في إنتاج الطائرات المسيّرة والأسلحة الخفيفة، إضافة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية الإسرائيلية، ومنها ميناء حيفا.
كما أصبحت الهند مركزا لتصنيع بعض الأنظمة العسكرية الإسرائيلية بهدف تلبية احتياجات الجيش الهندي وتصديرها إلى أسواق أخرى.
ولا يقتصر التعاون على الجانب العسكري، فهناك -حسب المقال- مفاوضات جارية لإبرام اتفاقية تجارة حرة بين البلدين، إضافة إلى شراكات في مجالات التكنولوجيا والزراعة وإدارة المياه والابتكار.
ويستفيد الهنود من الخبرات الإسرائيلية في تطوير الزراعة في المناطق الجافة، بينما تستقطب إسرائيل آلاف العمال والطلاب الهنود سنويا.
كما يتحدث المقال عن تنامي الروابط الثقافية والفكرية بين الجانبين، فهناك اهتمام متزايد داخل الأوساط القومية الهندوسية بالتجربة الصهيونية، باعتبارها نموذجا لبناء دولة قومية قائمة على الهوية الدينية والثقافية.
وفي المقابل، تسعى إسرائيل إلى تعزيز حضور الثقافة الهندية داخل المجتمع الإسرائيلي من خلال مشاريع ثقافية ورمزية، من بينها إقامة تمثال للملك الهندوسي شيفاجي في إحدى المدن الإسرائيلية.
وفي الوقت نفسه، يثير هذا التقارب انتقادات متزايدة داخل الهند، إذ يرى دبلوماسيون سابقون وشخصيات معارضة أن حكومة مودي تبتعد تدريجيا عن الإرث التاريخي للهند الداعم للقضية الفلسطينية، كما يعتقدون أن صمت نيودلهي تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وإيران يهدد صورة الهند كدولة تدافع عن القانون الدولي وحقوق الشعوب.
ويخشى منتقدون من أن يؤدي انحياز الهند المتزايد لإسرائيل إلى الإضرار بعلاقات الهند مع دول الشرق الأوسط الأخرى، خصوصا إيران التي ظلت لعقود شريكا مهما للهند في مجالات الطاقة والتجارة والوصول إلى آسيا الوسطى.
ويشير المقال إلى أن الفتور الذي أبدته نيودلهي تجاه طهران خلال الأزمات الأخيرة أثار تساؤلات حول مستقبل هذا التوازن التقليدي في السياسة الخارجية الهندية.
ورغم هذه الانتقادات، يرى معظم الخبراء الذين استشهد بهم التقرير أن الشراكة الهندية الإسرائيلية أصبحت راسخة بما يكفي للاستمرار حتى بعد خروج مودي ونتنياهو من السلطة، لأن المصالح الإستراتيجية والاقتصادية والعسكرية المتبادلة أصبحت كبيرة جدا، كما أن التهديدات الأمنية المشتركة في نظر صناع القرار في البلدين، توفر أساسا دائما لهذه العلاقة.
وخلص المقال إلى أن إسرائيل تنظر إلى الهند باعتبارها أحد أكثر شركائها موثوقية في عالم تزداد فيه الانتقادات الدولية لسياساتها، كما ترى الهند في إسرائيل شريكا يوفر التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والدعم الاستخباراتي دون قيود سياسية كبيرة.
وبذلك تحول التحالف بين البلدين من علاقة محدودة ومتحفظة قبل عقود قليلة إلى شراكة إستراتيجية شاملة يُتوقع أن تستمر وتتوسع خلال السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك