تعتبر «الذاكرة» موضوعاً أساسياً في عدد مهم من العلوم الاجتماعية والسياسية، وكذلك في النقد الثقافي، بما يتجاوز تحديدها في علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي.
وربما تكون نقطة الانطلاق الأساسية لفهم أبعادها الاجتماعية والثقافية، هو تعريفها بوصفها «إعادة بناء في الحاضر لحوادث ماضية، وإكسابها المعنى والسياق»، وليس «استنساخاً للماضي»، أو «عكساً أميناً له».
فالشرط الأول للتذكّر أنه يحدث الآن وهنا؛ وتقوم به ذات متذكّرة، لديها الدافع والمحفّز والإطار لاسترجاع الماضي، ضمن لغة وأفكار ومفاهيم وظروف، تتغيّر بالتأكيد عبر الزمن، وبالتالي لا يمكن الحديث عن تطابق تام بين ذات المتذكّر في الماضي والحاضر.
أيضاً فإن الذاكرة لا يمكنها أن تسترجع كل التفاصيل بدقة، وبترتيب وقوعها نفسه، بل تقوم بعمليات انتقاء وتركيز وتخطٍّ وتجاهل، وتسعى لإعطاء معنى ما للحدث الذي تتذكره، أو سيحضر فيها بشكل خاوٍ من المعنى والترابط، فتصبح أقرب لهلوسة، والهلوسة أيضاً تحدث في الحاضر، وضمن الذات الراهنة للمتذكّر.
عملية «إعادة البناء»، التي تشكّل أساس الذاكرة، هي ما يجعلها موضوعاً فلسفياً وسياسياً واجتماعياً، بل وموضوعاً للصراع الاجتماعي بالدرجة الأولى، خاصة في مراحل الاضطراب السياسي، والحروب، والثورات، والتأسيس القومي، وما يلحقها من حقب.
ويمكن تحديد سمات أساسية للذاكرة، أولها أنها جماعية، بمعنى أنها تتعلق بلغة وثقافة وتاريخ مجموعة، وتتم ضمن أطر، مثل العائلة، والمدينة، والدولة، حتى لو كان التذكّر يتعلّق بمسائل فردية، إذ لا يتذكّر المرء نفسه فقط، ومن دون وسائط ثقافية ومعرفية، بل يتذكّر عالماً كاملاً، ونفسه في ذلك العالم، وداخل لغته وثقافته؛ ثاني الخصائص أن الذاكرة ليست تاريخاً، حتى لو كانت من العناصر المؤسسة لكتابة التاريخ، فهي لا تحمل سمات إطار بحثي منضبط منهجياً، بل تختلط بمنظورات الذات وموقعها وانحيازاتها؛ وثالثها أنها سرديّة، أي أن الذاكرة تحمل عناصر السرد عن الماضي، وليست مجرد تجميع جامد لعناصر ووقائع غير مترابطة، وغالباً ما تحكي قصة ذات معنى وأهمية للفرد والجماعة؛ ورابعها أنها غالباً ما تستند إلى مؤسسات، مثل مراكز التوثيق والأرشفة ووسائل الإعلام والمدارس وغيرها، وحتى لو كانت موروثاً شفوياً، فهي تستند أيضاً إلى كيانات اجتماعية مؤسَّسِة، تضبط وتكرر الرواية الشفوية، مثل العائلة والقبيلة والطائفة والمجموعة الإثنية والطبقة والمنطقة، وتدخل في جدلية معقدة مع ذاكرة الأفراد ورواياتهم؛ وهذا يقود إلى الخاصة الخامسة للذاكرة، وهي أنها توجد دائماً في علاقة مركّبة مع النسيان، فنحن لا نتذكّر كل ما حدث، ولا بد من «مساحة عمياء» ما في نظرتنا للماضي، كما أن إكساب المعنى للسرد لا يمكن أن يتم إلا بتجاهل بعض التفاصيل، أو التقليل من أهميتها.
وبالتالي فإن ما نتذكره لا يكون إلا بالتفاعل مع ما نتناساه.
وتحديد مواطن التذكّر والنسيان هو في عمق الصراع الاجتماعي على الذاكرة.
كانت أعمال عالم الاجتماع الفرنسي موريس آلبفاكس (1877-1945) حاسمة في تحديد مفهوم «الذاكرة الجمعيّة»، إذ ركّز على فكرة «البنية المرجعيّة للذاكرة»، المتجسدة في المجتمع ومجموعاته، ما يجعل الذاكرة الفردية مرتبطة بذاكرة جماعية قائمة خارج الفرد، وتستمر بعده.
يضيف الأفراد إلى الذاكرة الجماعية، ولكن هذه الإضافة لا تتم بشكل حر أو مستقل، وإنما ضمن الشروط الثقافية والرمزية للجماعة.
كما أكّد آلبفاكس على نقطة شديدة الأهمية من الناحية السياسية والاجتماعية، وهي اختلاف ذاكرة كل جماعة عن ذاكرة الجماعات الأخرى، التي شهدت الحدث نفسه، وهذا يعني أن حدثاً تاريخياً واحداً، سواء كان حرباً أو ثورة أو كارثة طبيعية، قد ينتج أكثر من ذاكرة مختلفة عنه، باختلاف المجموعات ومواقعها وثقافتها، ويتجسّد هذا في طقوس وممارسات التذكّر داخل الجماعة، ما يجعل الذاكرة جانباً من تمثّلات المجتمعات عن نفسها، وصورتها عن ذاتها، وليست فقط استرجاعاً للماضي.
من جانب آخر يولي آلبفاكس أهمية كبيرة لمحاولات توحيد ذاكرة الجماعات، عبر إنتاج حيّز مادي للتذكر، يتخذ شكل النُصب التذكارية، والاحتفالات الموسمية، والسرد المدرسي والتربوي.
وهنا يبرز دور السلطة، والصراع عليها، والذي قد يصل إلى أشكال شديدة الدموية، فقد تبني السلطة رمزاً لإحياء ذكرى ما، أو لتذكّر شخصية معيّنة، وبعدها تندلع احتجاجات اجتماعية لإزالة الرمز وتحطيمه، والعكس صحيح، فقد تشيّد مجموعة ما رمزاً ضرورياً لذاكرتها، فتعتبره السلطة غير قانوني، أو مناهضاً لسيادة الدولة، وتشن حملة قمع عنيفة لتحطيم الرمز، ومحاسبة من شيّدوه.
بل قد تدور معارك مسلّحة بين طرفين في حرب أهلية، للدفاع عن رمز ما للذاكرة الجمعية أو تحطيمه، والأمثلة عن ذلك كثيرة.
البحث في «البنية المرجعية للذاكرة» وصل إلى مرحلة جديدة مع أعمال الباحثة الألمانية ألايدا أسمان، التي أكدت أن ماضي المجتمعات ضخم ومتعدد جداً، ولا تستطيع تذكّره كله، ولذلك تقوم بعمليات مستمرة من الاختيار والتنظيم والنسيان، وهي عمليات تلعب المؤسسات الدور الأساسي في أدائها، فتحدد ما يحتاج البشر تذكّره فعلاً، ما يخلق نوعاً من البديهة لديهم، في التركيز على أحداث معينة في حياتهم الماضية أو تجاهلها، أي أنها تساهم في تأسيس الشروط المعرفية والإدراكية «السوية» للذاكرة نفسها، منشئةً بذلك «ذاكرة وظيفية» للمجتمعات، وهي «وظيفيّة» لأنه لا غنى عنها اجتماعياً للإجابة عن أسئلة أساسية، ومنها سؤالا «من نحن؟ »، و»ما معنى وجودنا المشترك؟ »، المؤسِّسان للهوية.
إلا أن أسمان، رغم نزعتها المؤسساتية، لا تختزل الذاكرة بـ»الذاكرة الوظيفية» المتداخلة بالهوية، بل تفتح المجال لأنواع أخرى من الذاكرة، قد يكون لها دور أساسي في التغيير، وإعادة ما تم كبته مؤسساتياً، وأهمها «الذاكرة التواصلية»، وهو مفهوم عملت عليه مع زوجها يان أسمان، المتخصص في مجال الدراسات الدينيّة والثقافية، ويركز على الذاكرة الشفوية، التي يتداولها البشر في ما بينهم، وتخصّ أحداثاً عاصروها شخصياً.
تتسم تلك الذاكرة بأنها تُبنى على التواصل الاجتماعي الأكثر تحرراً مما تتيحه القيود المؤسساتية؛ وقابلة للتعديل المشترك بين من يتداولونها، نتيجة تبادل التصورات والانطباعات والحجج بينهم؛ كما أنها قصيرة الأمد نسبياً، إذ لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة أجيال؛ وقد تدخل عناصر منها في «الذاكرة الوظيفية» فيما بعد، أو تشكّل «ثقافة فرعية» معارضة لها.
أيضاً هنالك «الذاكرة الأرشيفية»، فليس كل ما هو موجود في الأرشيفات والمتاحف يدخل في «الذاكرة الوظيفية»، فقد تبقى وثائق مهملة كثيرة، لا مكان لها في الرواية السائدة، وهذه الوثائق قد تصبح فيما بعد أساساً لـ»ثورات في الذاكرة»، يقوم بها مؤرخون ومختصون، أو حتى ناس عاديون، وصلوا إلى عمق الأرشيفات، في سياق الصراعات الاجتماعية والسياسية.
ليست الذاكرة حقائق لا جدل فيها إذن، وإنما ميدان تواصلي ومؤسساتي وسياسي وهوياتي.
وكثيراً ما تكون محاولات فرض الذاكرة، بوصفها أمراً بديهياً، نمطاً من الهيمنة شديد القسوة، يحاول احتكار السياسة والهوية، بل حتى اعتداءً على ذاكرة ورواية مجموعات معيّنة، ولذلك فهي مرتبطة بالمنظورات الأحادية والاستئصالية، كما أنها قد تستخدم للابتزاز السياسي والأيديولوجي، وهذا يطرح أسئلة صعبة عن الذاكرة الجماعية في منطقتنا، خاصة في الدول التي شهدت حروباً أهلية، ولم تستطع أن تدرك تعددية الذاكرات التي خلّفتها: هل يمكن توحيد ذاكرتنا عن الأحداث شديدة الدموية؟ وما كلفة فرض نمط معيّن من الذاكرة بشكل قمعي؟ وهل هذا ممكن أصلاً في مجتمعات منهارة وممزقة؟قد يكون لبنان حالة خاصة في ذاكرة الحروب الأهلية، إذ يشهد نوعاً من التأقلم العام على مبدأ تعددية الذاكرات، بين الطوائف والمجموعات السياسية، بل حتى داخل الطائفة والمجموعة الواحدة.
قد يكون لبنان حالة خاصة في ذاكرة الحروب الأهلية، إذ يشهد نوعاً من التأقلم العام على مبدأ تعددية الذاكرات، بين الطوائف والمجموعات السياسية، بل حتى داخل الطائفة والمجموعة الواحدة.
مَنْ هو بطل في ذاكرة مجموعة، قد تتم شيطنته في ذاكرة مجموعة أخرى؛ والمجزرة في ذاكرة البعض، قد تكون معركة بطولية لدى آخرين، ورغم هذا تمضي الحياة، مع اتفاق ضمني على شرعية هذا التعدد.
ربما يرتبط هذا بمبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، الذي انبنت عليه معظم مبادرات السلم الأهلي في ذلك البلد، وهو يعني عملياً أن الجميع هزموا، والجميع يحق لهم ادعاء البطولة، ولا حاجة هنا لذاكرة وطنية عامّة، بل قد تكون الوطنية نفسها طريقة لتنظيم تعايش الذاكرات، والحفاظ قدر الإمكان على مبدأ اللا غالب ولا مغلوب.
إلا أن هذه الصيغة تبدو شديدة الهشاشة، وقابلة للانفجار الدوري.
كما أن الجدل العام يدور، تلميحاً أو تصريحاً، عن وجود غالب معيّن، يحق له فرض روايته، خاصة إذا نجح بتعزيزها بالسلاح، والثبات عليه، وهو ما يثير نمطاً من المقاومات، ترى أنه لا حل إلا بنمط من الانفصال، أو الكونفيدرالية، أو الفيدرالية، حيث يمكن لكل جماعة أن تنظّم شؤونها، ومن ضمنها تنظيم ذاكرتها، الأساسية في تحديد هويتها وسياستها ونمط حياتها، بالانفصال عن البقية، الذين يسعون لفرض هيمنة ذاكرتهم ورواياتهم.
قد يمكن القول إنها ذاكرة لم تعد تريد أن تنتصر، أو تتيح للآخر الانتصار.
ربما يكون هذا حلاً، رغم صعوبته، وما يهدد به من مخاطر عودة الاقتتال لترسيم الحدود بين الجماعات، فهو غالباً تأقلم مع حالة الحرب الأهلية الدائمة وليس تجاوزاً لها، وفوق هذا فإن الحالة اللبنانية صعبة التعميم على بقية دول المنطقة.
في بلدان أخرى، لا تبدو صيغة «لا غالب ولا مغلوب»، بما تتيحه من تعددية الذاكرة، أمراً مُرضياً، هنالك غالب، أو مدعي انتصار، يريد فرض ذاكرته وروايته عن الحرب، معيداً بها إنتاج الوطنية والهوية، بل والثقافة والحياة اليومية.
رأينا أن هذا الفرض لا يمكن أن يتم بمجرّد القوة المحضة، بل يحتاج أطراً، وبنىً مرجعيةً، ومؤسسات، وتعاطياً مع الذاكرة الشفوية/التواصلية، وقدرةً على التحكّم بالأرشيفات، وهذا يفترض وجود دول وأنظمة قوية، ومشاريع سياسية وأيديولوجية متينة، لها حواملها وائتلافاتها الاجتماعية، وهو أمر متعذّر في بلدان تضمحل فيها كافة مؤسسات التحضّر، بما في ذلك التعليم؛ والإعلام؛ وصناعة الثقافة؛ والرعاية الاجتماعية؛ وأطر المشاركة السياسية، المباشرة وغير المباشرة.
ضمن خريطة اجتماعية يسودها الإفقار والعنف والفوضى، وتتحكّم بها شبكات ميليشياوية، تنتعش ضمن اقتصاد ظل وجريمة، ويسودها منطق ولاء وتبعية شديد الرثاثة، يصبح العمل على فرض الذاكرة والرواية اعتداءً مسلّحاً ومباشراً، يحاول احتكار الكلام لنفسه، عبر إخراس الآخر، لا أن ينتج الشروط البنيوية لإمكانية الكلام، كما في الأنظمة والدول التي تستحق اسمها، أي أنه يفشل بفرض الهيمنة الأيديولوجية والأخلاقية، حتى لو استطاع التسيّد عبر العنف.
قد ينجح هذا الاعتداء بفرض الصمت مؤقّتاً، ولكنه لن يفرض النسيان، وستبقى كل مجموعة محتفظة بذاكرتها الخاصة عن الأحداث، والتي قد تحمل بدورها عناصر خرافية وانتقامية وراغبة بالتغلّب واستئصال الآخر، وغالباً ستعود «ذاكرة المهزومين» في كل مناسبة، لتكون أساساً لاضطرابات اجتماعية عنيفة، ما يجعل انتهاء الحروب، والوصول إلى صيغة للسلام الاجتماعي، أمراً متعذراً.
مادامت الذاكرة والرواية مفروضة بشكل واضح العنف والاعتداء، فالحرب الأهلية لن تنتهي.
قد يكون الاسترشاد بالنموذج اللبناني هنا مغرياً لكثيرين، رغم غياب أهم عناصر ذلك النموذج، أي الاتفاق العام على صيغة تعدد الذاكرات والروايات، ورفض إعلان الغلبة، فتتمركز كل مجموعة حول ذاكرتها الخاصة، وتُقصي كل من يحاول التماهي مع ذاكرة المتغلّب، وتسعى إلى ترسيم الحدود مع الآخرين، أياً كان الثمن، لتحدد شروط تذكّرها، وبالتالي تعيد إنتاج هويتها، بعيداً عن الآخر، واعتداءاته المتوقّعة، وبالتناقض معه، وهذه قد تكون وصفة حرب، أكثر من كونها صيغة تعاقدية لإنهائها.
ربما كان مفهوم «الغفران» عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور أحد أهم المداخلات النظرية للتعاطي مع الذاكرة، فالغفران ليس النسيان، ولا التبرير، ولا العدالة.
ربما كان مفهوم «الغفران» عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور أحد أهم المداخلات النظرية للتعاطي مع الذاكرة، فالغفران ليس النسيان، ولا التبرير، ولا العدالة.
الماضي الدموي موجود، والجريمة وقعت، ولا مناص من محاسبتها، ولكنّ الغفران طريقة للتعاطي مع الذات والآخر، بعد المأساة، مبني على فكرة في عمق فلسفة ريكور التأويلية، وهي «الهوية السردية».
يمكن تبسيط هذه الفكرة باعتبار الذات الفردية والجماعية أقرب لقصة، تمضي عبر الزمن والأحداث، ولا يمكن اختزالها وتثبيتها في نقطة واحدة، أو جوهر ثابت، فهي تتضمّن التغيّر والتحوّل، وتستمر عبر التأويل الدائم لأحداثها الماضية، ووقائعها الحاضرة، وصولاً إلى تطوراتها المحتملة في المستقبل.
وهكذا يصبح الفاعل أكبر من فعله، والمفعول أكبر من الفعل الذي وقع عليه، فالفعل بحد ذاته نقطة واحدة في الحكاية المستمرة، لا يمكن اختزال الذات والآخر بها.
قد يبدو المفهوم طوباوياً للغاية، وربما يسوعياً، وبالتأكيد ريكور متأثر بخلفيته المسيحية، وبالفلسفة الدينية عموماً، إلا أن «الغفران» في الفلسفة التأويلية فعل اجتماعي وثقافي شديد التعقيد، ويستلزم إرادة جماعية، وقدرة على التوافق والتواصل، وليس مجرّد نعمة، تمحي الخطايا أمام الرب عبر الغفران.
الخطايا هنا لا تُمحى، ولكن المجتمع يريد الاستمرار، عبر صياغة مفهوم أكثر رحابة للذات والذاكرة الجماعية.
ولذلك فإن الشرط المبدئي للغفران هو انتهاء الحرب أولاً، والرغبة بإنتاج إطار سياسي واجتماعي وثقافي، قائم على الاعتراف بمطالب البشر، وتعددهم، وذاكرتهم، عندها فقط يصبح الفاعل أكبر من فعله الماضي، والذات أوسع من اختصارها بما وقع عليها من ظلم.
عند الإصرار على استمرار الحرب، عبر سعي طرف متغلّب لفرض سيطرته، وروايته، ونمط حياته، وذاكرته، فلا سبيل إلا الدفاع عن الذات، لأنها ما تزال تحت تهديدٍ وجودي.
للغفران حدوده بالتأكيد، ولكنه قد يكون مفيداً حتى للذات الجماعية التي تحاول حفظ وجودها، بل بوصلة تساعدها على النجاة، فهو أولاً يمنع تقزيمها إلى دور الضحية؛ ويمنحها ثانياً القدرة على إعادة بناء هويتها بشكل أكثر إتقاناً، باعتبار ما وقع ويقع عليها من مظالم واعتداء ليس إلا جانباً من قصة طويلة، لم تكشف كل فصولها بعد، وما تزال حافلة بالإمكانيات؛ ويجنّبها ثالثاً التعلّق المرضي بمضطهديها، ما يجعلها نسخة معكوسة منهم، ويدخلها في دائرة لا تنتهي من الهمجية.
الغفران هنا غفران للذات أولاً، ومحاولة لإعادة بنائها بقوة أكبر، ما يجعل الدفاع عن النفس، وتحقيق المطالب، وصياغة التوجّه العام، أشد فعالية، وأكثر إمكانية للتحقق، لأنه يملك أفقاً ومشروعاً، ولا يقتصر على مقولة «ردة الفعل»، وهي أسوأ ما في ثقافتنا المعاصرة.
يمكن أيضاً أن يصبح هذا الأفق، المبنى على «الهوية السردية»، و»الغفران»، و»إعادة تأويل الذاكرة» مشروعاً مشتركاً للسلام، لكل الفئات المتضررة من نزعة التغلّب، الاستئصالية والإحادية، يُمكِّنها من إيجاد مشتركات بين ذاكراتها المتعددة، وصولاً لإنتاج رواية بديلة، أكثر تماسكاً وإقناعاً من الرواية الرثّة، التي يحاول المتغلّبون فرضها بالسلاح، وهذا قد يساهم في صياغة هيمنة فعلية، تشكّل بديلاً فعلياً عن الواقع الهمجي، الذي يعيق استمرار الحياة؛ ويجعلها تمتلك القدرة على جذب واستقطاب أفراد ومجموعات متزايدة لها.
يمكن افتراض وتخيّل والدعوة لكثير من الأمور، ولكن يبقى أن كل هذا بحاجة إلى حوامل اجتماعية، ونخب، وتنظيمات سياسية، وهو الإطار البنيوي المفتقد حالياً في منطقتنا.
ربما الغوص أكثر في دائرة الهمجية الحالية لن ينتج أي شيء، إلا مزيداً من الدماء، وربما تقتنع فئات متزايدة بعبثية الأوضاع، وتعمل على إنتاج بدائل، حتى لو كانت ضعيفة وغير كافية.
في كل الأحوال، لا يمكننا نسيان الهمجية الحالية، أو الصمت عنها، أو تبريرها، وعلينا أن نتذكّرها ونذكّر بها دائماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك