إيلاف - حكايا المونديال.. هدف يصنع صورة العربي الجديد - بزشكيان وعراقجي: ملتزمون بتوجيهات المرشد بشأن المفاوضات مع واشنطن Independent عربية - ترمب: أميركا ملتزمة بالسلام ونتوقع وقفا تاما للنار على جميع الجبهات فرانس 24 - الولايات المتحدة تفرض عقوبات على زعيم تيار المردة اللبناني سليمان فرنجية قناه الحدث - زيلينسكي يدعو لتسريع انضمام بلاده للاتحاد الأوروبي القدس العربي - جمهوريون يهاجمون اتفاق ترامب وإيران مع تداول نسخ في الكونغرس فرانس 24 - كأس العالم 2026: منتخب سويسرا يسحق البوسنة والهرسك 4-1 العربي الجديد - الجزائر تبدي استعدادها لدعم النيجر في أعقاب هجوم نيامي الجزيرة نت - الوضع تحت السيطرة.. الشرطة السودانية تكشف حصيلة عملياتها بالخرطوم إيلاف - الأخضر في مونديال 2026: من شرف المشاركة إلى صناعة الإرث
عامة

المونديال 2026: كرةُ القدم ملعب للفاشيات وصورةً لتعقيدات العالم!

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

مع انتقال كأس العالم 2026 إلى صيغته الأضخم، ممتداً عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وبمشاركة ثمانية وأربعين منتخباً، تبدو كرة القدم، مرة أخرى، كما لو أنها لغتنا الكونيّة الوحيدة التي تمنحنا – كنوع...

مع انتقال كأس العالم 2026 إلى صيغته الأضخم، ممتداً عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وبمشاركة ثمانية وأربعين منتخباً، تبدو كرة القدم، مرة أخرى، كما لو أنها لغتنا الكونيّة الوحيدة التي تمنحنا – كنوع بشري – القدرة على جمع ما فرّقته السياسة، والحدود، والحروب، والأسواق.

وطوال أسابيع ستملأ الجماهير الشوارع والمقاهي والبيوت، وستغرق الشاشات في صور الأعلام والقمصان والهتافات، وستعيد المؤسسات الرياضية والإعلامية تكرار العبارة المألوفة عن «اللعبة التي توحد العالم»، فكأن المستطيل الأخضر قادر وحده على تعليق كل تناقضات النظام الدولي وتأجيل أوجاع مظلوميه عند صافرة البداية.

بين الجذور الشعبية والتسليعولدت كرة القدم، وفق صورتها الحديثة، في فضاءات اجتماعية كانت تبحث عن معنى وسط قسوة التصنيع والتحضر والاغتراب.

في إنكلترا وخارجها، ارتبطت أندية كثيرة بالعمال، والكنائس، والمدارس، والمرافئ، والمناجم، والجمعيات المحلية.

وكانت المباريات، بالنسبة إلى الكثيرين، واحدة من المساحات النادرة التي يلتقي فيها الناس خارج سلطة أرباب العمل ورتابة الحياة اليومية في المجتمع الصناعي.

وهكذا تشكلت العلاقة العاطفية العميقة بين النادي والجمهور، وغدت الشعارات والهتافات والرموز أشكالاً من الذاكرة صنعت لغة مشتركة بين غرباء لا يجمعهم سوى الانتماء إلى المكان نفسه.

من هذه الجذور استمدت كرة القدم قوتها الهائلة، قبل أن تلتقط الرأسمالية المعاصرة، بحساسيتها المفرطة الفرصة في تحويل هذا الشغف الجماعي الجميل إلى صناعة تدر مليارات الدولارات، ليتكوّن سوق هائل للاستثمارات، والإعلانات، وحقوق البث التلفزيوني، فيما أصبح اللاعبون والمدربون في أعلى الهرم الرياضي أشبه بنجوم السينما وتتجاوز عوائد بعضهم مئات الملايين من الدولارات سنوياً.

لكن هذه الماكينة الاستهلاكية الضخمة بقيت عاجزة عن طمس الروابط الوجدانية الأصيلة التي تجمع ملايين المشجعين بفرقهم، لتظل اللعبة ساحة صراع مستمر بين منطق السلعة ونزعة الانتماء الإنساني.

هذه المفارقة هي قلب كرة القدم الحديثة: إن ما يجعلها قابلة للتسليع هو تحديداً ما يبقيها عصيّة على الامتلاك الكامل.

فرأس المال يستطيع حتماً أن يشتري مقر النادي، والملعب، وحقوق نقل الصورة، والمنصة الرقمية، لكنه لا يستطيع أن يولّد ذلك الشعور الغامض الذي يجعل مشجعاً ينفعل على هزيمة فريقه، كما لو أنها هزيمته الشخصية.

يسجل التاريخ السياسي الحديث تفوقاً ملحوظاً للتيارات الفاشية وقوى أقصى اليمين في إدراك الأهمية الاستراتيجية للعبة كأداة للتحشيد الجماهيري وصناعة الولاء الأعمى.

ويمثل مونديال إيطاليا عام 1934 النموذج الكلاسيكي الأبرز لتوظيف الرياضة في شرعنة الأنظمة الديكتاتورية عندما حول الزعيم الإيطالي بينيتو موسوليني البطولة الدولية إلى منصة دعائية ضخمة تهدف إلى تصدير صورة الدولة الفاشية القوية، المنضبطة، والحديثة للعالم.

وقتها خضعت الهندسة المعمارية للملاعب، وتصميم العروض الجماعية، والشعارات لرؤية شمولية موحدة تسعى لدمج الفرد في جسد الأمة الفاشية، وواجه اللاعبون ضغوطاً هائلة لتجسيد قيم الطاعة المطلقة والصلابة البدنية، لتتحول ساحرة الشعوب إلى امتداد محض للسياسة الشوفينية.

هذا الإرث التوظيفي يتواصل في الفضاء المعاصر عبر تحركات قوى اليمين الشعبوي وأقصى اليمين في أوروبا وأمريكا.

فتشهد الساحة البريطانية، على سبيل المثال، صعود جماعات مثل «رابطة شبان كرة القدم» التي حاولت اختراق صفوف المشجعين الإنكليز تحت شعار الدفاع عن «المشجع العادي» و»المجتمع الحقيقي»، بينما خطابها يعتمد على استثارة مشاعر المظلومية الثقافية، وتأجيج الكراهية والعداء الأيديولوجي الممنهج ضد الآخر المختلف من المهاجرين، والمسلمين، وحتى النخب الليبرالية من ذوي البشرة البيضاء.

هذه – تاريخياً – براعة اليمين الشعبوي: يأخذ وجعاً حقيقياً، ثم يمنحه عدواً زائفاً، فيوجه غضب العمّال من البطالة والغلاء وفقدان الأمن الاجتماعي، نحو اللاجئ والمهاجر والمسلم، بدلاً من توجيهه نحو البنية السياسية -الاقتصادية التي صنعت الأزمة.

وبهذه الصيغة، لا يمثل التحشيد اليميني في مدرجات كرة القدم تمرداً على النظام، بقدر ما هو خدمة عميقة له، لأنه يفتت إمكانية التضامن الاجتماعي، ويستبدل الصراع على العدالة بصراع هويات يمنح المستضعف وهماً بأنه يدافع عن نفسه حين يعتدي على من هو أضعف منه.

أظهرت الدورة الحالية بما لا يدع مجالاً للشك خضوع اللعبة لسيطرة التوازنات الجيوسياسية وصلف القوى المهيمنة لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.

إذ تواجه وفود ومستشارو ومشجعو أكثر من ربع الدول المشاركة صعوبات بالغة تتمثل في إلغاء تذاكر سفرهم، ورفض تأشيرات الدخول، وفرض قيود أمنية صارمة ومجحفة بحقهم.

وعانى الفريق الإيراني بالذات من معاملة مسيسة بصفة فاضحة، إذ حصرت السلطات الأمريكية دخول اللاعبين بيوم المباراة حصراً، مع رفض منح التأشيرات لنسبة كبيرة من الطواقم الإدارية والطبية والفنية، ومنهم أطباء العلاج الطبيعي والمحللون الفنيون، كما أجبر على إقامة معسكره التدريبي في مدينة تيخوانا المكسيكية، مع الاضطرار للسفر الجوي المنهك لخوض مبارياته في لوس أنجليس وسياتل ثم مغادرة الأراضي الأمريكية خلال أربع وعشرين ساعة.

تمثل هذه الإجراءات عقبات بدنية وفنية متعمدة تفرغ المنافسة الرياضية الشريفة من معناها المفترض، وتقدم دليلاً حياً على التعسف في توظيف قوانين الهجرة على حساب منطق البطولة الرياضية المعولم.

تعسف امتد ليشمل جماهير ومشجعي قارات بأكملها كأفريقيا وآسيا، ما دفع الروابط الرياضية في بلدان الجنوب عن عقد المقارنات مع التسهيلات الممنوحة لمواطني الدول الغربية الثرية.

تثير ازدواجية المعايير السياسية داخل المنظومة الكروية الدولية (الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحادات القارية والمحلية) تساؤلات فلسفية حول ادعاءات العدالة والمساواة وعالمية اللعبة.

لقد سارعت تلك المنظومة إلى تعليق مشاركة الأندية والمنتخبات الروسية فور اندلاع الحرب في أوكرانيا، مستندة إلى شعارات السلم الدولي.

لكن هذه المؤسسات نفسها التزمت بالصمت وتقاعست أمام المطالبات المستمرة بفرض عقوبات مماثلة على إسرائيل نتيجة حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة والانتهاكات الصارخة بحق الفلسطينيين.

وهكذا تستمر المشاركة الإسرائيلية في الأطر الكروية الدولية والأوروبية بصورة اعتيادية بمعزل عن الإدانات العالمية الواسعة.

يؤكد هذا التناقض الصريح خضوع القرارات المؤسسية الرياضية لمنطق القوة السياسية السائدة والمصالح التجارية الكبرى بدلاً من التزامها بالحياد الأخلاقي المزعوم.

ويربط كبار موظفي الفيفا الاتحاد الدولي لكرة القدم بعلاقات مصالح متبادلة مع قيادات سياسية نافذة، ليس أقلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي منحه رئيس الفيفا جياني إنفانتينو جائزة مفتعلة سماها «جائزة الفيفا للسلام»، في تملق ظاهر غايته تأمين المصالح التجارية الكبرى التي تديرها الصناعة الكروية، والتي تقدر عوائدها بنحو ستين مليار دولار سنوياً.

لكن مع ذلك كله، يتجمع المشجعون في المقاهي والمنازل يومياً حول الشاشات لمتابعة مباريات المونديال، متجاوزين جدران العزلة اليومية التي يفرضها نمط العيش المعاصر، ليغرقوا في لجة لحظات تلاحم حقيقية تؤكد أصالة اللعبة ونبضها الشعبي الأول.

ستظل كرة القدم ساحة مفتوحة أبداً للتنازع والصراع بين قوى متباينة الأهداف والرؤى، تتقاطع فيها حسابات أرباح الشركات العابرة للقارات ومساعي قوى أقصى اليمين والفاشية لتوظيف الشغف الشعبي في الحشد العنصري، مع الإصرار العفوي لملايين البشر على انتزاع 90 دقيقة من يومهم لأجل الفرح والبهجة والتضامن الإنساني المشترك.

وستبقى الساحرة المستديرة، رغم الأغلال البيروقراطية والقيود السياسية، وجشع رأس المال والأيديولوجيات الإقصائية، ملكاً للشعوب، وميداناً مستمراً للتعبير عن التوق البشري نحو العدالة والتواصل الإنساني.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك